خلفيات وأبعاد مبادرة المغرب إلى رسم حدوده البحرية قبالة الصحراء

10/07/2017 - 22:40
خلفيات وأبعاد مبادرة المغرب إلى رسم حدوده البحرية قبالة الصحراء

صادقت الحكومة في مجلسها الأخير، على ثلاثة نصوص قانونية، تحمل تعديلات جذرية على التشريعات المغربية المتعلقة بالمجالات البحرية الخاضعة لسيدة المملكة، أهمها إدخال المياه المقابلة لسواحل الصحراء المغربية ضمن المنظومة القانونية المغربية.. هذه خلفياتها

للمرة الأولى منذ استرجاع هذه الأقاليم منتصف السبعينيات. الخطوات التشريعية الجديدة تعالج ملفات حساسة، أولاها المعارك القانونية والقضائية التي فتحها خصوم المغرب ضد المنتجات المصدّرة انطلاقا من أقاليم الصحراء، حيث يعتبر غياب المياه المقابلة لسواحل الصحراء عن التشريعيات المغربية مدخلا ممكنا للطعن في حقّ المملكة في استغلال وتصدير ثرواتها؛ كما يرتبط الأمر بخلافات حدودية قديمة مع إسبانيا، ذات السيادة على جزر الكناري المقابلة للصحراء، وذلك بسبب قصر المسافة الفاصلة بين تلك الجزر وبين السواحل المغربية. فما الذي تنطوي عليه هذه المبادرات التشريعية المغربية؟ ولماذا جاءت في هذا التوقيت تحديدا؟

الوزير الناطق رسميا باسم الحكومة، مصطفى الخلفي، قال بعد اجتماع مجلس الحكومة الأخير، إن إدراج المجالات البحرية قبالة سواحل الصحراء المغربية بشكل صريح في المنظومة القانونية الوطنية، جاء « لتثبيت الولاية القانونية للمملكة عليها، وسد الباب أمام كل الادعاءات المشككة في أنها لا تدخل في نطاق السيادة المغربية ». وأضاف الخلفي أن النصوص الجديدة ستمكن المغرب من تحديد مجالاته البحرية بشكل أكثر دقة وملائمة مع مقتضيات القانون الدولي للبحار، في أفق تقديم الملف النهائي لتمديد الجرف القاري من 200 كلم إلى قرابة 350 كلم. هذه العبارة الأخيرة (تمديد الجرف القاري) تعتبر الكلمة السر في تفسير التوقيت الحالي، ذلك أن المغرب صادق على اتفاقية الأمم المتحدة حول قانون البحار الموقعة بمونتيغوباي في 10 دجنير 1982 أواسط العام 2007، وكان بالتالي ملزما بتقديم ملفه الرسمي لتمديد جرفه القاري قبل نهاية شهر ماي الماضي، أي داخل أجل عشر سنوات من مصادقته على الاتفاقية.

هذا الأجل كان تحوّل إلى عامل ضغط قوي على المغرب، حيث مرّ أكثر من نصف المهلة التي تمنحها الاتفاقية، دون أن يفتح المغرب ملف ترسيم حدود مياهه الإقليمية أمام اللجنة الأممية المختصة، وهو ما كان يعني حرمانه من حق طلب تمديد مسافة الجرف القاري لو تخلّف عن تقديم ملفه داخل الآجال القانونية. رئيس الحكومة الحالي سعد الدين العثماني، كان حاضرا في قلب الخطوات الأولى التي قام بها المغرب لإنقاذ مصالحه الاستراتيجية المرتبطة بهذا الملف، حيث أشرف في يناير من العام 2013، بصفته وزيرا للخارجية والتعاون في حكومة بنكيران الأولى، على تنصيب اللجنة المؤقتة المكلفة بتحديد الجرف القاري للمغرب في واجهته الأطلسية، والذي ظل غائبا عن الوثائق والدراسات الرسمية للمملكة منذ استقلالها. عمل يتطلّب إمكانات مالية وتقنية وعلمية كبيرة، استدعت لجوء المغرب إلى طلب الاستعانة بخبرات دولية، من أجل تحضير ملفه الخاص بمياهه الإقليمية والحدود الجغرافية للجرف القاري، وتقديمه للجنة الأممية المختصة في الآجال القانونية، والاحتفاظ بالتالي بحق تقديم طلب لتمديد الجرف القاري.

