أحكام القضاء تعمق جراح الريف والأسر تنتظر تدخل الملك

17/06/2017 - 12:00
أحكام القضاء تعمق جراح الريف والأسر تنتظر تدخل الملك

الحسيمة – منير أبو المعالي

بعد هدنة قصيرة، عادت المواجهات بين المتظاهرين والقوات العمومية إلى مدينة الحسيمة عقب صدور الأحكام في الدفعة الأولى من معتقلي حراك الريف الذين يحاكمون في مدينتهم. ولم يعد للناس سوى خيط رفيع يتمسكون به الآن.

 

كانت صدمة كبيرة لأهالي الحسيمة تلك التي شعروا بها عقب صدور الأحكام القضائية في حق المعتقلين الـ32 الذين يتابعون في المحكمة الابتدائية بمدينتهم. فقد شعر الجميع بالخطر المحدق: عائلات المعتقلين أنفسهم الذين يعتقدون أن أبناءهم راحوا ضحية جور، وعائلات المعتقلين الآخرين في الدار البيضاء الذين أصبحوا أكثر توجسا بشأن مصير  الشبان الذين يلاحقون بتهم أثقل بكثير مما كان موجودا في صك الاتهام الموجه لمعتقلي الحسيمة. وهناك أيضا الناس الآخرين كأصحاب المشاريع والمحلات، الذين باتوا يتوقعون « صيفا أبيض » لأنهم على يقين كبير بأن الأزمة ستتزايد أكثر من الآن فصاعدا.

في انتظار الملك

« يجب أن يتدخل الملك »، كما قال صاحب فندق في الحسيمة، حيث تشكل الفنادق العمود الفقري للاقتصاد المحلي. هذا الرجل عاش لفترة طويلة من عمره في هولندة، ويملك جنسيتها، ورغم أن أعماله لم تتضرر بسبب حراك الريف، إلا أن هذا المستثمر يعتقد بأن مصير مدينته هو ما يهمه بشكل رئيسي، وليس حجم الأرباح التي يجنيها ولو كانت غالبيتها أتت كنتيجة لأوضاع الأزمة الجارية. فالغرف الـ150 لفندقه محجوزة بالكامل من لدن قوات الشرطة، والصحافيين الأجانب الذين يخططون لتغطية تطور حراك الريف، وهذه حالة غير مألوفة بالنسبة إليه في وقت مثل هذا الشهر، ويقول: « لدي 300 زبون في الوقت الحالي، موزعين بين الفندق وشقق سياحية تابعة لشركتي، ولدي ثلاثين عاملا يشتغلون بدوام كامل لتلبية طلبات كل هؤلاء الضيوف ». وهو يؤكد بأن ما يجعله مصمما على المكوث في البلاد وعدم مغادرتها نحو هولندة هو مصير هؤلاء المستخدمين بالضبط، وقناعته أيضا بأن الملك لن يدع مدينة جميلة كهذه في مواجهة مصير مظلم.

وحتى الآن، فإن فندقه هو الوحيد الذي حجزت غرفه بالكامل، بينما توجد فنادق أخرى وإن كان عددها قليل، لم تستقطب سوى عدد محدود من طبقة الزبناء الجدد في هذه المرحلة. وحتى وإن كانت فندقه وجهة رئيسية لضباط الشرطة الذين حلوا بالحسيمة لإدارة أزمة حراك الريف، إلا أن بعض المشاكل لاحقته. فقد وضعته السلطات المحلية قبل شهرين تقريبا بين خيارين عندما حل ناشط بارز بالحسيمة، وحجز غرفة في فندقه. وكان عليه أن يطلب من ذلك الناشط ألا يعود إلى الفندق مرة ثانية. فقد خيرته السلطات بين مكوث ذلك الناشط  في الفندق، وبين استمرار تدفق الأشخاص الذين أتوا لتدبير المشكلة في الريف. ولاحقا، سيقوم هذا الرجل بوضع صورة كبيرة للملك في واجهة فندقه، كما سيضع علما وطنيا في الباب الرئيسي، كتأكيد غير ضروري كما يعتقد هو، على وطنيته التي لا تتزحزح.

