تكتمل، خلال أسبوع واحد من الآن، 100 يوم الأولى من عمر حكومة سعد الدين العثماني. بين يوم الأربعاء 5 أبريل، الذي شهد استقبال الملك محمد السادس سعد الدين العثماني ووزراءه، ويوم الجمعة المقبل، تكون الفترة الرمزية المتعارف عليها في التجارب الديمقراطية قد اكتملت من عمر الحكومة الحالية. «هذه الحكومة بالكاد جاوزت الشهرين وبضعة أيام من عمرها، لأن تاريخ الميلاد الحقيقي هو يوم التصويت على البرنامج الحكومي أمام البرلمان، يقول الناطق الرسمي باسم حكومة العثماني، مصطفى الخلفي، مشدّدا على أن الفترة ما بين تعيين الحكومة و«تنصيبها» أمام البرلمان تعتبر فترة تصريف للأعمال.
لا فترة سماح ولا التزامات
مهما يكن المعيار المعتمد في تحديد يوم الميلاد الرسمي للحكومة، سواء بالعودة إلى يوم 17 مارس الماضي، الذي شهد تعيين العثماني رسميا رئيسا للحكومة، أو تأجيل ذلك إلى غاية 26 أبريل، تاريخ انعقاد جلسة مجلس النواب التي شهدت تنصيب الحكومة الحالية؛ فإن هذه الأخيرة لم تستفد من «فترة السماح» المتعارف عليها في بعض التجارب الديمقراطية، مثل التجربة الفرنسية (délai de grâce)، ولا من مرحلة الاختبار الأولي والإجراءات الرمزية التي يقدّمها الحكام الجدد عربونا على صدق وعودهم الانتخابية، كما هو الحال مع ساكني البيت الأبيض الأمريكي. حكومة العثماني لم تقدّم وعود المائة يوم الأولى من عمرها، ولا كان لها وقت التحضير للخطوات الأولى، ولا يبدو أي طرف مستعدا لجمع عناصر هذه الفترة أو تقييمها.
«هذه نتيجة ما جرى في 2011 والولاية السابقة لبنكيران، حيث أصبحت الانتظارات سياسية، والانتظار مرتبطا بخطاب سياسي ورؤية سياسية من رئيس الحكومة، هذا ما جعل المواطن لا ينظر إلى الحكومة كفريق تنفيذي مكلف بالتدبير، بل حكومة سياسية يتماهى مع خطابها وهويتها، وهذا ما يجعل الخطاب العام سلبيا، حيث أصبح المغاربة يكادون لا ينتظرون أي شيء من الحكومة كأنها غير موجودة. لهذا يمكن أن نقول إن الحصيلة على هذا المستوى تغطي على ما يمكن أن يسجل من مؤشرات جيدة وفتح بعض الملفات واتخاذ بعض الإجراءات»، يقول القيادي الاتحادي السابق والأكاديمي المتخصص في تقييم السياسات العمومية، حسن طارق، الذي يوضّح أن الحكومة الحالية هي «ضحية شبكة قراءة وتقييم مختلفة، فهي مفروض أن تحاسب عن السياسات، لكن السياق الضاغط وهيمنة الحدث الكبير، المتمثل في حراك الحسيمة، يجعل التقييم سياسيا، وهذا معناه أن انتظارات المغاربة تغيرت ولم يعودوا ينتظرون إجراءات وسياسات عمومية رغم أهميتها».
