حماية الاستقرار لا تكون بالعصا

30/06/2017 - 11:47
حماية الاستقرار لا تكون بالعصا

أبى النظام اعتبار حراك الريف علامة على أزمة تتعدى التعبير عن الضيق الاقتصادي والاجتماعي، إلى تعبير عن الكفر بالسياسة وأهلها وما يأتي منها.. وكثير مما يأتي منها. عاكس النظام المقولات والتفسيرات التي ربطت بين الإزاحة الناعمة لأمين عام حزب العدالة والتنمية من رئاسة الحكومة تتويجا لما عرف بـ »البلوكاج الحكومي »، وبين الاحتجاجات التي تفجرت حرة تماما من أي قيد أو إسار أو إطار، (أي لم تخرج تحت مظلة مركزية نقابية أو شبيبة حزبية أو جمعية حقوقية مثلا، وكان لها هامش حرية أكبر في الخطاب مادامت غير معنية بمراعاة أي توازنات مع السلطة، قد تفرض عليها نوعا من أنواع التحفظ).
النظام قال لا لاعتبار خطابات الزفزافي اللاذعة تعبيرا عن أزمة سياسية، ولا لاعتبار الجماهير التي اكتسحت ساحات الحسيمة ومدن مجاورة أولى الأعراض الجانبية لتنصيب حكومة ضعيفة الشرعية السياسية ومتنافرة الأطراف.
هذا الرفض كان منطقيا وإن لم يكن صائبا. منطقيا لأن النظام بذل مجهودا سياسيا كبيرا لمنع بروز حكومة ذات حد مقبول من المصداقية، يترأسها زعيم يضيق صدره بالعفاريت التي تغمر الحقل السياسي. صحيح أنه زعيم سياسي يتبنى منهجا إصلاحيا أبان عن محدودية نتائجه، لكنه يلتقي مع حساسيات سياسية وحقوقية أخرى في تشخيص حالة المغرب وأعطابه، وظل شاهدا رسميا على استمرار وجود « التحكم ». النظام حرص على خنق الحالة السياسية التي شاعت في البلاد بعد 2011 على مراحل، وضمنها خطابات بنكيران التي لا تلتزم برسم تلك الصورة الجميلة والوردية عن باطن النظام، وبالتالي كان من المنطقي ألا يُسلّم بأن ما يجري في الحسيمة هو أيضا رد فعل على التراجع السياسي الذي كان « البلوكاح » أكثر تعبيراته جلاء.
فلو قبل النظام هذا التحليل سيكون مثل من يناقض نفسه، وسيتحتم عليه حينها أن يحيل الحكومة الجديدة على تقاعد مبكر، ويدعو إلى انتخابات سابقة لأوانها، ويعيد كتيبة المظليين إلى ثكناتها ويترك الناس وما تختار، ويقلص كتلة الوزراء ويعيد البلاد إلى الطريق التي يفترض أن تقود على مراحل إلى ملكية برلمانية. وهذا سيجعل النظام يصنع ربيع بلاده. وهذا من « سابع المستحيلات »!
الطريف في الأمر هو أن هذا التحليل المفترض للأمور الذي انتهيتُ بوصفه بأنه مستحيل التحقق، يبدو أنه، على بيّن استحالته وجليّ بُعده، هو بعينه الذي مَلَك على النظام عقله وتفكيره وأنتج رد فعله القاسي اتجاه الاحتجاجات: اتهام بالانفصال، تعنيف المحتجين، تسخير بعض المجموعات لمهاجمة المحتجين، اعتقالات بالجملة، ارتباك سياسي، تهم ثقيلة وإصرار واضح على الحل الأمني.
هذا التعامل كشف مدى ارتباك وتناقض منطلقات النظام، فمن يقر بأن مطالب السكان مشروعة ويبذل جهدا حثيثا لنزع أي معنى سياسي عنها، ويرى أنه قادر على حلها دون قنوات وساطة ولا حكومة « بنكيرانية » ولا سماع لرأي الأصوات الحقوقية أو حاجة إلى إجراء تدخل طارئ في المشهد السياسي، لا يلجأ إلى القوة. فاللجوء المفرط إلى القوة أكبر هو دليل على الخوف والعجز وغياب البدائل. إذا كان النظام يطمح إلى إقناع الجميع من خلال طريقة تدبيره للاحتجاجات بأنه لا يحتاج إلى « بارشوك » ولا « قفازات » ولا هم يحزنون لتدبير أزماته، فيستحيل أن ينجح في هذا المسعى بأن يجعل العصا هي الخيار البديل. ما هي حدود هذا الخيار؟ هل يمكن « تعصية » الشعب بأكمله كلما اقتضى الحال؟ هل يعقل أن يكون هناك « استقرار » محروس بالأطواق الأمنية والقنابل المسيلة للدموع والقوات المساعدة؟ وهل يكون استقرارا متينا أم هشا؟
أرجو صادقا أن يبادر النظام إلى الإفراج عن كافة المعتقلين ويبعد قوات حفظ النظام عن الأحياء ويعود إلى الحوار ويشرك الإعلام والجمعيات الحقوقية في الخطوات التي يتخذها ويتواصل مع الكل بشفافية أكبر، وأرجو بالمقابل من جانب المحتجين وقف المظاهرات والابتعاد عن خطاب « الانتصار » عن المخزن ومعجم المعارك في حال أبدى النظام بعض المرونة، ومنح الدولة فرصة لفك لغز تعثر المشاريع التنموية بالمنطقة، والتحلي بالهدوء وبعد النظر. هذا حل يتيح للنظام ألا يغرق في المقاربة الأمنية أكثر مما هو غارق فيتهم بالقمع الممنهج، ويتيح لأبناء المنطقة مخرجا وسطا ومرضيا من هذا الحراك. لا غالب ولا مغلوب.

شارك المقال