كلما طالت «غيبته»، تزايدت الأصوات التي تُطالب بعودة عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة السابق، إلى واجهة الأحداث السياسية، بعدما اختار التواري مكرها بقرار ملكي، فرح به من أعاقوا طريقه نحو تشكيل حكومة ما بعد انتخابات السابع من أكتوبر 2016.
أولى الأصوات ارتفعت من داخل حزبه، ومن حلفائه الطبيعيين في الصف الديمقراطي، لكن أيضا من قبل الدولة نفسها، لكن «سرّا»، علاوة على جموع المواطنين الذين يحجون إلى بيته أو يعترضون سبيله وهو في الطريق بين منزله والمسجد الذي يُصلي فيه.
فما دلالات الطلب المتزايد على عودة بنكيران؟ وما الرهانات وراء ذلك؟ وكيف يمكن تصور هذه العودة؟
المطالبون بعودة بنكيران
من داخل حزبه، تعددت واختلفت الصيغ التي تدعو بنكيران إلى كسر قرار «التقاعد القسري» الذي أراد خصومه فرضه عليه. بعد عودته من مناسك العمرة، عرضت عليه قيادات في الأمانة العامة وفي المجلس الوطني، زارته في بيته، استعادة المبادرة، وقد اعتبرت تلك القيادات أن الأزمة في الريف تعد مدخلا مناسبا للتحرك، حيث اقترحت على بنكيران لائحة من الخيارات، من بينها إحداث «خلية أزمة من شخصيات مستقلة وخارج إطار الحكومة»، أو اقتراح اتخاذ قرارات تبعث رسائل إيجابية، من قبيل تعيينات واسعة في صفوف العمال تتضمن شخصيات تحظى بالقبول.
لاحقا، تكرر هذا المطلب في اجتماع رسمي للأمانة العامة للحزب، الذي نظم قبل حوالي أسبوعين، حيث تمت دعوة بنكيران بشكل مباشر، من قبل بعض أعضاء الأمانة العامة، إلى استعادة دوره كأمين عام للحزب، وعبّروا عن رفضهم «السماح بأي تقاعد قسري ومبكر لشخص بنكيران». وهي الدعوة التي برّرها أصحابها بأن المرحلة السياسية الجارية تستدعي «الحفاظ على الحزب كأداة للإصلاح»، مادام «الإصلاح كمشروع أصبح مؤجلا بالنسبة إلى الدولة».
الخطوة الثالثة، في هذا السياق، جاءت من برلماني الحزب وأحد شبابه، محمد خيي الخمليشي، على شكل رسالة مفتوحة، بدت وكأنها تحدثت بلسان شريحة واسعة في الحزب بدليل حجم التفاعل مع الرسالة على صفحات الفايسبوك، وهي شريحة ترى في بنكيران الشخص القادر على أن يعيد للحزب توازنه وهويته «الإصلاحية» التي فقد منها الكثير منذ أن وافق أغلب أعضاء الأمانة العامة للحزب على التنازل عن شروط بنكيران في ما يخص تشكيل الحكومة.
محمد خيي الخمليشي دعا بنكيران علانية إلى «استعادة التوازن المفتقد» منذ إعفائه من رئاسة الحكومة، والعمل على إعادة «توجيه البوصلة من جديد نحو المهام النضالية والديمقراطية والإصلاحية التي تطوق عنق العدالة والتنمية»، وأضاف خيي في رسالته أن «بنكيران لا يملك خيارا أمام سؤال مواصلة العمل السياسي من عدمه، ولا يمكنه أن يختار بأريحية بين الاستمرار أو الاعتزال»، كما لا يمكن «لأحد أن يحيله على التقاعد الإجباري وهو لايزال في أوج عطائه».
تنبؤ أفتاتي
ما يقع الآن من تفاعلات داخل حزب العدالة والتنمية، والتي تدعو بنكيران إلى استجماع قوته لاستئناف النضال ضد «التحكم»، كما كان يقول، سبق أن تنبّه إليه عبد العزيز أفتاتي، القيادي المثير للجدل في الحزب، منذ أن صدر قرار إعفاء بنكيران، إذ اعتبر أن «أحسن ردّ على قرار الإعفاء السلطوي»، حسب تعبيره، هو «التمديد لبنكيران لولاية ثالثة على رأس الحزب خلال المؤتمر المقبل».