وفي الواقع، فإن الكثير من أهالي الحسيمة كيفما كانت طبيعة أعمالهم، يملؤهم الحماس إزاء أي نبأ يشير إلى تدخل ملكي قريب. وحتى عوائل المعتقلين الذين حكموا يوم الأربعاء بعام ونصف من السجن، يعتقدون أن للملك الكلمة الأخيرة، وحتى الوحيدة في مآل أبنائهم. محمد بلقيش، والد الشاب عبد الذي قضت المحكمة بسجنه عاما ونصف، كان لديه يقين غريب عما سيحصل، ولذلك كان يؤكد باستمرار بأن مصير ابنه في يد سلطة أعلى من محكمة: « ليس غرضي أن يصدر عفو من الملك عن ابني، لأني مقتنع ببراءة ولدي، وما يحتاجه مجرد توجيهات من الملك بصفته رئيسا للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، حول الطريقة الملائمة حقا وقانونا، لمعالجة ملفات شبان ليس لديهم صلة بالتهم الموجهة إليهم.. إذا لم يحصل هذا، فإني أعتقد بأن المحاكم في مرحلة الاستئناف، ستستمر في الضرب على أيدي هؤلاء الشبان بغض النظر بغض النظر عن أي حق ». ولم يشعر هذا الكهل في أي وقت، بالثقة في قدرة جيش المحامين على تبرئة ابنه ولا الآخرين: « لقد حضرت لإحدى الجلسات، ورأيت كم من الوقت استغرق فيه العشرات من المحامين في تقديم الدفوعات، لكني كنت أكثر انتباها إلى ردود فعل القاضي. لقد كان يبدو متجاهلا لكل ما يقال، بل وكأنه غير مكترث.. لقد أحسست عندئذ أن ابني كما الآخرين المسجونين برفقته، سينالون عقوبة شديدة وإن لم يفعلوا شيئا ». كان ضمن الموقوفين مع ابنه، أيمن فكري، ابن عم محسن فكري الذي تسبب مقتله شهر أكتوبر الفائت، في إطلاق شرارة حراك الريف، فقد نال عاما ونصف من السجن، وإن كان مصابا بمرض عضال، بحسب ما قالت لجنة تتبع قضية معتقلي حراك الريف. وعلى عكس أقليش، كان حسن شنهوط مصدوما أكثر، فهو كان يثق في أن ابنه خبر الدين سينال البراءة، ولذلك، فهو الآن لا يعرف ماذا يجب أن يقول، لكنه سألنا بخفوت: « هل سيأتي الملك هذا العام؟ ».

بشائر بوسكور

في بلدة بوسكور، على مبعدة حوالي 10 كيلومترات من الحسيمة، كانت أشغال تهيئة الساحل الوحيد هناك جارية، فهناك، يعتاد الملك محمد السادس على قضاء عطلته في الصيف كل عام. ولا يوجد في ذلك المكان أي مبنى سوى مقرا بسيطا للقوات المساعدة تحرس ذلك الشاطئ الذي يعتقد بأن مهربي مخدرات كانوا يستعملونه في الماضي لنقل الحشيش إلى أوروبا بواسطة زوارق سريعة. كما يوجد بيت قروي قديم على الجانب، لا يسكنه أحد، لأن قاطنيه السابقين توفوا ودفنوا في البيت نفسه في مقابر داخل الفناء. بقي هذا البيت رغم ذلك، محتفظا بكل معالمه، بل وأجريت عليه عملية ترميم كبيرة في السنين الأخيرة، فهذا البيت يتحول إلى مسجد في فترة مكوث الملك هناك. وقد وصلنا إلى هناك في هذه الفترة للتحقق من الشروع في تهيئة الساحل، لأن الناس في هذه المنطقة تأخذ ذلك كعلامة لاقتراب موعد وصول الملك إليه. بينما يمنع أي شخص من الاقتراب من هذا الشاطئ حينما يكون عاهل البلاد موجودا فيه. وشعر مرافقيّ الاثنين بأن ما رأوه في شاطئ بوسكور يشير حتما إلى ما يرغب في رؤيته الكثير من الناس في هذه الأرجاء. كان ذلك يوم الأحد الفائت، وبعدها بثلاثة أيام، تابع الناس في وسط مدينة الحسيمة، شاشات التلفزيون التي تعرض لندوة الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون، في مدينة الرباط حيث أعلن عن رؤى الملك إزاء حراك الريف. كان بجانبي موظف يعمل في الوكالة الحضرية بالحسيمة، وقد علق قائلا: « ربما سينهي الملك هذا الأمر أخيرا »، ثم لمح شاحنة تستعملها الشرطة لضرب المتظاهرين بالمياه وهي تعبر الشارع وخلفها عربة تُستخدم لإطلاق عبوات الغاز المسيل للدموع، فسألني عن وظيفتها، ثم أردف: « هذه الآليات يجب أن تغادر الحسيمة على الأقل.. إنهم يثيرون الفزع بين الناس ». وبالرغم من أن وسائل تفريق المتظاهرين هذه قليلا ما تستعمل في الحسيمة، إلا أن مرورها باستمرار في الشوارع الرئيسية يثير انزعاجا واضحا بين الأهالي الذين يعتقدون أن حراك الريف ما كان يجب أن يحل بهذه الطريقة.