الشطر الجنوبي من السواحل الأطلسية للمغرب، أي تلك الواقعة في إقليم الصحراء المغربية؛ يتميّز بإشكالية إضافية، تتمثل في النزاع القائم حول ممارسة السيادة عليه بين المغرب وجبهة البوليساريو، ووجود أرخبيل من الجزء الإسباني والبرتغالي قبالة هذه السواحل. إسبانيا التي صادقت على الاتفاقية الأممية عام 1999، سارعت في الأسابيع الأخيرة من مهلة العشر سنوات التي تخوّلها، إلى تقديم ملفها الخاص بتحديد المياه الإقليمية والجرف القاري الخاص بجزر الخالدات عام 2009، وهو ما سارع المغرب بدوره للاعتراض عليه عبر مراسلة رسمية موجهة إلى الأمم المتحدة. خطوة أحادية لإسبانيا جاءت سعيا من هذه الأخيرة إلى حماية حقها في المطالبة بتوسيع الجرف القاري أمام اللجنة الأممية، وبالتالي قدمت الملف داخل أجل العشر سنوات، لكن أيضا بعد فشل مفاوضات غير معلنة مع المغرب، منذ العام 2001 على الأقل. مدريد عادت في العام 2014 لتتقدّم أمام اللجنة الأممية بطلب لترسيم حدود مياهها الإقليمية الخاصة بجزر الخالدات، وهو ما احتج عليه المغرب رسميا مرة أخرى في مارس 2015، الأمر الذي جمّد الملف الإسباني من جديد داخل اللجنة الأممية.

عمق الخلاف المغربي الإسباني يعود، أساسا، إلى كون المسافة الفاصلة بين السواحل المغربية وجزيرة « فويرتيفونتورا » التابعة لأرخبيل الخالدات، لا تتجاوز 100 كلم. مسافة تجعل المغرب وإسبانيا في موقف خلاف لكون المنطقة الاقتصادية الخالصة، حسب القانون الدولي، تصل إلى أكثر من 200 كلم من السواحل، وفي حال كانت المسافة الفاصلة بين سواحل دولتين تقل عن هذه المسافة، يكون ترسيم الحدود البحرية بينهما مرتبطا باتفاقهما. مبدئيا تنصّ القواعد الدولية على اقتسام المسافة الفاصلة بين الدولتين بشكل متساو، وبالتالي تكون المنطقة الخالصة للمغرب في الجزء المقابل لهذه الجزيرة الإسبانية، هو 50 كلم. معطى تشوبه تحفظات علمية وأخرى قانونية. فمن الناحية العلمية يتطلّب تحديد النقطة التي يبتدئ منها المجال البحري لأية دولة، دراسات جيولوجية، ولا يبتدئ ذلك بالضرورة من الشاطئ. كما يدفع الخبراء القانونيون المغاربة بحجة أخرى، مفادها أن أرخبيل الخالدات ليس دولة جزرية حتى يطبق عليها هذا المبدأ، بل هي مجرد جزر تابعة لدولة أخرى، وبالتالي تطبّق عليها قاعدة الخُمُس من المسافة الفاصلة، مقابل أربعة أخماس لصالح المغرب. دفوعات أشار إليها بيان الناطق الرسمي باسم الحكومة الخميس الماضي، بقوله إن النصوص القانونية الجديدة للمغرب تهدف إلى « حذف الإحالة إلى الخط الأوسط كمنهج وحيد لترسيم الحدود البحرية، والتنصيص على مبدأ الإنصاف الذي يعتبر أكثر تجاوبا مع مصالح المملكة وأكثر مسايرة للممارسة والقانونين الدوليين ».

