غارسيا: بنكيران ضحية شعبيته والعثماني يواجه تحديات صعبة 

16/06/2017 - 22:20
غارسيا: بنكيران ضحية شعبيته والعثماني يواجه تحديات صعبة 

مقال لـبيرنابي لوبيث غارسيا، الباحث الإسباني المختص في الشان المغربي، حول الاحزاب المغربية والحكومة والملكية وبنكيران والعثماني. 

بيرنابي غارسيا
بيرنابي غارسيا

المقال:

كان عبد الإله بنكيران يريد أن يشكل الحكومة وفق شعار «لا انبطاح ولا مواجهة». وكان خلال حملته الانتخابية يردد كلمة التحكم، في إشارة إلى «الدولة العميقة»، أي الحاكمين الحقيقيين عن بعد. المشكل هو أنه بين الانبطاح والمواجهة كان هامش التحرك ضيقا جدا.

عندما تكون هناك علاقة قوى غير متوازنة، من الصعب التوصل إلى اتفاق لا ينتهي إلى الانبطاح أو المواجهة. بنكيران كان ضحية لهذا الشعار المستحيل تقريبا. في تحركاته خلال السنوات الخمس التي قضاها في رئاسة الحكومة، كان بنكيران يرفض المواجهة. قدم تنازلات في العديد من القضايا، من خلال القبول بالقرارات الكبيرة التي تفرض من الخارج، مثل ما يتعلق بالدبلوماسية (تعيين السفراء)، والداخلية (تعيين الولاة والعمال)، والاقتصاد (تعيين مدراء المؤسسات الكبيرة ووكالات الدولة). الكثير من التنازلات التي قدمها بنكيران عرف كيف يقدمها إلى الرأي العام تحت غطاء المظلومية. كل هذا أظهر جليا أن مقاليد الحكم لم تكن بيده، بل توجد في مستوى عال. من هناك جاء خطاب التحكم الذي برز خلال الحملة الانتخابية.

تأخر تشكيل الحكومة خمسة شهور أظهر، بما لا يدع مجالا للشك، القوى الحقيقية التي تحكم في البلد. لهذا كان من الضروري التضحية بالسياسي المغربي الوحيد الذي حظي بالشعبية في العشرين سنة الأخيرة، وهو ما أكدته صناديق الاقتراع في 7 أكتوبر الماضي (2016). خلال السنوات الخمس التي قضاها بنكيران على رأس حكومة متعددة المشارب السياسية، اتخذ إجراءات غير شعبية لم تمنعه من إعادة الفوز بالانتخابات رغم حملات المس بسمعته من طرف العديد من الجهات، حتى العليا منها.

كلف الملك محمد السادس، كما نص على ذلك دستور 2011 بعد ثورات الربيع العربي، بنكيران بتشكيل الحكومة باعتباره زعيم الحزب الفائز. لكن محاولاته تشكيل أغلبية تترجم نتائج صناديق الاقتراع في أرض الواقع، تمت بدون جدوى، لأنه حرم من إمكانية ضم حزب من طينة «الاستقلال»، والذي كان سيسمح بتشكيل حكومة أكثر انسجاما رغم أنها كانت ستكون أقلية؛ وانتهى الأمر بأن فرضوا عليه أحزابا حصلت على القليل من المقاعد، لكنها قريبة من الإدارة، وهي الشروط التي رفض بنكيران قبولها حفاظا على صورته هو شخصيا وحزبه.

الحكومة التي يرأسها سعد الدين العثماني لا تعكس على الإطلاق موازين القوى التي أفرزتها صناديق الاقتراع يوم 7 أكتوبر 2016. لا من حيث العدد ولا من حيث أهمية الحقائب الوزارية. كان ينبغي أن تكون لعبد الإله بنكيران حرية أكبر للتفاوض من أجل تشكيل أغلبية مع الأحزاب التي يعتبرها مقربة منه، ورسْم برنامج حكومي منسجم. بدا واضحا أنهم لم يتركوه يقوم بذلك. التحكم ليس من إبداع بنكيران، بل واقع بنيوي في المغرب.

