ليلة خطاب المسيرة الخضراء بالقصر الملكي بفاس في السادس من نونبر 2014، هزت غضبة ملكية مدوية كل المتدخلين المعنيين بالبرنامج الذي أعطى الملك محمد السادس انطلاقته، في الرابع من مارس من سنة 2013، قصد تقديم صورة جديدة للمدينة العتيقة للعاصمة العلمية، من خلال ترميم المآثر التاريخية ومعالجة الدور المهددة بالانهيار، والتي رصد لها مبلغ 285 مليون درهم.
الغضبة فجرتها زيارة مفاجئة للملك خلال مقامه بمدينة فاس، خلال مروره بالقرب من « برج سيدي بونافع » المحاذي لباب « السمارين » بجماعة المشور، والمشيد من طرف السلطان أحمد المنصور السعدي سنة 990 هجرية، حيث قرر الملك تحويله إلى متحف، لكنه فوجئ حينها بتعثر الأشغال وبطئها بهذا الموقع، والتي لم تتجاوز 5 في المائة، وهي نسبة بعيدة كل البعد عن النسبة التي يفترض بلوغها والمقدرة بنسبة 40 في المائة، وذلك بعد مرور 19 شهرا عن إطلاق البرنامج من قبل الملك.
هذا التأخر في الإنجاز والذي هم 27 موقعا أثريا كان ينتظر التدخل لترميمه، عجز المتدخلون في المشروع الملكي عن تقديم مبررات مقنعة له، مما تسبب في إجراءات غاضبة أجبرت وزير الداخلية محمد حصاد ووالي جهة فاس محمد الدردوري، باعتبارهما المسؤولين عن اللجنة الوطنية والمحلية للتتبع والتقييم، ونبيل بعبدالله، وزير السكنى وسياسة المدينة، بمصالحها الجهوية بفاس والمكلفة بالكتابة لدى اللجنة الوطنية و المحلية، إضافة إلى فؤاد السرغيني، مدير وكالة التنمية، ورد الاعتبار لفاس الموكول لها تتبع عمليات تنفيذ البرنامج، (أجبروا) على الدخول في سباق مع الزمن لإتمام هذا المشروع الضخم في حيز زمني ضيق، بعدما قرر الملك في خطوة صارمة، اعتبرها المتتبعون عقابا للمتدخلين في النسيج العتيق بفاس بعد الغضبة الملكية عليهم، تقليص مدة إنجاز الأشغال إلى 12 شهرا بدلا عن 48 شهرا، والتي سبق الاتفاق عليها، ما يعني أن أوراش ترميم المواقع التاريخية الـ27 المبرمجة والتدخلات العاجلة لمعالجة ثلاثة آلاف و666 عقارا سكنيا مهددا بالانهيار في المدينة العتيقة، ستصبح جاهزة في دجنبر 2015 بدلا عن دجنبر 2016 .
عقب الغضبة الملكية، « اعتكف » داخل مقر ولاية جهة فاس، المسؤولون المباشرون على برنامج ترميم المآثر التاريخية ومعالجة السكن المهدد بالانهيار بفاس العتيقة، حيث عقدوا اجتماعات ماراطونية ترأسها مستشار الملك فؤاد عالي الهمة، والذي قام بتجميع المعطيات المتعلقة بالمشروع، ورصد أسباب بطء الأشغال بحثا عن مخرج لهذه الأزمة، حيث استحضرت لجنة الهمة المكلفة بإنقاذ المشروع الملكي، ما سبق وأن طالب به العالمون بخبايا النسيج العتيق لفاس، ومطالبتهم بخصوص ما يجب أن تكون عليه الإصلاحات وعمليات « ترميم المدينة القديمة،عبر سن مقاربة تشاركية تعني المتدخلين المعنيين، وفي مقدمتهم وزارة الثقافة بالنظر إلى حجم الأسوار والأبواب التاريخية والساحات الموجودة بالمدينة، إلى جانب وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، والتي تضع يدها على نسبة 50 في المائة من النسيج العتيق لمدينة فاس، تهم سكنى محبسة وأضرحة ومساجد، يليهم المالكون الخواص بنسبة 30 في المائة من الدور العتيقة المهجورة، وتوزيع النسبة المتبقية على الفنادق وأوراش الصناعات التقليدية بمختلف أنواعها.
