أعادت التصريحات، التي أدلى بها المستشار الملكي، فؤاد عالي الهمة، ضد عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ورئيس الحكومة المعفى، إلى الأذهان تاريخ العلاقة المتشنجة بين الرجلين منذ سنوات.
ففي يونيو من العام الماضي، وبعد قضائه لخمس سنوات على رأس الحكومة سُئل ابن كيران عن علاقته بالمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة، فقال بعفويته المعهودة « ليس هناك حب كبير بيننا ».
جواب وجد فيه كثيرون أن تغير موقع ابن كيران من المعارضة إلى الأغلبية، وعودة فؤاد عالي الهمة إلى موقعه الطبيعي في « دار المخزن » لم يمح فصول سنوات من المواجهة الظاهرة، والخفية بين صديق الملك ورجل ثقته الأول، ورئيس حكومة حملته صناديق الاقتراع، ورياح الربيع العربي إلى مربع الحكم، وما يفرضه من تعامل مع خصمه « القديم الجديد ».
سنوات من الصراع الخفي والمعلن
يرى متتبعون أن توتر العلاقة بين ابن كيران، والهمة ليست جديدة، بل إنها بدأت منذ تعيين هذا الأخير وزيرا منتدبا لدى وزير الداخلية، وتزامن ذلك مع الأحداث الإرهابية، التي ضربت مدينة الدارالبيضاء عام 2003، والتي حمل حزب العدالة والتنمية المسؤولية المعنوية فيها من قبل أحزاب، وجمعيات تخالفه المرجعية.
وتولى فؤاد عالي الهمة مهمة الضغط على قيادة حزب العدالة والتنمية من أجل عدم تغطية أغلب الدوائر الانتخابية في الانتخابات الجماعية لعام 2003. ورغم انحناء البجيدي للعاصفة وقبوله بالأمر الواقع، إلا أن بنكيران ظل يستثمر الواقعة في شن هجوماته على الهمة.
عام 2007 بداية معركة تكسير العظام
بشكل مفاجئ، أوردت وكالة المغرب العربي للأنباء، مساء ليلة السابع من غشت عام 2007 إعفاء فؤاد عالي الهمة من مهامه في وزارة الداخلية من قبل الملك محمد السادس.
وعزا بلاغ للديوان الملكي إعفاء الهمة من مهامه إلى ملتمس تقدم به إلى الملك محمد السادس من أجل تحقيق رغبته في الترشح للانتخابات التشريعية، التي ستجري في السابع من شتنبر من العام نفسه.
ولم يكن ابن كيران أثناء إعلان الهمة ترشحه للانتخابات، وخروجه من منطقة الظل إلى العلن أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية، لكنه وجد فيه فرصة سانحة لبناء شرعيته.
وظل عبد الإله ابن كيران في مواجهة دائمة مع الهمة، ورأى فيه مناضلو العدالة والتنمية نموذج القائد، الذي يقف في وجه « رمز السلطوية »، خصوصا حينما انبرى للرد على هجومه في أول مقابلة له مع القناة الثانية بعد انتخابات 2007 ، إلا أن تم انتخابه أمينا عاما للحزب عام 2008 ويبدأ مرحلة جديدة في مواجهة الهمة.
https://www.youtube.com/watch?v=inbBbyvIju8
واستمر ابن كيران في تحميل الهمة كل شرور الحياة السياسية، واتهامه بعرقلة تحالفات حزب العدالة والتنمية في الجماعات المحلية بعد انتخابات 2009، كما لم يتردد في التلويح إلى وقوفه وراء اعتقال جامع المعتصم، نائب عمدة سلا، والقيادي في حزب العدالة والتنمية.
تصعيد أكبر مع موجة الربيع
وجد عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، في موجة الربيع العربي عام 2011 سندا قويا لتصعيد هجومه ضد فؤاد عالي الهمة.
ولم يتردد ابن كيران في مخاطبة الملك محمد السادس شخصيا في أحد مهرجانات حزب العدالة والتنمية عام 2017 بقوله « يا جلالة الملك إن المغاربة لم يعودوا يقبلون أمثال الهمة، والماجيدي، وإلياس العماري »، داعيا إياه إلى التخلي عنهم كوسطاء بينه والشعب.
ولم تخمد نار المواجهات بين بنكيران والهمة قليلا إلا بتعيين ابن كيران رئيسا لحكومة دستور 2011، وتعيين الملك للهمة مستشارا له، بعد هزيمة حزبه « البام » في انتخابات 25 من نونبر، الشيء الذي رأى فيه متتبعون انتصارا لابن كيران على خصم غير عاد، عاد إلى موقعه الطبيعي، كواحد من أقوى رجالات القصر.
منجب: رد الهمة دليل على أن ابن كيران لايزال مؤثرا
يرى المعطي منجب، المؤرخ السياسي المغربي أن العلاقة المتشنجة بين ابن كيران لا علاقة لها بالأشخاص، بل إنها تمثل تعبيرا عن توجهين؛ أحدهما يقوده ابن كيران كأمين أقوى حزب سياسي منظم، يشتغل من داخل المؤسسات، ويدافع عن دمقرطتها، وتيار آخر يعبر عن رفض الدولة لكل تغيير، فالهمة هو المعبر عن لسان الدولة »، وأضاف أن المشكل أعمق من أن يكون بين شخصين.
واعتبر منجب أن لجوء الهمة إلى الإدلاء بتصريح ينفي فيه أن يكون لقاؤه بابن كيران قد تطرق إلى موضوع الريف، واتهامه بـ »السكوت عن الحقيقة، والرغبة في استمرار البهتان » دليل على أن النظام يدرك أن ابن كيران لايزال مؤثرا، وأن كلمته مسموعة، وقد تكون لمواقفه انعكاسات على الأحداث.
إلى ذلك، استبعد منجب أن يكون لقاء الهمة، وابن كيران لقاء اجتماعيا، كما قال الهمة، معتبرا أن السياق الذي جرت فيه الزيارة، وتزامنها مع احتجاجات الريف، وكذا عدم تكذيب ابن كيران للأخبار، التي نشرت كلها معطيات تعزز أن اللقاء كان سياسيا، وليس اجتماعيا.