مسح شامل لبيانات المجالس الحكومية المنعقدة منذ تعيين الحكومة الحالية، ومعها جلسات المساءلة الشهرية لرئيس الحكومة، وأكبر الندوات واللقاءات الصحافية لوزرائها، يحيل على لائحة طويلة من الاجتماعات الرسمية لهيئات ولجان ومجالس تقع كلها تحت سلطة رئيس الحكومة. سعد الدين العثماني بدا كما لو أنه يصفي دينا متراكما منذ فترة «البلوكاج» السياسي التي عاشها سلفه عبد الإله بنكيران، إلى درجة أصبح معها برنامجه شبه اليومي، فتح أحد الأوراش أو الملفات الكبرى للحكومة السابقة، وإعلان مواصلته أو استئنافه. وفي الوقت الذي تتناسل فيه لائحة الانتظارات والمطالب الشعبية، ويزداد الطلب على مؤشرات الإصلاح والدمقرطة والتصدي للفساد؛ تتناسل في الوقت نفسه لائحة اللجان الوزارية والإدارية والتقنية التي نصّبها العثماني على مدى الشهور الثلاثة الماضية، في محاولة لتحريك عجلة تبدو عالقة في أوحال عميقة.
الخلفي: ديناميات كبيرة انطلقت
«هناك ديناميات كبرى انطلقت في هذه الفترة القصيرة من عمر الحكومة، وقرارات كبرى، وتم تحقيق التزامات واضحة قدّمتها الحكومة»، يقول الناطق الرسمي باسمها، مصطفى الخلفي. وكنماذج لهذه الالتزامات والديناميات الجديدة، يقدّم الخلفي مصادقة البرلمان على القانون المالي «بعد شهر وأسبوع واحد»، مشدّدا على أن هذه الخطوة ترتّبت عليها نتائج إيجابية عديدة، «ثم هناك قانون التغطية الصحية للمستقلين، ومرسوم إحداث اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد، مع إمكانية حضور المجتمع المدني، وإرساء نظام لليقظة خاص بالمواد البترولية، وحماية الإنتاج الفلاحي الوطني من الحبوب عبر رفع الرسوم، واعتماد المنظومة الوطنية المندمجة لتلقي الشكايات، واعتماد المرسوم المحدث للجنة العرائض كآلية وساطة مهمة، والتسريع بإطلاق مباريات التوظيف لحوالي 23 ألف منصب شغل، ثم أضخم حملة للتشغيل بالتعاقد همّت 24 ألف منصب، بالإضافة إلى 11 ألف منصب سابق، واعتماد برنامج وطني خاص بالصحة الذي من نتائجه مضاعفة الأسرة الطبية من ألفين في الولاية السابقة إلى 10 آلاف، وتعميم تجهيزات السكانير على جميع الأقاليم، وقد تم اقتناء 22 جهازا جديدا، وإبرام صفقة 26 جهازا آخر…».
لائحة طويلة من الإجراءات والقرارات يحرص وزراء الحكومة الجديدة على ترديدها في جلسات الأسئلة الشفوية بالبرلمان، وفي خرجاتهم الإعلامية. وعند إضافة تصريحات رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، في برنامجيه التفزيونيين وجلسات مساءلته الشهرية، يتبيّن أن هذه الحكومة حدّدت لنفسها سقفا منخفضا، يبقيها في دائرة التدبير اليومي والقطاعات الاجتماعية فقط، دون أن تحمل مشاريع إصلاحية كبيرة في تلك القطاعات نفسها. ففي البرنامج التلفزيوني الذي خصصته له القناتان العموميتان الأسبوع الماضي، لم يأتِ رئيس الحكومة على ذكر أي من الملفات السياسية و«السيادية» الكبرى، وأسهب، بعد دقائق خصصت لموضوع حراك الريف، في تعداد الوعود التي تنوي القطاعات الاجتماعية لحكومته تقديمها.