في صيف 2016، وبغرض إعطاء انطلاقة « مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة » بمسجد « القرويين »، عاد الملك في زيارة أخرى لمدينة فاس، بعد أن مرت أزيد من ستة أشهر عن المهلة التي حددها لإنهاء التدخل في مشاريع الصورة الجديدة لفاس العتيقة، حيث قام حينها بزيارة 13 معلمة من مجموع المآثر التاريخية الـ27 التي شملها الترميم والتأهيل، من ضمنها قنطرة « الطرافين » و »سوق الصباغين » والوكالة التاريخية لبنك المغرب (بداية القرن العشرين)، وبرجا « سيدي بونافع » و »بوطويل »، إضافة إلى عدد من المدارس القديمة، منها المدرسة المحمدية والصفارين والمصباحية، وبعض المعالم الأثرية التي تخص الحرفيين منها فندق « القطانين »، أكبر تجمع للحرفيين وصناع الجلد بقلب المدينة العتيقة، ومحلات « الطرافين » التي تزيد عن 25 دكانا حرفيا.
خلال الزيارة الأخيرة لمدينة فاس في ماي الماضي، اطلع الملك على مشاريع إنقاذ فاس العتيقة، والتي لم يزرها خلال زياراته الماضية، حيث استمع بجامع القرويين على هامش ترؤسه لمراسيم تقديم برنامج تأهيل المدارس العتيقة التي خضعت للترميم، والتي فتحت أبوابها هذه السنة بغرض إيواء الطلبة وتلقيهم للتحصيل العلمي بسلكي « العالمية العليا » لتكوين العلماء وفن الخط العربي، فضلا عن اطلاعه على باقي مشاريع ترميم المعالم التاريخية همت 27 موقعا أثريا، أعقبها توشيحه لعدد من المتدخلين في مشاريع الترميم، وعلى رأسهم فؤاد السرغيني، المدير العام لوكالة التنمية، والذي طالته الغضبة الملكية عقب تعثر الأشغال في 2014.
وتبقى الحلقة الثانية « الناقصة » أو المفقودة في مشاريع الصورة الجديدة لفاس القديمة التي لم يطلع عليها بعد الملك حتى الآن، والتي قد تطالها غضبة ثانية، تخص ملف معالجة الدور المهددة بالانهيار بالمدينة العتيقة لفاس، والتي حددها المعنيون في 3666 بناية مهددة بالانهيار، إذ رصد لها مبلغ 330 مليون درهم، حيث كشف مصدر مطلع للجريدة، أن وكالة إنقاذ فاس، والتي تشرف على المشروع تواصل تدخلها في ما يناهز 1729 بناية تعاني خطر الانهيار من الدرجة الأولى، فيما تنتظر البنايات السكنية العتيقة، المصنفة في الدرجة الثانية والثالثة من الخطورة، تقدر بنحو 1937، (تنتظر) تدخل الجهات المعنية بترميمها خلال المرحلة الثانية من المشروع الملكي، حيث وضعت أزيد من 100 مقاولة متخصصة في معالجة النسيج العتيق رهن إشارة أصحاب الدور، والذين أعلنوا رفضهم أداء مساهمة بمبلغ 8 ملايين سنتيم، حددته وزارة الداخلية لتدخل الدولة في الترميم، لكنها فوجئت بالوضعية الاجتماعية لأصحاب الدور المهددة بالسقوط وعجزهم عن تأمين المبلغ، ما جعل عملية التدخل غير ممكنة، خصوصا أن المشروع ينتهي مع حلول سنة 2018، بحسب ما كشفته مصادر قريبة من الموضوع لـ » اليوم 24″.