بنزكري يقتحم جدار الصمت بالريف

14 يونيو 2017 - 21:20

قرر إدريس بنزكري القيام، يومي 19 و20 شتنبر 2004،  بزيارة استكشافية إلى مدينة الحسيمة رفقة بودرقة وصلاح الوديع، والتشاور مع الأطر المحلية فيما يتعلق بملف الريف وعلى الخصوص أحداث 1958 و1959.

مرد هذا القرار كون هيأة الإنصاف والمصالحة كانت تعلم جيدا حجم الاضطرابات التي وقعت بمنطقة الريف خلال سنتي 1958 و1959 من انتهاكات جسيمة وسقوط عدد كبير من الضحايا وتسجيل اعتقالات واسعة، خصوصا بعد أن قاد الأمير مولاي الحسن في بداية 1959 فرقا من الجيش تحت إشراف الكولونيل أوفقير آنذاك لإخضاع الثائرين ووضع حد للانتفاضة.

ومن باب الاهتمام الكبير الذي أولته هيأة الإنصاف والمصالحة لما وقع في الريف من انتهاكات جسيمة، واستغرابها لعدم التوصل إلا بعدد قليل من طلبات التعويض، حاول بنزكري وفريقه فهم الحجم المحدود للطلبات الواردة من هناك، والوقوف على بعض الأماكن التي شهدت الأحداث ومواقع الذاكرة بالمنطقة. وبعد اللقاءات التي تمت مع عدد من الوجوه بالريف (إلياس العمري وحكيم بنشماس وعبد السلام بوطيب وعزيز بنعزوز ومحمد الشيخ وعبد الإله العماري)، خلصت الهيأة إلى ضرورة تشجيع الضحايا على الحديث عن الأحداث ومقاومة التهميش وفقدان الثقة ومحاربة الفكرة السائدة بأن الريف يشكل حالة استثنائية.

الأماكن التي زارها بنزكري ومن معه عديدة، أبرزها دار سلوم، الذي بدأ فيه إطلاق النار خلال الأحداث، والوالي الصالح “بوشعيب” الذي كانت تقصده النساء والفتيات اللواتي تعرضن للاغتصاب خلال الأحداث من أجل الإجهاض.

وتوقف وفد الهيأة بمنطقة “تمزكيدة تقديمت” (المسجد العتيق)، الذي توجد به شجرة حيث كانت تبرم العهود التي لا يجوز التنصل منها. هناك، التقط وفد الهيأة صورة مع الشجرة، وتم اعتبارها بمثابة عهد بين المنطقة وهيأة الإنصاف والمصالحة.

وقرر بنزكري أولا تكوين فريق من شبان وشابات منطقة الريف يتقنون التخاطب باللهجة المحلية حتى يسهل التواصل مع الساكنة، ثم وضع ملف الريف ضمن دائرة النشاط الدبلوماسي. وفي هذا الاتجاه، مثل الهيأة إدريس اليزمي وبودرقة في اللقاء الدولي المنعقد بأمستردام بهولندا يوم 8 أكتوبر 2004، وتم تخصيص الجزء الأكبر لأحداث الريف.

أما فيما يتعلق بعودة رفات الأمير عبد الكريم الخطابي ليدفن في التربة التي أنجبته وسقاها بدماء الشهداء، وبعد الاتصالات الأولية التي قام بها بنزكري، أسفرت عن استعداد الدولة لوضع كل إمكانياتها، ليس فقط لنقل جثمان عبد الكريم الخطابي، بل إعادة الاعتبار لقيمته التاريخية وأخذ المكانة التي يستحقها في تاريخ الوطن.

زار اليزمي وبودرقة بيت عائشة الخطابي بالدار البيضاء التي رحبت بالفكرة وكذا شقيقتها، وحضر اللقاء بعض الباحثين المهتمين بتراث الأمير عبد الكريم الخطابي. وتلتها زيارة أخرى برئاسة بنزكري وبودرقة وبمعية مصطفى الكثيري، المندوب السامي للمقاومة وجيش التحرير.

توجه اليزمي إلى القاهرة للتحاور مع سعيد الخطابي، نجل الأمير الخطابي، وبعد اللقاء، طلب سعيد الخطابي مهلة للتفكير في الأمر، غير أن المنية غيبت بنزكري يوم 20 ماي 2007، كما انتقل إلى عفو الله سعيد بن عبد الكريم الخطابي يوم 8 نونبر 2007، أي في نفس سنة وفاة بنزكري، “ويموت الحالم ولا يموت الحلم”.

سنوات فيما بعد (في دجنبر 2011)، أعد شوقي بنيوب دراسة تحليلية لفائدة مركز الريف لحفظ الذاكرة، حول شهادات أحداث الريف لعامي 1958 و1959، دراسة تحدثت عن ضحايا الريف الذين يتجاوز عددهم المائة حالة، وانتهت بطرح مجموعة من الاستنتاجات أبرزها، قيمة مبادرة مركز الريف لحفظ شهادات وذاكرة الريف، وأهمية الترافع حول انتفاضة الريف كحدث وطني كبير.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

. منذ 4 سنوات

يقول المثل "يا لمعز على عام يا مفكر لهموم"

التالي