مسؤولون متهافتون ووزراء في «دار غفلون» يزجون بالملك في مشاريع فاشلة

02/07/2017 - 14:01
مسؤولون متهافتون ووزراء في «دار غفلون» يزجون بالملك في مشاريع فاشلة

الملك غاضب من مسؤولين كبار في الدولة، والمشاريع التي تقدّم له وتوقّع بحضوره لا تجد طريقها نحو التنفيذ ولا تحقّق أهدافها. الحقيقة التي ظلّت تتردّد على أعمدة الصحف وتتناقلها الألسن منذ صعود الملك محمد السادس إلى الحكم قبل 18 سنة، أصبحت، منذ أسبوع واحد، معلومة رسمية يوثّقها بلاغ مكتوب صادر عن الديوان الملكي. «عبر جلالة الملك للحكومة، وللوزراء المعنيين ببرنامج الحسيمة منارة المتوسط، بصفة خاصة، عن استيائه وانزعاجه وقلقه بخصوص عدم تنفيذ المشاريع التي يتضمنها هذا البرنامج التنموي الكبير، الذي تم توقيعه تحت الرئاسة الفعلية لجلالته، بتطوان في أكتوبر 2015، في الآجال المحددة لها»، يقول بلاغ صادر عن الناطق الرسمي باسم القصر الملكي، عقب المجلس الوزاري الذي انعقد يوم الأحد الماضي.
بناء على هذا «القلق» الملكي، أعلن البلاغ نفسه حرمان الوزراء المعنيين بمشاريع «منارة المتوسط» من العطلة السنوية في الصيف الحالي، وتكليف مفتشيتي كل من وزارتي الداخلية والمالية بإجراء تحقيق حول التأخر المسجّل في إنجاز هذه المشاريع، ورفع تقرير بهذا الشأن إلى الملك. قرار يمثّل أول إجراء مباشر صادر عن القصر الملكي للتفاعل مع الاحتجاجات الشعبية الجارية في منطقة الريف، لكنّه يُخرج إلى دائرة الأضواء ملفّ المشاريع والبرامج التي تقدّم وتوقّع رسميا أمام الملك، وتحرص قنوات الإعلام العمومي على تخصيصها بالتغطية الشاملة في نشراتها المسائية، دون أن يستشعر المغاربة انعكاساتها الفعلية والمباشرة على حياتهم اليومية.
ما هي قصة هذه المشاريع والبرامج والاستراتيجيات التي تحتمي بالمظلة الملكية؟ كيف تجد هذه المخططات طريقها نحو اكتساب هذه الصفة التي تجعلها ترتبط بشخص ومؤسسة الملك؟ وكيف يمكن لمشاريع حظيت بالتزكية الملكية أن تتعرّض للعرقلة والإفشال؟ ما الذي يترتّب على توقيع الاتفاقيات أمام الملك؟ هل لمثل هذه المشاريع والبرامج مصادر وصناديق تمويل استثنائية، أم إنها تنبع من الميزانية العامة للدولة؟ هل تخضع المشاريع، التي تتم تحت المظلة الملكية، لنمط خاص في الحكامة والتدبير، أم إنها تخرج من الخيمة الملكية إلى متاهات المساطر والتعقيدات الإدارية؟ هل تخضع هذه المشاريع لمقتضيات الرقابة المؤسساتية والديمقراطية، أم إنها تتمتع بوضع استثنائي؟