«القنوات العمومية آخذة في إعدام رئيس الحكومة دون محاكمة (lyncher)، في حين أنها هي أيضا مسؤولة عما يقع بسبب قلة كفاءتها وتواطئها وتهاونها»، يقول الخبير في التواصل والأستاذ بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، عبد اللطيف بنصفية، تعليقا عن الخرجة التلفزيونية الأخيرة للعثماني عبر القناتين الأولى والثانية. بنصفية اعتبر أن ما آلت إليه الأوضاع، في علاقة بحراك الريف، كان يتطلّب من الإعلام العمومي انخراطا ومتابعة مهنية منذ البداية، وليس الاكتفاء بمساءلة رئيس الحكومة. هذا الأخير بدا، وهو يتعاطى مع أكبر امتحان سياسي وتدبيري واجهته الحكومة، وقد تنازل عن ملف الحراك منذ البداية لوزير الداخلية عبد الوافي الفتيت، الذي «ترأس» اجتماعا للأغلبية الحكومية الحالية بعيد تشكيلها، بحضور رئيسها المفترض سعد الدين العثماني، وقاد أحزابها إلى الإدلاء بتصريحات تضمنت اتهامات بالانفصال والارتباط بالخارج في حق نشطاء الحراك. العثماني أقر بخطأ أغلبيته بهذا الشأن، لكنه لم يقدم على الاعتذار، بل كان، يومين قبل خرجته التلفزيونية، يقف أمام الكاميرات في تصريح للصحافة، حرص فيه على تخصيص وزير الداخلية بالذكر دون باقي الوزراء، باعتباره أيضا ملتزما بخيار التهدئة، كما لو كان يتحدّث عن وزير في حكومة غير حكومته.
أسبوعا واحدا قبل خرجته الإعلامية الأخيرة، كشفت التعيينات الجديدة للولاة والعمال، بمناسبة المجلس الوزاري الأخير، غياب بصمة رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، عن أول حركة في صفوف رجال السلطة، منذ تعيين حكومته في أبريل الماضي. ففي ما يتعلق بالولاة، تميزت التغييرات، على الخصوص، بنقل ولاة معروفين من ولاية إلى أخرى، مع استمرار تكريس هيمنة خريجي مدارس المهندسين من خارج الإدارة الترابية على هذه المناصب، مع ترقية بعض العمال إلى ولاة، وظهور اسم شخصية استقلالية هي عبد الكبير زاهود ضمن التعيينات.
أول اجتماع أول غضبة
المجلس الوزاري الأول، بعد إعفاء عبد الإله بنكيران وتعيين سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة، شهد أول غضبة ملكية علنية في حق الجهاز التنفيذي المفترض فيه أنه منبثق عن برلمان منتخب، حيث خرج الناطق الرسمي باسم القصر الملكي ليعلن قلق واستياء الملك من عدم تنفيذ مشاريع برنامج «الحسيمة منارة المتوسط»، وإصداره قرارا غير مسبوق من نوعه في تاريخ المغرب، يقضي بحرمان الوزراء المعنيين بالمشروع من العطلة الصيفية. المجلس الوزاري، الذي يصادق عادة على مشاريع القوانين التنظيمية والاستراتيجيات الكبرى والتعيينات الموكولة إلى الملك حسب القانون، أصبح يضم 26 من الوزراء والوزراء المنتدبين في حكومة العثماني، ما يجعله مصغّرا مقارنة بالحكومة السابقة. فمناصب كتاب الدولة الـ13، التي تم توزيعها بين جميع أحزاب الأغلبية الحكومية لتلبية طلباتها أثناء تشكيل الحكومة، لا تخوّل من يشغلونها حضور المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك.
كتّاب الدولة، الذين يشكلون ثلث أعضاء الحكومة، مازالوا يعانون أزمة صامتة تعود إلى عدم حصولهم على تفويض الاختصاصات الذي يمكنهم من ممارسة سلطتهم على القطاع الذي عيّنوا فيه. مصادر حكومية قالت إن بعض كتاب الدولة يواجهون صعوبات مع الوزراء الأوصياء عليهم، الذين يرفضون منحهم قرارات لتفويض الاختصاصات، فيما يعاني آخرون تقاطع اختصاصاتهم مع بعض المؤسسات، كما هو الحال مع المندوبية السامية للغابات. وإلى حدود العدد الأخير من الجريدة الرسمية، تم نشر ثلاثة قرارات يفوّض بموجبها الوزراء بعض الصلاحيات إلى كتاب الدولة والوزراء المنتدبين. أول قرارين نشرا في هذا المجال يتعلّقان بتفويض وزير الطاقة والمعادن، عزيز الرباح، اختصاصات قطاع البيئة إلى كاتبة الدولة نزهة الوفي، ثم قرار وزير الخارجية والتعاون الدولي، ناصر بوريطة، والذي يمنح صلاحيات قطاع المغاربة المقيمين في الخارج للوزير المنتدب عبد الكريم بنعتيق، فيما يعود القرار الثالث، المنشور حتى الآن، إلى وزير التربية الوطنية محمد حصاد، والذي فوّض اختصاصات قطاع التعليم العالي إلى كاتب الدولة خالد الصمدي.
