موخيكا.. رئيس يضحي بالإنجاب من أجل المبادئ

23/06/2017 - 06:00
موخيكا.. رئيس يضحي بالإنجاب من أجل المبادئ

لعب البيت الريفي « تشاركا دي رينكون » دورا رئيسا في حياة موخيكا. فضلا عن ذلك أعطى هذا  المكان،  كذلك، شهرة عالمية للرئيس، الأمر الذي جعله يتعلق به جدا. إذ فيه تزوج، وفيه حقق أفضل ما في مسيرته السياسية، وهناك سيعيش حتى يطوي آخر صفحة من كتاب الحياة. استقر بالبيت الريفي شهورا بعد مغادرته السجن في أواسط الثمانينيات، دون أن يجري عليه الكثير من الإصلاحات والتعديلات، لأن البيت كان في نظره يتوفر على الأهم: غرفة نوم، مطبخ، حمام وقاعة للاستقبال. ومع مرور الوقت شرع في ملئه بالكتب وبعض اللقى التاريخية، كما استطاع أن يجلب إليه شخصيات عالمية بارزة، بدءا بالسياسيين المحليين، مرورا بالحكام الأجانب، وانتهاء بوسائل الإعلام الأجنبية.

كان يردد على مسامع ضيوفه قائلا: « أنا لست فقيرا، بل أنا إنسان زاهد في هذه الحياة وحر، وأريد أن أستمتع بوقتي. لا أحب الفقر؛ لكن في المقابل، أحبذ الزهد، والمشي محملا بالقليل من الأمتعة »، في إشارة إلى أن متاع الحياة الدنيا لا يهمه. لا يجد أدنى تحرج في القيام بالأشغال المنزلية، إذ بخصوص ذلك قال في إحدى المرات التي استقبلنا فيها: « اليوم غسلت الأواني، وحضرت الحساء. ثم بعد ذلك قمت بجولة في المزرعة، قبل أن أخرج وأشتري اللحم من الجزار. أجد أنه من الواجب أن أقوم بمثل هذه الأمور »، يردف موخيكا. في هذا المناسبة بالذات كان لوحده في البيت بعد أن سافرت زوجته « لوسيا » في مهمة كمراقبة دولية في الانتخابات الرئاسية بالإكوادور. لهذا كان البيت يبدو غير منظم بما فيه الكفاية.

يعيش موخيكا ولوسيا في تناغم تام، هذا التناغم يصفه الرئيس نفسه بـ »حب الكبر »، ويوضح أنه مختلف عن حب الشباب، ويُعرّفُ هذا الحب الذي يجمع بينهما بـ »العادة الحلوة ». موخيكا يرى أن الحب يمر بفترات عمرية، مضيفا أن حب الكِبرِ يتأسس على الرفقة وأنه ضروري أكثر من غيره.

ذات يوم حضرنا أحد أشد النقاشات سخونة بين الزوجين، وكان موضوع النقاش يتمحور حول التعليم. وهذا ما دار بينهما:

لوسيا: وسائل الإعلام تحاول أن تصف التعليم بالكارثي.

موخيكا: مرة أخرى أنت ترددين الشيء ذاته. وسائل الإعلام لا تتحمل مسؤولية كل شيء. لننهي هذا النوع من الحديث. المشكل ليس كما ترينه يا عزيزتي، بل هو أعقد مما تتصورين. يمكن أن تكون هناك أشياء جيدة في النظام التعليمي كما تقولين، لكن لا يظهر ذلك على أرض الواقع.

لوسيا: شخصيا أنا أرى أن كل هذا من تدبير الإعلام.

موخيكا: لا، لا. لا يمكن أن نلقي باللائمة على الصحافة لوحدها. المشكل هنا هو نقابي محض، لهذا يجب مواجهته. انطلاقا من ذلك يجب أن نتوحد لمواجهة النقابة، ليس هناك من حل آخر. أتمنى أن نستطيع إزاحتها من الطريق.

تأثير لوسيا على موخيكا واضح جدا، نظرا لقوة شخصيتها، كما أنها صلبة من الناحية الإيديولوجية، كل هذا يسمح لها بلعب أدوار رئيسة في كل النقاشات والسجالات. لهذا تجد الرئيس يصغي إليها بإمعان، ويفسح لها المجال، ويحترمها، إلى درجة أن بعض المسؤولين الحكوميين يفضلون عدم حضورها في الاجتماعات التي يعقدونها مع الرئيس، إذ لديهم تخوفات من أن تتدخل وتغير بعض المواقف التي قد يتخذها موخيكا، رغم أن الأخير نفسه ينفي أن يكون حدث هذا من قبل. « من الأفضل التعامل معه بشكل انفرادي »، هذه هي العبارة التي كان يرددها العديد من وزرائه خلال الخمس سنوات التي قضاها في الحكم.

يستمتع موخيكا ولوسيا بكل ما شيداه بينما يتقدمان في العمر بوتيرة لم يضعها في الحسبان، لكن  الزوجين يجران وراءهما آلام الماضي، وهي الآلام التي لا يجدان، أيضا، أدنى حرج في الخوض فيها. بدون شك من بين أهمها مسألة عدم الإنجاب. جزء كبير من فترة الخصوبة قضاياه بالسجن، وعندما تم الإفراج عنهما كان قطار الإنجاب قد فاتهما. لذلك قاما بتبني بعض الأسر التي سمحا لها بالعيش معهما في المزرعة ذاتها، لكنه هناك فرق كبير بين الإنجاب والتبني. « هم الأقارب الذين اخترناهم »، يرددان، رغم إحساسهما ومعرفتهما بان الأمر مختلف.

كان موخيكا يرغب في أن يكون لديه أبناء يملؤون عليه البيت بوجودهم، لكنه يتحسر على ذلك بالقول: « كان يجب أن يكون لدي أبناء. أنا لم أستطع لأنني خصصت كل وقتي لأشياء أخرى. لا أشتكي، لكن أنتما لازلتما قادرين على الإنجاب، لذلك أنصحكما بالقيام بذلك. أفكر كثيرا في الأمر. لا ألوم نفسي لأنه من منا كان يفكر في ذلك الزمن (أيام النضال) في الإنجاب. الحياة غريبة ومتقلبة. عندما كنت أرغب في الإنجاب وجدت أنه فات الأوان. والآن أنا نادم شيئا ما ».

شارك المقال