الدعم المباشر للفقراء.. كواليس كبرى معارك بنكيران

14/06/2017 - 22:00
الدعم المباشر للفقراء.. كواليس كبرى معارك بنكيران

حين كان عمر حكومة بنكيران يتقدم مراكما الشهور ومتجاوزا السنة الأولى، كان ذهن عبدالإله بنكيران يستحضر فكرة، مفادها أن حكومته جاءت لتقضي خمسة إلى ستة أشهر على أقصى تقدير، ثم سيغلق القوس وترحل. « لم تكن هذه الفكرة من تهيؤات خيال عبدالإله بنكيران، أو توجس من أمر مجهول، بل لأن هناك من عَمِل على طرحها منذ البداية ». إلقاء فكرة الحكومة المؤقتة، جرى في الفترة التي تبيّن فيها أن العدالة والتنمية هو الحزب الفائز بأول انتخابات تشريعية في ظل الدستور الجديد، وأن الملك حريص على احترام روح المنهجية الديمقراطية، وتعيين الأمين العام رئيسا للحكومة رغم أن الدستور يخوله تعيين أي شخص من داخل الحزب. « وردت تلك الفكرة التي ستظهر في خطب وتصريحات بنكيران لاحقا كوهم تم إسقاطه، من خلال خبر تداولته الصحافة، مفاده أن بنكيران قال لوزير الداخلية في فترة الانتخابات، دعونا نقود الحكومة لفترة لا تتجاوز خمسة إلى ستة أشهر. وبعد أن أصبحت حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية أمرا واقعا، تم الدفع بهذه الفكرة، كسيناريو محتمل لإغلاق القوس بسرعة وعدم التطبيع مع وجود الإسلاميين في السلطة »، يقول مصدر خبر أسرار تلك الولاية الحكومية.

في تجمعات خطابية واجتماعات داخلية للحزب في أواخر العام الأول من عمر الولاية، حرص بنكيران على تسفيه فكرة الحكومة المؤقتة هذه، وتأكيد أنه جاء للدفاع عن خطوة جديدة في الديمقراطية المغربية، ينبغي أن تستمر إلى نهايتها. « خرج بنكيران حينها في كلمات افتتاحية تم نشر أشرطتها أو بثها مباشرة، يردّ فيها بعنف على أصحاب هذا السيناريو الذي يفتح الباب أمام إغلاق القوس، لدرجة قال معها، إن الله سبحانه وتعالى الذي يرزق ويعطي كل شيء، لم يطلب منه منصبا أو حكومة لا لستة أشهر ولا لأكثر من ذلك. كان الأمر مجرد اختلاق ظل يتردد في الصحافة، كما لو يدعو إلى إيقاف التجربة وطي الصفحة، لكنه بقي مجرد « خبر » في الصحافة، والدليل على ذلك هو أننا بقينا خمس سنوات على رأس الحكومة وليس ستة أشهر. كان من الممكن أن نبقى أقل لأننا دخلنا مجالا ملغوما بكل صراحة، لكن شوية بشوية استطعنا الحمد لله تجاوز المشاكل والعقبات ».

بعد معركة « لاكريمات » ورخص استغلال المقالع، والتي يعتبر بنكيران أنها كانت إخفاقا في السنة الأولى من حكومته، ومعركة دفاتر التحملات، التي شكّلت أول مأزق تدخّل الملك شخصيا لتجاوزه؛ كانت كبرى معارك بنكيران خلال ولايته الحكومة، تجد طريقها تدريجيا نحو العرقلة والـ »بلوكاج »، ويتعلّق الأمر بمعركة الدعم المالي المباشر لصالح الفقراء. « كان بنكيران يجمع في ذهنه بين إصلاح نظام المقاصة، وبين تخصيص دعم مالي مباشر، في حدود 500 درهم لكل أسرة، من أجل سدّ الخصاص الذي تعاني منه شريحة من المغاربة، لا تجد ما توفّر به احتياجاتها الأساسية »، يقول مصدر مطلّع. هذا الأخير أضاف أن « البعض يقول ما قيمة 350 درهما التي تُمنح حاليا عن كل طفل تحت رعاية أرملة، أو 500 درهم التي كان ينوي تخصيصها لكل أسرة معوزة؟ لكن بنكيران ظلّ مصرا على فكرته. فهو يعتبر أن الأولوية الاجتماعية لا تتمثل في هذه الفئات الموجودة في المركز والقادرة على الاحتجاج، والتي تعتبر أن من يتوفّر على دخل أقل من 5000 درهم لا يملك شيئا. بل كان ما يهمه هو تلك الأرملة وذلك العاجز، اللذان لا يجدان ما يوفّران به الدقيق والزيت وقنينة الغاز من أجل سدّ الرمق. كان يفكّر في تلك الأم التي تنتظر تحويلا ماليا بمائة درهم ومائتين شهريا من أبنائها المشتغلين في مهن بسيطة كي تجد ما تأكله ».