طارق: حكومة أسيرة خطيئتها الأصلية
«هذه الحكومة أسيرة لخطيئتها الأصلية المتمثلة في الأغلبية المفروضة، باعتبارها انقلابا حقيقيا على ما جاء في الانتخابات، وأسيرة لخطيئتها الأصلية بالنظر إلى طريقة التنخيب التي عادت إلى شبكات النفوذ والقرابات العائلية، وباعتبارها أعادت بقوة التقنوقراط، وباعتبارها كانت حاملة رسائل مستفزة للناخبين، وبالضبط تعيين الفتيت وزيرا للداخلية وحصاد وزيرا للتعليم، حيث كان هناك حرص مزاجي للسلطة على إرسال رسائل غاية في الاستفزاز إلى عموم الناخبين»، يقول حسن طارق، مضيفا أن تشكيل هذه الحكومة دبّر كما لو أنها عقاب جماعي للناخبين، ومحاولة لمحو 7 أكتوبر. «هي، بالتالي، أسيرة أيضا لخطيئة صبغ التقنوقراط ليصبحوا محزبين بين عشية وضحاها، وبالتالي، فكل أدوات التنخيب والتجنيد التي عرفها المغرب في السنوات المعلومة عادت بقوة. إذ يصعب الحديث عن أي حصيلة، حيث لم يكن هناك أي إجراء قوي خلال هذه الفترة لتسجيل الحضور وإعطاء إشارة إيجابية، بل لم يتم الانتباه إلى هذه القضية المتعارف عليها، بل جاءت إجراءات معاكسة في تنزيل استراتيجية الفساد وتعويم النسيج المؤسساتي، وإقصاء ترانسبارنسي من اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد…».
في الأيام الأولى لحكومته، أصدر سعد الدين العثماني أول دفعة من المراسيم المحددة لاختصاصات الوزراء، وخصصها بالدرجة الأولى للتقنوقراط. أولى المراسيم حددت اختصاصات 13 وزيرا، أربعة منهم تقنوقراط، إلى جانب ثلاثة من وزراء حزب التجمع الوطني للأحرار. باقي المراسيم توزّعت بين وزيرين منتميين إلى حزب العدالة والتنمية، هما كل من محمد يتيم وبسيمة الحقاوي، إلى جانب لحسن الداودي، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة. ومن بين التقنوقراط، حظي وزير الداخلية الجديد، عبد الوافي الفتيت، بأول مرسوم من مراسيم الاختصاصات التي وقّعها العثماني، وذلك حسب الترقيم التسلسلي الذي تحمله هذه المراسيم. مباشرة بعد الفتيت، جاء المرسوم الخاص بتحديد اختصاصات وزير الخارجية ناصر بوريطة.
«الخطيئة الأصلية»، التي يتحدّث عنها حسن طارق، برزت منذ الوهلة الأولى. وعشية اليوم الذي حدّد تاريخا لمثول رئيس الحكومة الجديد، سعد الدين العثماني، أمام غرفتي البرلمان لتقديم برنامجه الحكومي، اشتدّت النقاشات القوية بين قيادات في صفوف حزب العدالة والتنمية، على خلفية ما قاله العثماني في لقاء مع الفريق البرلماني للمصباح، من كون الأمانة العامة للحزب وافقت على التحاق حزب الاتحاد الاشتراكي بالحكومة، وأصوات من داخل الأمانة العامة واللجنة المكلفة بانتخاب المرشحين للاستوزار باسم الحزب، خرجت لـ«تكذيب» ما قاله العثماني.