يبدو أن النواة الجامعية التي بحت حناجر نشطاء الحراك الشعبي بالحسيمة لإحداثها، قد تحولت إلى واجهة أخرى للتطاحن بين المنتخبين بالإقليم، بعدما عبر محمد حصاد، وزير التربية الوطنية والتعليم العالي، عن رغبة الوزارة في إنشاء هذه النواة بالإقليم في الزيارة التي قادته رفقة الوفد الحكومي إلى المدينة.
وانقسم المنتخبون بالجماعة بخصوص مكان إحداث الجامعة، فالطرف الأول يقول إن مكانها هو بني بوعياش، والطرف الثاني يؤكد بأن الأفضل أن تشيد فوق تراب جماعة أيت قمرة، أما الطرف الثالث فيرى أنه من الأجدر أن تقام بمدينة تارجيست، وبين هذه الأطراف المتصارعة يقف المواطنون مشدوهين أمام حجم الصراع على مطلب قالوا إنه كان مطلبهم بالدرجة الأولى!
من هنا البداية
مما بشر به الوزير حصاد المنتخبين في الاجتماع الذي جمعه بهم، أن الوزارة تسعى لإنشاء الجامعة، غير أن الإشكال الذي يعترضهم هو العقار، هنا عرض سعيد أكروح، رئيس جماعة بني بوعياش، على الوزير عقارا قال إن الجماعة اقتنته لفائدة إحداث نواة جامعية، فقام الوزير بزيارة إلى المكان قبل أن تبدي الوزارة حسب أكروح موافقتها المبدئية.
وكشف أكروح في اتصال مع « اليوم 24″، أن مشروع الجامعة في الحقيقة كان ضمن الأولويات التي حرص المجلس على تضمينها في برنامج تنمية الجماعة، وذلك منذ سنتين، وظل هذا المطلب (إحداث الجامعة) تطرحه الجماعة في كل المناسبات.
وأضاف نفس المصدر بأن الجماعة قامت بإجراءات عملية من أجل تحقيق هذا المشروع على أرض الواقع، باقتناء بقعة أرضية بمساحة 7 هكتارات، والقيام بكل الإجراءات المرتبطة بها، بما في ذلك عقد دورة استثنائية واتخاذ قرار بتفويت البقعة الأرضية لوزارة التعليم العالي.
وعاد أكروح إلى مجريات اللقاء الذي عقده وزير التعليم العالي مع المنتخبين، والذي عرض فيه على الوزير إنشاء النواة الجامعية ببني بوعياش، « الوزير أبدى موافقته المبدئية، وشرعنا في الإجراءات »، يقول المتحدث نفسه قبل أن يضيف: « تفاجأنا بالعريضة التي وقعها عدد من رؤساء الجماعات، والذين لم يطالبوا يوما بإحداث جامعة، ولا تتضمن برامج تنمية الجماعات التي يدبرونها مطلبا كهذا »، يؤكد أكروح.
واعتبر نفس المصدر بأن العريضة هي تشويش على العمل الذي يقوم به المجلس من أجل إحداث النواة الجامعية، مؤكدا في نفس الوقت على استمرار الإجراءات الإدارية مع وزارة التعليم العالي، رغم المطالب التي تطالب بإحداث الجامعة خارج تراب بني بوعياش.
الجامعة في أيت قمرة!
على عكس طلب أكروح، وفي يونيو الماضي، وجه 22 رئيس جماعة طلبا إلى والي جهة طنجة تطوان الحسيمة، محمد اليعقوبي، طلبا يطالبون من خلاله بإحداث النواة الجامعية في تراب جماعة أيت قمرة، « يشرفنا نحن السادة رؤساء الجماعات الترابية الموقعين أسفله أن نلتمس من سيادتكم إدراج مشروع إنشاء النواة الجامعية المتعددة التخصصات المبرمجة على تراب جماعة أيت قمرة، وذلك نظرا لموقعها الملائم، والذي يوجد بوسط الإقليم، ما من شأنه أن يستجيب لمعايير العدالة المجالية فيما يخص استفادة وتنقل طلبة باقي الجماعات من كل أطرافه، خاصة وأن الجماعة تتميز بقربها من كل المحاور الطرقية ومن المدار المتوسطي الذي يربط باقي المناطق »، على حد تعبير الرسالة التي وجهها الرؤساء إلى والي الجهة، والتي تتوفر « اليوم 24 » على نسخة منها.
وفي هذا السياق، قال إسماعيل بلحسن، رئيس جماعة أيت قمرة، وأحد الموقعين على الطلب، إن رئيس جماعة بني بوعياش، فعلا كان سباقا إلى المطالبة بإحداث نواة جامعية، وأكد في السياق نفسه في اتصال مع « اليوم 24″، أنه لا مشكل لديه بخصوص موقع الجامعة، قبل يضيف بأن الطلب الذي وجهه رفقة عدد من زملائه من رؤساء الجماعات، جاء بعد لقاء عقده ستة رؤساء جماعات بجماعة بني عبد الله مع وزير الداخلية والوالي اليعقوبي والوالي المفتش العام السابق للداخلية محمد فوزي.
