توضيب الفيديو : سهيل المغني
لم تكن « الجهات »، التي وقفت وراء « تسريب » شريط فيديو ناصر الزفزافي، تعي أنها حبكت بيدها « ورطة » كبيرة، أغرقتها في وحل صخب واسع، وموجة انتقاد حاد، دخل على خطه مسؤولون كبار في الدولة.
تسريب جهات، لم تتضح هويتها إلى الآن، لفيديو ناصر الزفزافي، برأي مراقبين، كانت من ورائه رسالتين: الأولى للدفاع عن النفس أمام تقرير اليزمي، حول ادعاءات تعرضه للتعذيب، والثانية، السعي وراء إظهاره « ذليلا مذلولا » أمام مناصريه من النشطاء.
لكن، سرعان ما انقلب السحر على الساحر، وحرك الشريط ثورة واسعة على صفحات « سوشل ميديا »، وهجوما كاسحا على « المسربين » لشريط الفيديو، دفعت مؤسسات ومسؤولين في الدولة، لإصدار بلاغات « البراءة »، مما اقترفه المسربون.
فوضى
ويعكس هذا التسريب بين ثناياه حالة من « الفوضى » في خرق المساطر القانونية، المنظمة لحقوق المعتقلين، علاوة على طابع « الارتجالية » في تدبير ملف معتقلي حراك الريف.
وينص القانون رقم 23.98 المتعلق بتصوير المعتقلين، على منع أخذ صور فتوغرافية، أو لقطات مصورة، أو مشاهد، أو رسوم أو تسجيلات صوتية، داخل المؤسسات السجنية، أو بقربها مباشرة، إلا بإذن من وزير العدل.
عبد الصمد الإدريسي، محامي وحقوقي عن « منتدى الكرامة لحقوق الإنسان »، قال في حديث مع « اليوم24″، إن جهتين مسؤولتين عن نشر فيديو الزفزافي، هما المندوبية العامة لإدارة السجون، والفرقة الوطنية للشرطة القضائية.
التامك: أنا بريء
سارعت مندوبية التامك، ليلة الاثنين /الثلاثاء، إلى تبرئة نفسها من تصوير، أو تسريب الشريط، ودافعت عن نفسها بدليلين اثنين: الأول تفيد فيه أن « المعتقل ناصر الزفزافي لم يسبق له أن ارتدى اللباس، الذي ظهر به في شريط الفيديو »، والدليل الثاني أشارت فيه إلى أن « المواصفات المادية للمكان، الذي صور فيه الفيديو، لا تتوفر في أي من القاعات الموجودة بالسجن المحلي عين السبع 1 ».
وبذلك يزيح التامك، مسؤولية تسريب الفيديو، إلى « الفرقة الوطنية للشرطة القضائية »، التي كانت المكان الأول قبل السجن في عملية اعتقال ناصر الزفزافي.
ولم تصدر المديرية العامة للأمن الوطني، إلى حدود هذه الأثناء، أي بلاغ تقر أو تنفي فيه صلتها بشريط الفيديو.
الرميد: التسريب « صبيانيات » لا مبرر لها
الضجة الكبيرة، التي أثارها التسريب، على صفحات « سوشل ميديا »، والصخب الحقوقي، والضغط الإعلامي، دفع مسؤولين كبار في الحكومة، للخروج عن صمتهم إزاء الفضيحة.
وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، مصطفى الرميد، خرج عبر حسابه في « فايسبوك » للتعبير عن « غضبه ».
وكان لافتا للانتباه في تدوينة الرميد وصف تسريب شريط الفيديو بـ »الخطيئة »، و »الصبيانيات »، التي قال إن « لا مبرر لها ».
واعتبر التسريب « إهانة مدانة لمواطن أعزل مهما كانت التهم الموجهة إليه ».
غضب لفتيت
وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، هو الآخر، لجأ إلى أسلوب « الإعراب عن الغضب والقلق »، متبرئا من مسؤولية تسريب شريط الفيديو.
وحسب ما نقله وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، مصطفى الرميد، أعرب وزير الداخلية، هو الآخر، عن « غضبه ».
وفي حالة ما صح « غضب » لفتيت، فإن الحادث يكشف عدم امتلاك الوزير أي سلطة، أو علم بما يجري في مؤسسة يفترض أنها تقع تحت سلطته.
محاسبة « المسرّب »
وسط الصخب الحقوقي، الذي تلا تسريب الفيديو، قال صلاح الوديع، رئيس « حركة ضمير »، للمطالبة بمحاسبة المسربين لفيديو الزفزافي.
وقال: « مهما يكن صاحب الفيديو الأخير لناصر الزفزافي، فيجب أن يتم فضح المسرب أمام الرأي العام، وينال الجزاء، الذي يستحق ».
واعتبر الحادث دليلا على « اكتمال شروط المعاملة المهينة، والحاطة بالكرامة، والمسيئة، وهتك لحرمة الجسد ».
سجن « أبو غريب » مغربي
وتفاعلا مع الجدل، قال عبد الصمد الإدريسي، المحامي والحقوقي عن « منتدى الكرامة لحقوق الإنسان »، إن تسريب شريط فيديو للمعتقل ناصر الزفزافي، القائد الميداني لحراك الريف يذكر بـ »سجن أبو غريب »، في إشارة إلى سجن التعذيب، الذي أقامته الولايات المتحدة في العراق.
وأوضح عبد الصمد الإدريسي في تصريح لـ »اليوم 24″، أن « جهتين لا ثالث لهما مسؤولتان عن انتهاك حرية الزفزافي وإيلامه بنشر الفيديو المشؤوم، الذي يذكرنا بسجن أبو غريب ».
+++
وبذلك، يكون حادث تسريب شريط فيديو لمواطن في طور الاعتقال، وهو شبه عار، من أكبر الفضائح، التي تضرب المغرب، وتكشف واقع العشوائية، والارتجالية، التي يدبر بها ملف معتقلي حراك الريف، وقضايا أخرى.. حتى ذهبت بوزير العدل السابق، ووزير الدولة الحالي، إلى حد نعت الحادث بـ »الصبياني ».