وفي الواقع، فإن الناس العاديين الذين تحدثنا إليهم في الحسيمة، وحتى بعض المتظاهرين الغاضبين، كانت لديهم رؤية موحدة بخصوص من يجب أن يحسم الأمور على الأرض في الريف، وقد كانت الإشاعات تسري بشكل سريع بين الناس حول المواعيد المقررة لوصول الملك، أو حول خطاب مفترض سيلقيه بشأن هذه الأزمة، وبعضهم كان يشير استنادا إلى معلومات لم يؤكدها لنا أي مصدر لدى السلطات المحلية، بأن مجلسا وزاريا سيعقد في الحسيمة هذا الصيف.

وحتى يتحقق ذلك، فإن المتظاهرين ما زالوا يحتلون الشوارع دون كلل.

خطط الانتشار

لكن التظاهر في الحسيمة بدأ في التغير، وبسبب الأحكام الصادرة يوم الأربعاء، كانت التوقعات تشير إلى أن شيئا مختلفا سيحدث هذه المرة. كانت خطة الاحتواء التي نفذتها السلطات لحوالي أسبوعين للمظاهرات في حي سيدي عابد بالحسيمة تضمن استقرارا لباقي مناطق الحسيمة، لكن هذه الكماشة كما يسمونها هناك، ستحطمها خطة لإعادة الانتشار طبقها المتظاهرون بطريقة يصعب تحديد العقل الذي فكر فيها أول مرة.

ليلة الأربعاء، لم يكن معروفا في أي مكان سيجتمع المتظاهرون هذه المرة. لكن وبشكل مفاجئ، ستشرع مجموعات صغيرة من الشبان في الوصول إلى حي مرموشة على الجانب الآخر من شارع طارق بن زياد. لكن قوات الشرطة كانت قد طوقت بعض الشوارع هناك، لأن المحتجين أنفسهم نفذوا مظاهرة ليلة الثلاثاء في حي المنزه المجاور، وكان تخمين السلطات أنهم سيعيدون الكرة مرة ثانية. ورغم ذلك التطويق، نجح بضع مئات من المتظاهرين في الوصول إلى المكان الذي حدد للاحتجاج نصف ساعة فقط قبل تنفيذه، وما إن شرعوا في ترديد الشعارات، حتى كان سيارات الشرطة قد طوقت المكان، وبدأت في تفريقهم دون أن تستخدم القوة. بيد أن هذه المئات التي تفرقت بين الشوارع، سيلتحق بعضها بباريو حدو الذي كان وجهة المحتجين يوم الاثنين عندما غادروا لأول مرة حي سيدي عابد بعد أحداث الجمعة 28 ماي.

في هذا الحي، حاولت قوات الشرطة تفريق المتظاهرين الذين بالكاد كان عددهم يصل إلى 300 شخص، لكن نشبت مواجهات بالحجارة بين بعض المحتجين والشرطة، ثم تراجعت القوات العمومية، وفسحت بذلك طريقا للمحتجين للانتشار في الأحياء المجاورة. وفي ذلك الوقت أيضا، كان حوالي 500 شخص قد تجمعوا في حي المنزه بالقرب من المنزل الذي أوقف فيه محمد جلول، أحد قادة حراك الريف، وبينما حاول المتظاهرون السيطرة على شارع رئيسي، أجبرتهم الشرطة على الانزواء في زقاق ثانوي. ولاحقا، سيلتحق عشرات من المتظاهرين الذين كانوا في حي باريو حدو بهذا المكان.

