نشر لوائح "لاكريمات".. كواليس أولى معارك حكومة بنكيران

10/06/2017 - 03:00
نشر لوائح "لاكريمات".. كواليس أولى معارك حكومة بنكيران

 

بنكيران يعتقد أن المسؤول السياسي عليه اتخاذ القرار الذي يناسب السياق والتوازنات القائمة، لكن بعد اتخاذه، فإما تحقيقه وإما الرحيل.

بمجرّد تعيين حكومة عبدالإله بنكيران يوم ثالث يناير 2012، كانت الأنظار كلّها تتجه نحو ما ستتخذه هذه الحكومة الخارجة من رحم الربيع العربي ودستور جديد، من إجراءات وقرارات تلبي مطالب الشارع.

الملف المطلبي كان طافحا بالإصلاحات والتغييرات الشاملة التي ينتظرها الشعب، لحماية ثروات البلاد من النهب والاستغلال، والوافدون الجدد على دائرة الحكم كانوا تحت وقع دهشة الاكتشاف الأولى، وضرورة اكتشاف التوازنات القائمة داخل معاقل السلطة من الداخل، بعدما ظلوا يواجهونها من موقع المعارضة.

« ذات يوم، كان رئيس الحكومة عبدالإله بنكيران جالسا في بيته يتابع أحد البرامج التلفزيونية حول الريع ومظاهره، ليطالب أحد المشاركين فيه، وكان ينتمي إلى حزب العدالة والتنمية، بالكشف أولا عن لائحة المستفيدين من رخص النقل التي ظلّت السلطة توزعها بمزاجية طيلة عقود »، يقول مصدر موثوق.

أثارت تلك المداخلة انتباه رئيس الحكومة بشكل استثنائي، ليبادر فورا إلى تركيب رقم وزير النقل والتجهيز، عزيز الرباح حينها. هذا الأخير لم يجب فورا، ليعيد الاتصال برئيس الحكومة في وقت لاحق. « تساءل رئيس الحكومة مع وزيره في التجهيز، لماذا سيستفيد البعض من رخص النقل التي تمنحها الدولة ويحصّل مداخيلها، بينما أتحمّل أنا عبء النقد وأواجه المطالب، انشر لوائح المستفيدين أيها الوزير ».

لم يكن وزراء حزب المصباح يسعون حينها إلى إحداث ثورة في مجال ظلّت السلطة تحتكر تدبيره وتسخّره لضمان الولاءات ومكافأة المطيعين، إلى جانب مساعدة المحتاجين أحيانا. « من لديه حق مكتسب الله يكمل عليه، لكن من حق هذا الشعب أن يعرف من الذي يستفيد، وليتحمّل كل مسؤوليته »، يقول مصدر عاش تفاصيل تلك الفترة.

كان السياق العام السياسي حينها في صالح مثل هذا الإجراء، فمنح رخص النقل الطرقي عبر الحافلات كان قد توقّف منذ قرابة عام، أي منذ الشرارة الأولى للربيع العربي في المغرب. أما الرخص الخاصة بسيارات الأجرة فكانت بدورها قد كفت عن الصدور، قبل أن تستأنف تعبيرا عن مقاومة أم الوزارات. « واجهت الحكومة صعوبات لا يمكن تصوّرها في هذا المجال، فقد أدى الاقتراب من لوائح المستفيدين من رخص النقل إلى إثارة العديد من مراكز القوى واللوبيات والمصالح، حتى الذين لا يعنيهم هذا القرار خشوا أن يكون مجرد بداية، والصعوبات الأكبر والأشرس هي التي ستواجهها الحكومة في ملف رخص استغلال مقالع الرمال. لقد كانت حربا حقيقيا »، يقول أحد المصادر.

واحدة من المؤاخذات التي وجّهت إلى حكومة بنكيران في تلك المعركة التي فتحتها، كان عدم تمييزها في النشر بين « المستحقين » لمأذونيات النقل، والذين جعلهم السياق السياسي والتناول الإعلامي للموضوع في قفص الاتهام، وبين « المستفيدين من الريع »، وأولئك الذين استفادوا ثم تنازلوا عن هذه المأذونيات أو قاموا ببيعها. حزب التقدم والاشتراكية الذي كان مطالبا بتبرير التحاقه بحكومة الإسلاميين أمام عائلته اليسارية، سارع إلى الخروج عبر أمينه العام نبيل بنعبدالله، لانتقاد طريقة تدبير الوزير عزيز الرباح لعملية النشر هذه.

بنعبدالله خرج حينها للصحافة مدافعا عن القيادية في صفوف حزبه، كجمولة بنت أبي، والتي قال إنها استفادت من مأذونية للنقل بعد عودتها من مخيمات تندوف، لتكون بمثابة مورد عيش لها ولأسرتها على غرار العديد من العائدين.

نموذج اعتبر بنعبدالله حينها أنه يدلّ على الإساءة التي مسّت فئات لا يمكن ضمها إلى الزعماء الحزبيين ورجال السلطة والمقربين منهم، والذين استفادوا من تلك المأذونيات كريع غير مستحق.