ويعتبر أفتاتي أن الارتباك الذي يعيشه حزب العدالة والتنمية يؤكد أن «الدولة العميقة نجحت في تصدير أزمتها إلى داخله، بعدما كان حزبا معافى»، وطالب بدوره بنكيران «باستعادة المبادرة»، وأول خطوة نحو ذلك هي «انتظام اجتماعات الأمانة العامة، لأن عدم القيام بذلك يعتبر عملا غير مسؤول بالمرة، وإذا لم يستطع ذلك، فعليه التعجيل بالمؤتمر».
تتقاطع مطالب قواعد «البيجيدي» وقياداته مع «مواقف وطموح بعض مناضلي اليسار الحاملين همّ الديمقراطية»، حسب تعبير المعطي منجب، وإن كان بخلفيات مختلفة، حددها منجب في «الخوف من تدجين وسرقة حزب العدالة والتنمية من قبل السلطة، ما يعني فقدان الجبهة الديمقراطية حزبا معروفا باستقلالية قراره في عهد بنكيران».
والمثير للانتباه أن الدولة نفسها عبّرت عن رغبتها، وإن سرّا، في عودة بنكيران إلى الساحة السياسية، وهو ما كشفه اللقاء السري الذي جمع فؤاد عالي الهمة، المستشار الملكي، ببنكيران في بيت هذا الأخير يوم الأربعاء 31 ماي 2017.
وحسب معطيات نشرتها يومية «أخبار اليوم»، فإن اللقاء جاء بطلب من المستشار الملكي، فؤاد عالي الهمّة، بعدما التقى الملك محمد السادس بعض زعماء أحزاب الأغلبية ورئيس الحكومة في القصر الملكي بالدار البيضاء حول الأوضاع المتدهورة في إقليم الحسيمة والريف، ورغم أن الهمّة نفى، في بلاغ صحافي، أن يكون اللقاء قد تطرق نهائيا إلى الاحتجاجات في الريف، دون أن ينفي حدوث اللقاء، فإن جهات أخرى أكدت أن اللقاء ناقش بالأساس الحراك في الريف وسبل التوصل إلى حلّ.
كما أن السياق يؤكد تمحور اللقاء حول كيفية التعامل مع حراك الريف، والدور الذي يمكن لبنكيران القيام به، وفي هذا الإطار انعقد الاجتماع الذي دُعي إليه ممثلو أحزاب الأغلبية الحكومية في القصر الملكي بالدار البيضاء، وتلقوا خلاله توجيهات ملكية تحث على تحمّل الحكومة مسؤولياتها، والتنسيق مع جميع المؤسسات، وتفاعل أحزابها مع المطالب والاحتجاجات الشعبية في منطقة الشمال.
كما أن لقاء الهمّة ببنكيران تم بالتزامن مع اجتماع آخر تم في مقر رئاسة الحكومة لأحزاب الأغلبية الحكومية برئاسة سعد الدين العثماني، أي يوم الأربعاء 1 يونيو 2017، وحضره عن حزب العدالة والتنمية نائب الأمين العام، سليمان العمراني.
رهانات متباينة
بيد أن إشتراك هذه الأطراف في الطلب على عودة بنكيران لا يعني أن الخلفيات التي تحركها واحدة. محمد مصباح، باحث في معهد « شاتم هاوس » البريطاني، يشير إلى أن ارتفاع أصوات من داخل حزب « البيجيدي » تطالب بعودة بنكيران يرجع إلى « وجود إحساس شبه عام داخل هذا الحزب، يعتبر أن بنكيران تم عزله قسرا »، كما أنها « تشعر بأن صمت بنكيران تجاه الأحداث الجارية، خاصة في الريف، ربما يرجع إلى ضغوط »، ويرى مصباح أن « هناك شبه إقامة جبرية، تستهدف عزل بنكيران سياسيا »، وهو ما يجلب تجاهه نوعا من « التعاطف داخل الحزب ومن خارجه ».