وقّع أولا ثم ابحث عن التمويل
خلال الجلسة الشهرية الأخيرة لمساءلة رئيس الحكومة بمجلس النواب، عاد النائب البرلماني عن فدرالية اليسار الديمقراطي، عمر بلافريج، إلى طرح موضوع المشاريع الكبرى التي يطلقها الملك، والتي سبق أن دعا إلى مناقشتها وتقييمها داخل البرلمان. بلافريج قال، مخاطبا سعد الدين العثماني بشأن موضوع الاختلالات المجالية بين مناطق المغرب: «كيف تقولون إنكم تقلصون الاختلالات وأنتم تستثمرون 30 مليار درهم في مشروع ‘‘تيجيفي’’ بين الدار البيضاء وطنجة، عوض إيصال القطار إلى الحسيمة أو الراشيدية أو انجاز نفق تيشكا؟ كيف تبنون مسرحين ضخمين في الرباط والدار البيضاء عوض إقامة دور الثقافة في كل قرية وكل حي في مدن المغرب؟». وختم بلافريج تدخله بالقول: «عافاكم، إما عدلوا سياساتكم واجعلوها عادلة، أو كونوا صرحاء وقولوا للمواطنين إنكم مازلتم تؤمنون بمفهوم المغرب النافع وغير النافع الذي أتت به الحماية».
خطاب حمله النائب اليساري إلى القبة البرلمانية، وحرص من خلاله على كسر جدار القداسة الذي أحيطت به المشاريع المنسوبة إلى المؤسسة الملكية. «عكس ما يتصوّره الجميع ويتداوله الإعلام، كل ما يربط بين هذه البرامج والمؤسسة الملكية هو تلك اللحظات التي يتم تخصيصها لتوقيع الاتفاقيات أو التدشين بحضور الملك. عدا ذلك هناك شبكة من المؤسسات والأشخاص الذين يتولون تدبير وإنجاز هذه المشاريع، ومن مصلحتهم استمرار إحاطتها بهالة من الخصوصية لكي تستمر مصالحهم المرتبة بتلك المشاريع»، يقول مصدر شارك في الإشراف على عدد من المشاريع الملكية الكبرى، من خلال إحدى المؤسسات العمومية.
«انظر، جل المشاريع تحضّر عبر الإدارة الترابية ومصالح وزارة الداخلية، وتقدّم للتوقيع أمام الملك بمناسبة الزيارات الملكية دون تشاور مع القطاعات الحكومية ولا معرفة بمصادر تمويلها»، يقول مصدر مقرّب من مطبخ الحكومة الحالية، مضيفا أن بعض الوزراء يستدعون للتوقيع «دون أن يعلموا موضوع الاتفاق أحيانا. وبعد دخول السنة المالية تتولى وزارة المالية إدخال تلك المشاريع ضمن بنود الميزانية، من خلال مراسلة القطاعات الحكومية، ومطالبتها بالوفاء بالتزاماتها الموقعة عبر تعديلات وتحويلات في ميزانياتها الخاصة. وحتى بعد تجاوز هذه المرحلة المالية، فوضعية العقار ونزع الملكية وتسوية النزاعات تعيق تطبيق المشاريع في أغلب الحالات»، يضيف المصدر نفسه.

مشاريع من كل الأصناف
تتباين المشاريع المندرجة في إطار المبادرة أو الإشراف الملكيين بين ثلاثة مستويات؛ الأول يتعلق بالمشاريع المهيكلة والكبرى، من بنيات تحتية واستراتيجيات بعيدة المدى، والتي ترتبط أساسا بالمؤسسات العمومية والشراكات الدولية، والثاني يخص المشاريع والبرامج الوطنية التي تتطلّب انخراط عدد من القطاعات الحكومية؛ والثالث يتمثل في المشاريع الاجتماعية والتنموية المحلية، التي تقدّم أو توقّع بمناسبة الزيارات الملكية. الصنف الأول من المشاريع يحظى بأكبر قدر من الاهتمام والعناية الملكيين، من قبيل الموانئ الكبرى والطرق السيارة والاستراتيجيات بعيدة المدى. رهان ملكي شخصي على إنجاح مثل هذه الأوراش برز منذ السنوات الأولى لعهد الملك محمد السادس، في محاولة لاستدراك الخصاص الذي ورثه عن عهد والده الحسن الثاني، وإعطاء انطلاقة جديدة للاقتصاد والتنمية.
«هذا النوع من المشاريع لا يرتبط مباشرة بميزانية الدولة، وغالبا ما ينجز عبر المؤسسات العمومية الكبرى، كشركة الطرق السيارة وصندوق الإيداع والتدبير ومكتب السكك الحديدية والوكالات الخاصة. هذه المؤسسات لا ترتبط بالميزانية السنوية للدولة، وتستطيع اتخاذ القرارات بشكل مستقل عبر هيئاتها التدبيرية، كما أن التمويلات الخاصة بهذه المشاريع غالبا ما ترتبط بالبنوك والشراكات الخارجية، وبالتالي، فالأمر يتعلّق في الغالب بمشاريع ناجحة»، يقول مصدر عارف ببعض الأوراش الكبرى في عهد الملك محمد السادس. خصوصيات لا تمنع بعض هذه البرامج الكبرى من إخلاف موعدها مع الأهداف الموضوعة لها، خاصة تلك المرتبطة بالأوضاع الاجتماعية والتنموية.
فأول مخطط استراتيجي كبير في عهد الملك محمد السادس، كان هو الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي أشرف عليه المستشار الملكي الراحل مزيان بلفقيه. الميثاق الذي جاء لإصلاح المدرسة العمومية خلال العشرية الأولى من عهد محمد السادس، انتهى إلى فشل شبه شامل، بشهادة الخطب الملكية والتقارير الرسمية. والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي انطلقت عام 2005، انتهت، بعد عشر سنوات، إلى استدعاء تدخّل ملكي جديد لمواجهة الفقر والهشاشة في المجالين القروي والجبلي. والمشاريع الملكية الكبرى لإحداث مفهوم جديد للسلطة واستكمال ورش الإنصاف والمصالحة، تجد نفسها أمام عراقيل واختلالات تحدّ من نتائجها.