جبهة البوليساريو الرامية إلى انتزاع الصحراء من السيادة المغربية، سارعت إلى الخروج والاحتجاج على الخطوات التشريعية للمغرب. كل من الأمانة العامة للجبهة الانفصالية وما تصفه بـ »الحكومة الصحراوية »، اعتبرتا الخطوة المغربية تصعيدية، ومشروع القانون الجديد « لاغيا وباطلا ». وذهبت الجبهة إلى اعتبار المبادرة المغربية خرقا للقانون الدولي وقرارات محكمة العدل الأوروبية الأخيرة حول الاتفاقيات التجارية للمغرب مع أوروبا. كما سارعت الجبهة إلى تعبئة أعضائها المستقرين في جزر الخالدات، للقيام بتحركات احتجاجية، سيوظفون فيها الأطفال والشبان الذين ينتقلون إلى هذه الجزر للمشاركة في مخيمات صيفية. وفيما تراهن البوليساريو على اعتراض إسبانيا، التزمت هذه الأخيرة الصمت التام أمام الخطوة المغربية، واقتصر ردّ الفعل الوحيد على حزب محلي بجزر الخالدات، معروف بقربه من أطروحة البوليساريو.

الخبير المغربي في القانون الدولي، ميلود الركيك، أنجز دراسة قانونية موثقة عقب تحريك المغرب لملف حدوده البحرية في الولاية الحكومية الماضية. الركيك قال إن الخطوة المغربية تعني كلا من إسبانيا وموريتانيا اللتين تشتركان مع المغرب بحدود برية وبحرية من جهة الجنوب، بالإضافة إلى البرتغال المتوفرة على بعض الجزر في المنطقة. فبخصوص موريتانيا، يقول الخبير القانوني إن اتفاقية فريدة من نوعها على الصعيد الدولي، وقعت بين المغرب وموريتانيا في أبريل 1976، وشملت في الوقت نفسه رسم الحدود البرية والبحرية. نموذج قال الركيك إنه استثنائي في العالم ولا توجد إلا اتفاقية واحدة تشبهه في العالم، كانت قد وقعت بين إمارة دبي وإمارة الشارقة، قبل أن تتوحدا في دولة الإمارات العربية المتحدة. الاتفاقية المغربية الموريتانية كانت تعرف الحدود البحرية بين البلدين في خط العرض 24، دون أي تدقيق. معطيات تجاوزتها الأحداث بعد شهور قليلة، بعد استعادة المغرب منطقة وادي الذهب من جبهة البوليساريو.

الخبير القانوني ميلود الركيك، يوضّح أن الشريط الساحلي الممتد على مسافة 12 ميل قبالة الشواطئ المغربية، يعتبر بمثابة جزء من التراب الوطني، وبالتالي يمكن للمغرب ممارسة السيادة الكاملة عليه. بينما يظل النقاش مفتوحا بشأن المنطقة الاقتصادية الخالصة، والتي تمتد إلى غاية 200 ميل من السواحل، وهي المسافة التي يمكن للدول استغلال الثروات الموجودة فيها، سواء منها الثروات السمكية أو الطاقية المحتملة. الخلاف بين المغرب وإسبانيا حول رسم الحدود بينهما في هذه المنطقة، يمكن أن يصل إلى طلب تحكيم محكمة العدل الدولية، حسب الخبير ميلود الركيك دائما.

خبيرة مغربية أخرى، وهي الأستاذة بجامعة عبدالمالك السعدي سارة الصفريوي، أنجزت دراسة مفصلة حول الجوانب القانونية لتمديد الجرف القاري للمغرب في الواجهة الأطلسية. عملية قالت الصفريوي إنها تتم أمام اللجنة الأممية في مرحلتين، الأولى تتمثل في فحص أولي للملف والتأكد من تضمنه كل المعطيات العلمية الضرورية والشروط الشكلية، ومرحلة ثانية تنكب على التأكد من صحة المعطيات والمعلومات الواردة في الملف، وتخلص في النهاية إلى توصيات توجهها إلى البلد المعني والأمين العام للأمم المتحدة. توصيات تقول الصفريوي إنها غير ملزمة قانونيا، ويمكن للدول الاعتراض عليها وعدم تطبيقها.

شارك المقال