لكن هناك تفسيرا آخر قد يكشف خلفيات المطالب المتزايدة تجاه عودة بنكيران، وتتمثل بحسب مصباح، في « الفراغ الهائل » الذي ظهر داخل حزب العدالة والتنمية بعد تواري بنكيران عن الأنظار، وأضاف مصباح أنه طيلة الفترة التي تراجع فيها بنكيران إلى الخلف « بدت باقي قيادات الحزب عاجزة عن ملء الفراغ الذي تركه وراءه »، والأكثر إثارة للانتباه، يقول مصباح، إن « غياب بنكيران لمدة قصيرة في السعودية لأداء مناسك العمرة، قد كشف سقوط عدد من قيادات الحزب في التراشق الإعلامي، وظهر الحزب مثل غيره من الأحزاب ».
أما من وصفهم منجب بـ »بعض اليساريين الحاملين لِهمِّ الديمقراطية »، والذين يطالبون بدورهم بعودة بنكيران إلى واجهة النضال السياسي، فتحركهم خلفيات أخرى؛ منها بحسب منجب « خوفهم من تدجين حزب العدالة والتنمية في حال غادر بنكيران الحزب، وتم تعويضه بشخصية أخرى مثل العثماني أو عزيز الرباح »، في حين يرى عبدالرحيم العلام، أستاذ العلوم السياسية، أن « البعض ممن يطالب بعودة بنكيران لا يريدون تكرار تجربة عبدالرحمان اليوسفي، وعبدالله إبراهيم »، لأن هناك من يتصور أنه « لو استمر عبدالله إبراهيم مثلا في النضال السياسي، بعدما قدم استقالته بطلب من الملك محمد الخامس وهو في عمر 46 سنة، لكان دوره ممتازا في عقلنة الحياة السياسية ». ويتصور العلام أن « الطريقة التي أُعفي بها بنكيران رفعت من درجة مصداقيته في أنظار المواطنين »، وهو ما جعل الطلب عليه في تزايد.
ويعتبر محمد مصباح، أن بنكيران بات يمثل بالنسبة إلى بعض مكونات اليسار الديمقراطي « آخر أمل في إمكانية الإصلاح من داخل المؤسسات ».
وللدولة رهانات مختلفة من وراء الزيارة التي قام بها فؤاد عالي الهمة إلى بنكيران؛ محمد الناجي، السوسيولوجي المعروف، اعتبر في تدوينة فيسبوكية أن زيارة الهمة لبنكيران لم تحدث « لأن هناك حكومة جديدة تبدو جوفاء، ولا لأن هناك حراكا في الريف، بل لأن السلطة في المستوى الأعلى لا تريد أن تظهر في عزلة ». وأضاف الناجي أنه ومع افتراض عدم تبادلهما أي كلمة، فإن زيارة الهمة لبنكيران تبقى مليئة بالمعاني. »فهي تقول إن بنكيران لا يراد له أن يستبعد بشكل نهائي، بعدما أبان العثماني عن حقيقته، أي كثقل وليس قاطرة. وهي تقول أيضا إن القلق يزداد لدى السلطة بشأن المستقبل، دون أن نعرف طبيعة هذا القلق ومداه ».
بدوره، قال مصطفى السحيمي، أستاذ العلوم السياسية، إن زيارة الهمة لبنكيران « تكشف في العمق رغبة السلطة في خدماته، من أجل تهدئة احتجاجات حراك الريف، لكن دون بروزه كزعيم سياسي منقذ للبلاد »، وأضاف السحيمي أنه « على الرغم من تحييد بنكيران من رئاسة الحكومة، إلا أن السلطة ما تزال في حاجة إلى شعبيته وخدماته السياسية من أجل إخماد حراك الريف، لكن دون أن تصدق مقولاته، لكونه منقذ البلاد من الفوضى، ومساهم كبير في إحقاق الاستقرار بها »، كما شدد على ذلك بنكيران نفسه في مناسبات كثيرة، منذ حراك عام 2011.