تهافت المسؤولين
«المشاريع الاستثمارية الكبرى نفسها لا تسلم من العرقلة، رغم كل ما يحيط بإطلاقها من تعبئة واتفاقيات وطنية ودولية»، يقول مصدر خبر عددا من المشاريع المهيكلة، موضحا أن «جلّ المسؤولين، التقنوقراط والسياسيين، يتهافتون على الحصول على فرصة الجلوس أمام الملك وتوقيع الاتفاقيات، ويشكّل ذلك هدفا في حدّ ذاته، بغض النظر عن تحقيق المشاريع من عدمه». المصدر أضاف أن «بعض المسؤولين يوقّعون اتفاقيات المشاريع رغم أن القانون لا يسمح لهم بذلك أحيانا، أو دون التأكد من إمكانية تعبئة العقار اللازم، ولا ضمانات بوجود الاعتمادات المالية الضرورية». تهافت تفسّره بعض المصادر بحرص بعض المسؤولين على اقتناص فرصة المثول أمام الملك، «وفي بعض الأحيان يكون ذلك المسؤول، الذي قام بالتوقيع، قد انتقل إلى موقع آخر بفضل فرصة التوقيع تلك، ولم يعد يهمه إنجاز المشروع أو فشله».
مصدر آخر لا ينفي خروج بعض المبادرات الكبرى من داخل الديوان الملكي. «نعم بعض المشاريع هي مبادرات ملكية، يتم اتخاذ القرار بشأنها، ثم يكلّف بها أحد المستشارين أو المكلفين بمهمة، ثم تشكّل لها خلية تفكير وتخطيط تتكون من أطر وكفاءات موثوق في تجربتها، وتشرع هذه الخلية في التحضير بعد أداء قسم بعدم خيانة الثقة أو تسريب الأسرار، ثم خلال أشهر يكون التصوّر الأولي حول المشروع وكلفته وتركيبته المالية بين يدي الملك، وحينها يتم استدعاء المعنيين به للتوقيع عليه». مبادرات تعبأ لها موارد إدارية ومؤسسات كبيرة، من قبيل البنيات الإدارية للوزارات المعنية، والوكالة المغربية للاستثمارات التابعة لوزارة الصناعة والتجارة. «هذه الأخيرة تقوم بدور السكرتارية في بعض الاستثمارات الكبرى، وحين تحضّر اتفاقية بين مؤسسة عمومية والدولة، تقوم هي بالاتصال بالوزارات المعنية لتنسق بينها. وإذا جاء مستثمر كبير فهي التي تكلف بمرافقته، وتلعب دور السكرتارية لدى الحكومة».

شارك المقال