مغارة بنكيران.. بلاط الفقراء وقبلة الأغنياء

21/06/2017 - 02:30
مغارة بنكيران.. بلاط الفقراء وقبلة الأغنياء

تحوّل البيت الشخصي لعبدالإله بنكيران، إلى ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ المغرب. « بيت نبيلة » كما يستعد الباحث مصطفى بوكرن لعنونة إصدار روائي حول الإقامة الشخصية لبنكيران، شكّل أول بيت مغربي يقصده المغاربة من جميع الفئات والطبقات الاجتماعية. وزراء وجنرالات ومستشارون ملكيون وفقراء ومهمشون ومرضى، كلّهم كانوا يقصدون البناية نفسها. بيت بسيط بشارع « جان جوريس » بحي الليمون الرباطي، غير بعيد عن حيّ « ديور الجامع » الشعبي، حوّله إصرار بنكيران على عدم الانتقال إلى الإقامة الرسمية المخصصة لرؤساء الحكومة في المغرب، بحي الأميرات الراقي، إلى قلعة احتضنت جلّ الأحداث المهمة والحاسمة للسنوات الخمس الماضية.

« مغارة بنكيران »، هكذا وصفه السوسيولوجي المخضرم، محمد الناجي، بعدما تردد عليه لمرة أو مرتين. « هكذا أنظر شخصيا إلى تلك الإقامة، كل الأغنياء، هؤلاء الأغنياء جدا ورجال الأعمال بثرواتهم الفاحشة، كانوا يأتون عند بنكيران ليتفاوضوا حول تشكيل، أو تشويه، الحكومة. كانوا يأتون حاملين خطط الطريق، حيث كتبت لهم توجيهات مرسليهم بشكل دقيق. أتخيّل ما يجول في فكرهم وهم ينظرون إلى كل تلك البساطة في إقامة رئيس الحكومة، بل ذلك التقشف الذي يبعث على كثير من الأسئلة بالنسبة إلى من اعتادوا الرفاهية المكتسبة « على ظهر » الوطن »، يقول الناجي في تدوينة كتبها في عزّ فترة البلوكاج التي واجهها بنكيران بعد انتخابات 7 أكتوبر الماضي.

كانت زيارات رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، الملياردير عزيز أخنوش، وراء جزء مما فكّر فيه الناجي يومها. حيث كانت طوابير المواطنين البسطاء مازالت تتردد صبيحة كل يوم لينتظموا في صفوف ينظمها عناصر الأمن والقوات المساعدة، في انتظار استقبالهم من طرف رئيس الحكومة وتسلمه ملفات شكاويهم. عادة ظهرت منذ الأسابيع الأولى لتولي بنكيران رئاسة الحكومة وبقيت مستمرة إلى آخر أيامه. « صدفتان حدثتا في محيط منزل رئيس الحكومة عبدالإله بنكيران في يوم واحد في مرحلة لم يكن قد أكمل فيها مائة يوم على رأس الحكومة. الأولى كانت بعدما صعدت سيارة رسمية فارهة فوق الرصيف، ونزل منها الضيف وهو يتحدّث عبر الهاتف، ليقع منه ملف أخضر مليء بالوثائق، فسارع السائق إلى الانحناء لجمعها بسرعة وإعادتها إلى ملفها وتسليمه إلى الضيف الكبير، والذي لم يكن إلا وزير الداخلية امحند العنصر »، يقول مصدر تابع هذا المشهد، مضيفا كيف أن الشارع كان خاليا بعد رحيل الجموع المعتادة من تلاميذ الثانويات والمدارس القريبة من منزل « الرئيس » في حي الليمون الرباطي الهادئ، فيما كانت سيارات فارهة أخرى توحي بوجود مسؤولين رسميين كبار آخرين في هذا البيت المتواضع، القريب من شارع الحسن الثاني في جزئه المحاذي لديور الجامع ومحلات التسوّق والتجهيزات المنزلية والأثاث…