وأصبحت خطة الانتشار هذه عملا يؤرق السلطات، وقد لاحظنا أن تعداد القوات العمومية الذي أعد لتطويق ثلاث أحياء بشكل متزامن قد تزايد عما كان عليه الحال من قبل. فهي ما زالت تطوق حي سيدي عابد، بالرغم من أن المتظاهرين تخلوا عنه منذ يوم الاثنين، وقامت بالعملية نفسها في باريو حدو، وإن كان المحتجون لا يحددونه كمكان رسمي للتظاهر. ومثل أعمال الكر والفر، فإن المتظاهرين يميلون إلى عدم التصريح بموقع تجمعهم بشكل نهائي، بل وكما فعلوا ليلة الأربعاء، أوهموا السلطات بأنهم سيتظاهرون في مكان معين، ثم تجمعوا في مكان آخر. وعلاوة على ذلك، فإن خطة جديدة بدت الآن في الظهور، وهي تشتيت الجهد البشري للقوات العمومية نفسها، بحيث تنفذ مظاهرتان بشكل متزامن في حيين متجاورين، في مسعى إلى ما يسميه بعض النشطاء هنا، بــ »تثبيت » مظاهرة واحدة على الأقل في الشارع. وبسبب الأحكام الصادرة في حق معتقلي الحراك ذلك اليوم، كان هاجس السلطات أكبر، بحسب ما أخبرنا ضابط في الفرقة الجهوية للتدخل، لأن المتظاهرين سيكون لهم سبب إضافي للاحتجاج، وقد يميلون أكثر إلى المواجهات.

وعلى عكس رغبات المتظاهرين، فإن السلطات تحاول بجهد، منع الاحتجاجات من الوصول إلى القلب النابض للحسيمة، حيث تتركز غالبية مقار المؤسسات العمومية، وأيضا المحلات التجارية، والمنشئات السياحية. لكن المظاهرات التي نفذت في حي المنزه مثلا، لم تكن بعيدة سوى بـ200 متر عن وسط المدينة، ويشكل ذلك تهديدا جديا لخطط السلطات. « هذه ليست خطة، وإنما هي إعلان بأن التظاهر ليس أمرا محصورا في حي واحد »، كما يقول متظاهر يدرس القانون في كلية الناظور، ثم يشرح أكثر: « إن بعض الناس خارج الحسيمة تعتقد أن مظاهرات سيدي عابد نوع من الانزواء المصلحي فقط للشبان المحتجين، بحيث يُصورون وكأنهم يخرجون فقط لأن قادة الحراك المعتقلين ينحدرون من حيهم، ناهيك عن محاولة إظهار أن الأحياء الأخرى لم تعد معنية بالتظاهر ».

وهذا الانتقال من حي لآخر في الحسيمة وإن كان يبدو عملا شاقا، إلا أنه لا ينطوي على مخاطرة كبيرة بالنسبة إلى الذين يخططون له. فقد توقيف سلمية الزياني التي تعرف باسم « سيلبا » درسا أُخذ بعين الاعتبار.  فهذه الفتاة التي كانت تمثل وجها نسويا بارزا لحراك الريف، أوقفتها الشرطة في الليلة نفسها التي قضت معظم أجزائها في الانتقال من حي لآخر لحث الناس على الخروج للتظاهر في أحيائهم بالتزامن مع مظاهرة حي سيدي عابد. وكانت تبث تلك الجولة بشكل حي عبر صفحتها على « فايسبوك »، وما إن انتهت من فعل ذلك، حتى اعترضت الشرطة طريقها قبل أن تصل إلى حي سيدي عابد، ومنذ ذلك الحين، وهي موجودة في سجن عكاشة بالدار البيضاء. أما في الوقت الحالي، فإن المتظاهرين يصلون فجأة إلى حي ما أو شارع معين دون أن يكون ذلك مخططا له بشكل مسبق، وبشكل تلقائي، وفقا لما شاهدناه، ينضم أهالي الحي إلى المظاهرة. وقد كان في حي المنزه الكثير من النساء اللواتي خرجن من بيوتهن هناك لترديد الشعارات نفسها التي يرفعها الشبان القادمون من أحياء بعيدة.

ومثل هذه الصورة أصبحت معتادة في مظاهرات الحسيمة على كل حال، فالاحتياطات التي يأخذها المحتجون بعين الاعتبار تبدو كبيرة وعملية أيضا في محاولة لتفادي الاعتقال، فالشعارات يرفعها في كل مرة شخص مختلف قبل أن يرددها وراءه الجمهور، والشوارع المؤدية إلى مكان المظاهرة يوضع فيها مراقبون لإنذار المتظاهرين باقتراب قوات الشرطة، ومنذ يوم الاثنين، لم تنفذ السلطات أي اعتقالات جديدة في الحسيمة، بينما كان الشعار الرئيسي للمظاهرات منذ ذلك الحين، هو الإفراج عن المعتقلين. « هذه الاعتقالات وقود جديد للاحتجاجات »، كما قال متظاهر، « إنها حملة أدت إلى العكس تماما مما كانت السلطة تريده ».

شارك المقال