« ليس من العار أن يمتلك الشخص رخصة نقل، ولكن كان ضروريا أن يتعرف المغاربة على من يستفيد »، قال عبدالإله بنكيران أمام اللجنة المركزية لشبيبة العدالة والتنمية يوم السبت 4 مارس 2012، فيما خرج وزير النقل عزيز الرباح ليقول إن ما يفقد الدولة هيبتها في الحقيقة هم « لصوص المال العام »، وإن ما تقوم به الحكومة من إجراءات يدخل ضمن التوجيهات الملكية ومضامين الدستور الجديد.

اشتدّت حينها المواجهة المثيرة بين حزب العدالة والتنمية وأقرب حلفائه الحكوميين إليه، حزب التقدم والاشتراكية. « الرباح مارس حقه، وإذا كان في ذلك من إيجابيات فإنها تُحسب للحكومة بأكملها وليس للرباح وحزبه فقط »، يقول بنكيران في خرجة إعلامية في عز الأزمة، مضيفا: « نحن لسنا فوق النقد ونتلقى الانتقادات، بما فيها تلك الصادرة عن حلفائنا، بصدر رحب وانفتاح »، واعتبر بنكيران تصريحات بعض وزراء حزبه « أخلت في بعضها بواجب التحفظ، هذا صحيح، ونحن مازلنا في بداياتنا ونحتاج إلى التصحيح والمراجعة كلما تطلب الأمر ذلك ». وأضاف بنكيران أنه « يبقى للأستاذ بنعبدالله حق إبداء الملاحظة، وكلامه لا يخلو من صواب ومقاربتنا هي كما كانت مقاربة تشاركية ».

مضت الحكومة رغم هذه الزوابع التي أثارها قرارها نشر لوائح المستفيدين من الرخص، نحو الدفاع عن أول مكسب يمكنها تقديمه لرأي عام تعطش للإصلاحات.

وخلال أقل من خمسة أشهر من تعيين الحكومة، كشف الرباح عن بعض التدابير التي ينوي القيام بها في مجال مقالع الرمال، ما جعله في تماس مباشر مع وزارة الداخلية. « هذه الوزارة كانت غيورة جدا «très jalouse» كلما تعلّق الأمر بأحد الملفات التي تتدخل فيها، لهذا تحوّل هذا الملف إلى مواجهة قوية وإن كانت خفية »، يقول مصدر عاش كواليس تلك المرحلة.

الرباح اقترح رئاسة اللجنة الإقليمية للمقالع من طرف المدير الجهوي أو الإقليمي للتجهيز والنقل، بدلا من الوالي أو العامل الذي كان يمارس هذا الاختصاص حينها أو يعين من يقوم به.

« سنسترجع سلطات الوزارة، ليصبح المدير الجهوي هو المسؤول على ترؤس اللجان لسبب بسيط، هو أنني قادر نحاسبو »، قال الرباح في إحدى خرجاته الإعلامية في ماي 2012، مضيفا: « واعذروني لن أقول أكثر لأنني ملزم بواجب التحفظ ».

الرباح الذي حمل مشروعه الإصلاحي إلى البرلمان، قال أمام أعضاء لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة بمجلس النواب، إن موضوع النقل « نشترك فيه مع وزارة الداخلية، فهي التي تسير كل ما يتعلق بالطاكسيات، أي الترخيص تحديدا، وكل ما يتعلق بالنقل الحضري هو أيضا من اختصاص الداخلية… نحن مكلفون بالنقل المزدوج، وهو بدوره نتقاطع فيه مع وزارة الداخلية، بينما نتولى بالكامل مجال النقل بين المدن ونقل البضائع والنقل الدولي، ومنين تناقشوني ناقشوني فحدود صلاحياتي ».

وفي ردّ استباقي على الانتقادات المحتمل أن يوجهها إليه البرلمانيون، قال الرباح للذين يؤاخذون عليه عدم إنهاء العمل بالـ »كريمات » بعد نشر لوائح أصحابها: « يلا حيّدت الرخص فاش غادي يركبو المغاربة؟ المبدأ هو الإصلاح وليس سحب الرخص ». وأضاف أن نشر اللوائح جاء بناء على الدستور الذي نص على الحق في المعلومة، « وفضلنا نديروها وحنا مرتاحين بدون ضغط ».

ليونة أمام الضغوط القوية التي اعترضت الحكومة حينها، جعلت رئيسها السابق لا يخرج راضيا عن كيفية تدبير هذا الملف، « بنكيران يؤمن بفكرة مفادها أن اتخاذ قرار الإقدام على خطوة معينة، يقتضي الذهاب إلى أبعد مدى.

هو يعتقد أن المسؤول السياسي عليه اتخاذ القرار الذي يناسب السياق والتوازنات القائمة، لكن بعد اتخاذه فإما تحقيقه وإما الرحيل، لهذا لم يكن راضيا عن التنازلات التي قدمها الربح في هذا المجال، بينما تمسّك بنكيران بفكرته إلى آخر لحظة، حيث أعفي من رئاسة الحكومة بعد تمسكه بقراراته ».

 

شارك المقال