انتخابات 2016 كانت الأكثر تنافسية والأكثر ديمقراطية على طول تاريخ المغرب منذ سنة 1963، عندما كان الحسن الثاني قاب قوسين أو أدنى من فقدان الأغلبية مع الفوز الصعب لجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية. الإشكال أنه في سنة 2016 لم تكن جبهة القصر قادرة على توحيد الصفوف كما في 1963، إذ لم يستطع الأصالة والمعاصر (البام) توحيد صف فوج كامل من الأحزاب الإدارية الشاهدة على تاريخ طويل من صناعة أغلبيات مصطنعة للحفاظ على الهيمنة، لكنها تمثل مصالح محلية وشخصية متباينة. في المستقبل القريب من الممكن أن نرى اندماج كل هذه الأحزاب في تشكيلة واحدة كحل وحيد لفرض نفسها انتخابيا على البيجيدي.

لكن بالإضافة إلى ذلك، أظهرت انتخابات 2016 أن نسبة مهمة من الناخبين فهمت أن أصواتها لها قيمة، وأنه من المهم التصويت. ولكن ما حدث في النهاية مع الصعوبات التي واجهها بنكيران لتشكيل الحكومة، ومع النتيجة النهائية الحالية (حكومة العثماني) التي يفهم الكثيرون على أنها خضوع من قبل حزب العدالة والتنمية لإملاءات أحزاب أقل تمثيلية منه؛ يمكن أن يتسبب في خيبة أمل لدى الناخبين الذين سيرون أن الخروج للتصويت لم يفدهم في أي شيء.

قال مصطفى الرميد، وزير الدولة وحقوق الإنسان حاليا، عندما كان يتحدث عن فرضية تكليفه بتشكيل الحكومة عوض بنكيران، إنه لن يكون ابن عرفة الجديد. هذا يعبر جيدا عما يعتقده الكثيرون بخصوص الوضع الحالي، حيث القصر فرض إرادته. مهمة العثماني ستكون صعبة لكي لا يظهر كرجل وضع لتأكيد هيمنة من يحكمون فعلا.

تحديات العثماني

صحيح أن العثماني عرف، عندما كان أمينا عاما للحزب (2004-2008)، كيف يطوره ترابيا ومن حيث الشعبية والأصوات والنواب البرلمانيين، لكن الرجل أمامه الآن تحد كبير. بنكيران استطاع أن يقدم نفسه كضحية، إذ عرف كيف يجعل مروره من السلطة لا يستنزف الحزب وصورته، بل استفاد منه من حيث الوزن السياسي والشعبية. سيكون على العثماني تحقيق أشياء ملموسة لمن صوتوا له إذا أراد الحفاظ على سمعة الحزب. ائتلاف حكومي غير متجانس، مكون من 6 أحزاب، مثل الذي يقوده، سيكون أقرب أكثر إلى مملكة ملوك الطوائف التي تميل إلى التفكك في الأداء الفردي لكل طرف على حدة، وكل وزير في مملكته.

بناء على ما سبق، أعتقد أن المغرب بحاجة إلى الإجماع على مشروع سياسي حقيقي للبلاد. وهذا هو المشروع الذي لم يتفاهم حوله القطبان اللذان تجنبا الاصطدام في هذه المواجهة التي امتدت لخمسة أشهر، واللذان انتهيا إلى تسامح مع هيمنة قطب على آخر، إذ لم يتم الخروج بمشروع متوافق عليه. لكن لا يجب أن ننسى أن 8 ملايين مغربي كانوا خارج العملية الانتخابية. ومن بين هؤلاء نجد الفاقدين للأمل والكسالى وغير المؤمنين بالتصويت والمعارضين غير القابلين للاختزال. هناك كل الأطياف من هذا القطاع المقصي من صناديق الاقتراع. وبدون هؤلاء لا يمكن بناء مغرب الغد. وفي انتظار أن يقول هؤلاء جميعا كلمتهم ويختفي الإقصاء، سيكون كل شيء مؤقتا.

المغرب يحتاج إلى ميثاق وطني (اتفاق) يكون ميثاقا كبيرا للتعليم من أجل شعب مثقف ومتفتح ومتسامح ومتضامن؛ ميثاق من أجل التنمية للجميع، وضد الفقر والإقصاء؛ ميثاق من أجل الصحة والحماية الاجتماعية للجميع، ميثاق تقبل فيه الملكية بأن تلعب دورا رمزيا، وتحد من دورها في الحياة السياسية، وتمنح السلطة السياسية الحقيقية للمواطنين عبر الأحزاب السياسية ذات المصداقية، وليس عبر تلك الأحزاب غير الحقيقية التي تعرف فقط «OUI OUI» كما هو حال أغلب الأحزاب المغربية اليوم.

 

ترجمة توفيق سليماني

عن إلباييس

شارك المقال