وأبرز رئيس جماعة أيت قمرة، أن أحد رؤساء الجماعات الحاضرين في الاجتماع المذكور، طالب بإحداث النواة الجامعية في جماعة أيت قمرة، « استفسرت عن العقار وأكدت لهم بأن العقار موجود في أيت قمرة، وطلبوا مني التوقيع إلى جانبهم، فوقعت على هذا الطلب »، يضيف الرئيس.
ونفى أن تكون الخطوة التي أقدم عليها الرؤساء المعنيين، لها دوافع سياسية أو بسبب صراعات بين الأحزاب السياسية.
الاستقلال يريدها في تارجيست!
لكن يبدو أن الموقعين السابقين لا يحظيان بموافقة النائبين الاستقلاليين، نورالدين مضيان الذي يرأس أيضا جماعة بني عمارت، ورفيعة المنصوري، ووجه النائبان مراسلة إلى عامل الإقليم قصد إنشاء هذه الجامعة في مدينة « تارجيست ».
وأورد النائبان الاستقلاليان، في الرسالة ذاتها، التي تتوفر « اليوم 24 » على نسخة منها، أن « قرار إحداث نواة جامعية بالإقليم بعد انتظار وترقب طويلين، وتحقيقا للعدالة المجالية، يشرفنا أن نقترح عليكم تحقيقا واستجابة لتطلعات ساكنة مدينة تارجيست إحداث هذه النواة الجامعية على ترابها، لاسيما وأنها تقع من الناحية الجغرافية وسط إقليم الحسيمة، ولم يسبق لها أن استفادت من مثل هذه المشاريع، مقارنة مع مدينة الحسيمة والمراكز المحيطة بها، والتي سبق لها أن استفادت من العديد من المشاريع القائمة، من قبيل المعاهد والمؤسسات، فضلا عن المرافق الأساسية والخدماتية الموجودة فوق ترابها ».
وعلاقة بهذا الطلب، أضاف مضيان في اتصال هاتفي مع « اليوم 24″، أنه شخصيا لا يهم المكان الذي ستنجز فيه النواة الجامعية، المهم أن تشيد في الإقليم، لكن وبالنظر إلى الصراع الدائر حول هذا الموضوع وبالخصوص بين أعضاء من حزب واحد، في إشارة إلى عدد من المنتخبين الموقعين على طلب إحداث الجامعة في أأأيت قمرة ورئيس جماعة بني بوعياش، المنتمين إلى حزب الأصالة والمعاصرة، (هذا الصراع) هو الذي دفع بالاستقلال الى تبني خيار طرح فكرة إنشاء الجامعة في تارجيست.
وأكد مضيان بأن السكان الذين يمثلهم من دائرة كتامة ومن باقي الدوائر، يطالبون هم أيضا بأن تكون الجامعة في هذا المكان.
ركوب على مطالب الحراك!
وإذا كان هذا هو حال الساسة في إقليم الحسيمة، فإن شريف أدرداك، رئيس جمعية أمازيغ صنهاجة الريف، يرى بأن السجال السياسي القائم حاليا حول مكان تشييد الجامعة بإقليم الحسيمة بين حزبي الاستقلال والبام، « يدخل في إطار الركوب على مطالب الحراك التي ضحى من أجلها شباب يقبع أغلبهم في السجن حاليا، وذلك تحت عدة ذرائع تخفي تحتها مصالح اقتصادية، تتجلى في الاستفادة من ريع المضاربة العقارية التي ستشهدها المنطقة التي ستحتضن الجامعة »، يؤكد أدرداك.
وأضاف المتحدث نفسه، في اتصال مع « اليوم 24″، « أنه ومن الجانب الأخلاقي أيضا، فإن الجامعة يجب أن تكون بالجهة الشرقية لإقليم الحسيمة، التي خرجت منذ أزيد من 8 أشهر للاحتجاج والمطالبة ببناء جامعة بالإقليم، صراحة فرغم من أني أنتمي إلى منطقة صنهاجة التي شهدت حاضرتها، تركيست، حراكا سنة 2013 وآخر هذه السنة، إلا أني أرى بأن مطالبه (الحراك) لم تكن استراتيجية كتلك التي رفعها الريفيون المتواجدون في الجهة الشرقية للإقليم، حيث اقتصر على المطالبة بتنفيذ المشاريع الملكية المبرمجة، وكذا المطالبة بإيجا حل لمشكل ارتفاع ثمن فواتير الكهرباء، كما أن حراك تلارواق بإساكن لم يكن يطالب سوى باسترجاع الأراضي التي انتزعت من الساكنة، وتم تفويت جزء منها للأملاك المخزنية، والتي استفاد من تعويضاتها أعضاء تعاونية فلاحية، فيما تم إلحاق جزء آخر للمياه والغابات »، يضيف أدرداك.
وأبرز نفس المصدر أنه يفضل أن تكون النواة الجامعية في منطقة « الفلاحة » المتواجدة بين آيت قمرة وإمزورن، وذلك من أجل خلق منفذ آخر لمدينة الحسيمة يخفف الضغط على محور أجدير-بني بوعياش الذي يحتكر أغلب المشاريع الموجهة للإقليم.