الصدفة الثانية التي وقعت بعد واقعة وصول وزير الداخلية، كانت بعد نحو ساعة. كان على عبدالإله بنكيران، أن يخرج كما عرفه الجميع قبل توليه رئاسة الحكومة من الباب نفسه الذي دخل منه وزير الداخلية، وكان معه « الرفيق » الدائم عبدالله باها. « بدا « الرئيس » متعبا ومتخلصا من البذلة الرسمية وربطة العنق اللتين استقبل بهما في صباح اليوم نفسه وفدا سنغاليا. هدوء المكان الخالي لم يكسره سوى تقدّم سيدة يبدو أنها كانت تترصد بيت « الرئيس » كي تلتقي به، وبرفقتها طفلة يبدو أنها ابنتها. توجهت السيدة نحو بنكيران مُشهرة حزمة من الوثائق في ما بدا تظلما منها إليه، وعكس التوتر والقوة اللتان يجيب بهما هذا الزعيم حين يحاصره المعطلون أو المحتجون، وقف مستمعا إلى شكوى السيدة وهي تمد له وثيقة بعد أخرى، فيما وقف عبدالله باها على بعد خطوة أو خطوتين منهما يراقب في صمت…

السوسيولوجي محمد الناجي قال إن علية القوم الذين كانوا يترددون على هذا البيت المتواضع، كانوا يفعلون ذلك وهم مضطرون. « كانوا يعودون إليه لأنهم في حاجة إلى تلك البساطة لاكتساب الشرعية، وللظهور بصورة إيجابية أمام الشعب، وهم يثيرون الاشمئزاز بثرواتهم الفاحشة تلك. فعزيز أخنوش يذكرني بنموذج مصغّر لأبي سفيان، والذي أتخيّله يأتي إلى هنا وسط قافلة من سيارات المرسيديس، كي يملي قانون المال. لكن قلمي سرعان ما يعدل عن رأيه ويتوقف عن هذه المقارنة. فمعاوية كان شديد الذكاء، وشديد التخطيط الاستراتيجي مقارنة بهؤلاء الناس. فأبو سفيان حرص على أن يصبح كاتبا شخصيا للرسول لاكتساب شيء من هالته. أما أخنوش فلا يملك إلا المال، مال راكمه بسرعة تثير التساؤل. وبالتالي، فإن لديه الكثير مما يمكن أن يتعلمه من التاريخ، ولا أعرف ما إن كانت مغارة بنكيران تلقنه بعضا منه ».

بيت بنكيران كان في سنوات ولايته الحكومية، مقرا للاجتماعات، وموعدا يوميا للمشاورات والاستشارات. « كان بمجرّد ما ينهي يوم عمله الرسمي حسب الأجندة المعدة له، يدخل إلى البيت، ويحرّر عناصر الأمن المكلفين بحراسته في تنقلاته بأوامر ملكية، ويضع أجندته الشخصية عبر الهاتف »، يقول مصدر تابع الولاية الحكومية لبنكيران عن قرب. شاي مغربي وحلويات شعبية أثثا موائد جمعت بنكيران بسفراء أجانب ووزراء مغاربة ومواطنين جاؤوا يتظلمون ويشتكون. « عندنا كاين غير اشرب أتاي وكول غريّبة وزيد من الدريبة »، يقول بنكيران في إحدى جلساته الودية مع ضيوفه.

رئيس الحكومة المتربّع على قمة الجهاز الإداري للمملكة، هو نفسه من سيتوصّل بعد بضعة أشهر من تقلّده منصب الرجل الثاني في الدولة، باستدعاء يدعوه إلى الانتقال إلى مكاتب قسم التعمير التابع لمقاطعة أكدال بالعاصمة الرباط، ولجنة مراقبة تقنية كانت تحلّ ببيته بعد ملاحظة وجود أشغال للبناء فيه. رئيس الحكومة عبدالإله بنكيران، المتمسّك بالإقامة في بيته المتواضع بحي الليمون الرباطي، عوض فيلا شارع الأميرات التي وضعتها الدولة رهن إشارته؛ توصّل بعيد إحدى جلسات مساءلته الشهرية في البرلمان الأسبوع، باستدعاء رسمي للالتحاق بقسم التعمير، من أجل تقديم توضيحات حول أشغال بناء تمت ملاحظتها في بيته. وهو البيت نفسه الذي سيقصده أكبر مستشار ملكي أسابيع بعد إعفاء بنكيران من تشكيل الحكومة. فؤاد عالي الهمة الذي كان يتردد بين الفينة والأخرى على هذا البيت المتواضع في مهام عاجلة وحساسة، عاد ليزوره مستهل شهر رمضان الحالي، مباركا « لعواشر »، حسب ما قال في بيانه الشخصي.

شارك المقال