« انتفاضة الريف اتسع نطاقها في الأسابيع الأخيرة، هل تثير انشغالكم باعتبارها تهديدا للاستقرار في منطقة تقع على أبواب أوروبا؟ ألا تعتقدون أن قمع هذه المظاهرات قد تهدد حقوق الإنسان؟ وهل تطرقت لهذا الموضوع مع ملك المغرب؟ »، سؤال مباشر واجهه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمام عدسات الكاميرا مساء أول أمس، وهو داخل قصر الضيافة بالعاصمة الرباط. ماكرون بدا مستعدا لمثل هذا السؤال الذي طرحه صحافي إذاعة « فرانس أنتير »، وردّ بكل ثقة: « نعم، قمنا بإثارة هذا الموضوع منذ بداية الزيارة، حيث قمت بإثارتها بطريقة جد مباشرة وجد طبيعية ».
الرئيس الفرنسي الجديد وهو يقوم بخطواته الأولى في بلاط يعرف أنه يرتبط به بعلاقات مهمة، أوضح أنه « لا يحق لي هنا إصدار حكم حول موضوع يندرج ضمن السياسة الداخلية للمغرب، لكنني شعرت أن الملك يعتبر أن من المشروع، ومن الطبيعي أن تكون هناك مظاهرات تتم في إطار قانوني دستوري، عكس ما يجري في الكثير من البلدان الأخرى. ومن جانب آخر، لديه رغبة في تهدئة الوضع عبر التجاوب مع مقدمات هذه التحركات وتقديم جواب ملموس في إطار سياسة عمومية ». ماكرون خلص إلى أن « المحادثات التي جمعتنا لا تجعلني أخشى وجود إرادة للقيام بأي قمع، بل هناك رغبة في تقديم جواب على المدى الطويل يتعلق بالأسباب العميقة لما يقع. ولمست أن ملك المغرب قلق لمصير هذه المنطقة الغالية عليه والتي اعتاد قضاء وقت طويل فيها ».
ورغم طابعها الودي وشبه الشخصي، حملت الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي الجديد، إيمانويل ماكرون، عددا كبيرا من الرسائل والإشارات الرمزية الجديدة، قبل لحظات الذروة التي بلغتها في الندوة الصحافية. فالرئيس الشاب الذي انتخب قبل شهر واحد، استقبل في المطار في إطار عائلي من طرف الأسرة الملكية، عكس سلفه فرانسوا هولاند.
ثاني أبرز الإشارات التي بعثها الاستقبال الرسمي للرئيس الفرنسي الجديد، هو طبيعة الحضور والترتيب البروتوكولي لرجالات الدولة المغربية. ففي الوقت الذي كان عبدالإله بنكيران في مقدمة المسؤولين الذين سلّموا على هولاند خلال زيارته الرسمية للمغرب في شتنبر 2013، متبوعا برئيسي غرفتي البرلمان، ثم مستشار ملكي واحد هو فؤاد عالي الهمة، ثم لائحة طويلة من الوزراء؛ اقتصر الأمر في استقبال أول أمس الخاص بإيمانويل ماكرون، على حضور رمزي للحكومة، مقابل حضور كبير لطاقم المستشارين الملكيين.
واستغرق لقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالملك مدة طويلة. « أعتذر لأنني تركتكم تنتظرون، فالمباحثات مع جلالة الملك دامت وقتا أطول مما كان متوقعا »، يقول ماكرون لحظة وصوله إلى القاعة التي خصّصت لندوته الصحافية بقصر الضيافة بالرباط، دقائق قليلة قبل أذان المغرب. ماكرون كان مدعوا للالتحاق مباشرة بعد انتهاء لقائه مع الصحافة، إلى الإقامة الملكية بدار السلام، حيث التأمت مائدة إفطار ضمّت الأسرة الملكية وكلا من الرئيس الفرنسي وزوجته بريجيت ماكرون، وانطلقت أشواط أخرى من المباحثات. فيما غادر ماكرون المغرب صباح أمس، دون أن يجري أي لقاءات أخرى مع المسؤولين المغاربة.
رسائل أولية أعدت بإحكام، عبّر فيها ماكرون عن استعداد باريس للوقوف « إلى جانب المغرب في مواكبة الإصلاحات الطموحة التي يقوم بها جلالة الملك في تحديث البلاد وفي الإصلاحات الدستورية التي تقررت في العام 2011، والصعود الاقتصادي للمغرب واندماجه في شبكات العولمة، وبرامج التنمية الاجتماعية والترابية وبرامج محاربة التفاوتات الاجتماعية ومبادرة الجهوية الموسعة، كما تحدثنا عن المشاريع الاقتصادية القائمة حاليا بين البلدين وتلك التي ستنتج في الشهور المقبلة، والمشاريع الثقافية والتعليمية، بهدف تطوير الفرنكفونية، المغرب بلد مهم في هذا المجال ».
ماكرون قال إن للمغرب دبلوماسية نشيطة جدا في إفريقيا، « أعتقد أن الملك زار أكثر من 14 دولة في جولاته الأخيرة إلى إفريقيا، وفرنسا لها تاريخ طويل من العلاقات مع إفريقيا، وبالتالي يجب توحيد هذه السياسات الإفريقية ». فيما حضر ملف الأزمة الخليجية الأخيرة بين قطر وكل من السعودية والإمارات، في جلسة المحادثات الطويلة مع الملك. « تبادلنا وجهات النظر حول الصراع في ليبيا وهناك إرادة مشتركة لإيجاد وسائل إعادة الاستقرار إلى هذا البلد الذي يشكل انشغالا في مجال أمن المنطقة وكطريق للهجرة. ثم تطرقنا لحالة التوتر الموجودة حاليا في الخليج، حيث أكدنا نظرتنا المشتركة المتمثلة في دعم الاستقرار في هذه المنطقة من جهة، ومحاربة الإرهاب وكل أشكال تمويله من جهة أخرى »، يقول الرئيس الفرنسي.