الألغام المتفرّقة التي انفجرت في وجه حكومة بنكيران سرعان ما كشفت عن وجهها السياسي. « فوزارة الداخلية بقيت وفية لغيرتها على المجالات التي تتدخّل فيها مثل رخص المقالع ودعم الجمعيات، وبعد حسم معركة دفاتر التحملات والمصادقة عليها، كان تكتّل مكوّن من مجموعة من شركات الإنتاج المتعاملة مع الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، ينظّم صفوفه في بدايات 2013 ويطالب بمرحلة انتقالية جديدة للتأقلم مع البنود الجديدة الخاصة بالصفقات، أي إيقاف العمل بمبادئ الحكامة الجيّدة التي حملتها الدفاتر الجديدة، وشكّلت جوهر الإصلاح الذي حاول الوزير الوصي إدخاله على قلعة فيصل العرايشي الإعلامية. وحكومة عبدالإله بنكيران شرعت بقراراتها الأولى للتعيين في بعض المناصب السامية، في تفكيك قلعة المعيّنين بظهير ملكي التي ظلّت وإلى غاية المصادقة على الدستور الجديد، دولة داخل الدولة وسلطة فوق سلطة الحكومة ووزرائها »، يقول مصدر موثوق. هذه التطورّات صبّت جميعها في التمهيد لسنة سياسية حامية الوطيس (2013)، كاد صيفها يحرق آخر خيوط حكومة بنكيران ويسقطها بفعل انسحاب حزب الاستقلال.

فترة « الدهشيرة » كانت قد انتهت بعد قضاء بنكيران وإخوانه أكثر من عام في قيادة الحكومة. ومع تقدّم خطوات الساعين إلى إغلاق القوس وإسقاط الحكومة، كانت خطوات بنكيران تتسارع نحو تنزيل برنامجه. ففي خضم تحضيره لميزانية 2013، حصل بنكيران ومعه رفيق دربه عبد الله بها، على فرصة الاجتماع بشكل غير معلن مع الملك ذات جمعة 16 نونبر 2012، حيث عرضا عليه تصورهما لكيفية تنزيل الدعم الاجتماعي لفائدة الفقراء، بشكل متزامن مع تقليص نفقات المقاصة. حصل بنكيران على الضوء الأخضر للبدء في تنزيل إصلاح صندوق المقاصة وتقديم دعم مباشر للفقراء، وذلك بشكل تدريجي. وأعلنت الحكومة قرارها تعيين مدير عام جديد لصندوق المقاصة، بدلا من المدير السابق نجيب عمور.

في أول جلسة شهرية لمساءلته أمام مجلس النواب بعد ذلك الدعم الملكي، عرض بنكيران بعض ملامح إصلاح صندوق المقاصة وقال إنه يعتزم توجيه مساعدات للأشخاص الفقراء تتراوح بين 250 و300 درهم، مما سيمكن أسرة تتكون من 5 أفراد من الحصول على 1500 درهم من الإعانات في الشهر. واعتبر بنكيران أن هذه الإعانات ستصل إلى 24 مليار درهم لفائدة 8 ملايين مغربي، بدل 40 مليار درهم التي يستهلكها صندوق المقاصة. خطوة يبدو أنها لم تؤد سوى إلى إخراج اللوبيات المصلحية ومراكز القوى السياسية الخائفة من اختراق اجتماعي كبير على يد الإسلاميين. ورأس الحربة في هجوم تلك المرحلة ضد بنكيران ومخططاته، سوف يقوده الأمين العام الجديد لحزب الاستقلال، حميد شباط. وسرعان ما بدا أن وضع أي درهم في جيوب الفئات الاجتماعية الهشة لن يتم ساعتها، « خاصة أن تأجيل الانتخابات المحلية والجهوية كان بناء على حسابات ظلت تؤكد استمرار شعبية حزب العدالة والتنمية، وبالتالي لا يمكن القبول بإجراء قد يضاعف هذه الشعبية ».

« أحيانا حين يُراد ختان طفل، يتم جلب الطبالة والغياطة، علما أن هؤلاء لا علاقة لهم بالحدث، ويلا بقيتي تشتغل مع الطبالة والغياطة كايتختن الدري وهو مشغول معاهوم وما فراسو والو… »، قال بنكيران في إحدى خرجاته الخطابية نهاية يناير 2013، في إشارة منه إلى الحرب التي أعلنها عليه شباط. « هناك محاولة لتضبيب الصورة »، أضاف بنكيران أمام المجلس الوطني لجمعية مستشاري حزب المصباح. وذهب بنكيران حينها إلى أن « الحديث الدائر عن البديل والاستقالة وكل هذا ما كايدخلي من هنا ما كان يخرج من هنا، لأنني جيت بعد إرادة الله بإرادة الشعب، ويلا الشعب ما بغانيش، ولا أقصد المظاهرات المفبركة، نمشي بحالي ». وربط بنكيران بين بقائه على رأس الحكومة أو رحيله، وبين قرار مباشر للملك، وقال إن « هناك قرار جلالة الملك، يلا قاليا جلالة الملك نمشي واش سحابليكوم غادي نبقا؟ ».

شارك المقال