أعادت الانفلاتات والتجاوزات الأخيرة في مجال الحقوق والحريات، سؤال الحكامة الأمنية وخضوع الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون للضوابط القانونية وإشراف المؤسسات السياسية المسؤولة وذات الشرعية، ابتداء من المقاربة الأمنية المتشددة في التعاطي مع حراك الريف، مرورا بتعنيف المتظاهرين والصحافيين والاستعمال غير المتناسب للقوة، ووصولا إلى التسريبات والتسريبات المضادة بما يمسّ بحقوق فردية مكفولة دستوريا.
مصادر مقربة من التدبير الأمني والترابي، لم تستبعد ارتباط هذه الانفلاتات والصراعات بترتيبات تجري في أعلى مستويات السلطة، وتمس بالهندسة المؤسساتية والمواقع الأكثر تأثيرا في القرار الاستراتيجي للدولة. ترتيبات تهم موجة جديدة من التعيينات يفترض أن تهم لائحة طويلة من المؤسسات الحيوية، مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان ومجلس المنافسة وهيئة محاربة الرشوة، إضافة إلى المجلس الأعلى للأمن الذي نصّ عليه دستور 2011 دون أن يفعّل حتى الآن.
مصدر جيّد الاطلاع قال إن عددا من التحركات التي جرت في الشهور الأخيرة، بما فيها كيفية تشكيل الحكومة وتركيبتها، تندرج ضمن الترتيبات الجارية، والتي تهم في جزء منها المواقع الحساسة أمنيا وعسكريا، « وهو ما يفسّر خروج الجميع للدفاع عن موقعه ورؤيته الخاصة في تدبير الملفات الكبرى للبلاد ».
الصعود القوي للأجهزة الأمنية إلى الواجهة، أعاد طرح التساؤلات الخاصة بحكامتها وبتأخر تفعيل المجلس الأعلى للأمن الذي أحدثه الدستور الحالي. القرارات الأخيرة التي اتخذت مستهل شهر أبريل لتعيين أعضاء الحكومة الجديدة ومعها المجلس الأعلى للسلطة القضائية، حسمت الشق المدني من تركيبة المجلس الأعلى للأمن، كما نصّ عليها الفصل 54 من الدستور. فانتقال مصطفى الرميد من وزارة العدل إلى وزارة حقوق الإنسان، يجعله خارج التركيبة الدستورية لهذا المجلس، فيما يعتبر الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي عيّن مستهل أبريل، العضو الذي كان ينقص التركيبة الرسمية لهذا المجلس. هذا الأخير يفترض أن يضم الوزراء المكلفين بالداخلية، والخارجية، والعدل، وإدارة الدفاع الوطني، وكذا المسؤولين عن الإدارات الأمنية، وضباط سامين بالقوات المسلحة الملكية، وكل شخصية أخرى يُعتبر حضورها مفيدا لأشغال المجلس. وفي الوقت الذي يعتبر الملك رئيس هذا المجلس، ينص الدستور على إمكانية تفويض هذا الاختصاص إلى رئيس الحكومة.
أستاذ العلوم السياسية والنائب البرلماني السابق حسن طارق، قال لـ »اليوم 24″، إن هذا المجلس « هو مدخل من مداخل الاستجابة للإكراهات الحالية، باعتباره مرتبطا بالحكامة وخضوع الأجهزة الأمنية لأحكام القانون والشرعية والتناسب والشفافية وسلطة السياسي على الأمني. هذا معطى أساسي ومستعجل، لأن تدبير مثل هذه الملفات لا ينجح بمنطق المسارات الموازية للمسار الديمقراطي. الديمقراطية هي جبر الضرر الأساسي في الملف الحقوقي، أي أن تفعيل المسؤولية السياسية أمر ضروري ».
المحامي والحقوقي عبد العزيز النويضي، قال من جانبه عن موضوع الحكامة الأمنية إنه يواجه إكراهات كبيرة منذ أكثر من عشر سنوات. « فالمجلس الأعلى للأمن الذي نص عليه الدستور لم يخرج إلى الوجود، وقبل ذلك بقيت توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة التي وافق عليها الملك سنة 2006 دون تفعيل، وهذا يدلّ على استمرار نفس الأساليب السابقة واستمرار رفض أي تغيير أو توزيع للسلطة ».
النويضي شدّد على أن توزيع السلطة والثروة هما المدخلان لأي حماية للاستقرار في أي بلد. « غياب هذا الإصلاح الضروري يجعل حماية الاستقرار يمر عبر فرض الحكم بالقوة، لهذا بقيت جميع آليات الحكامة معطلة، من بينها مجلس المنافسة والهيئة المركزية لمحاربة الرشوة، كما أن القضاء لم يشهد أي إصلاح حقيقي ».
وخلص النويضي إلى أن الحكامة الأمنية تتطلّب خضوع الأمني للسياسي الديمقراطي الذي يحاسب، ومنح المناصب الأمنية بمنطق الكفاءة والاستحقاق وليس الزبونية، وأن تكون لرجال الأمن أنفسهم حقوق وضمانات حتى لا ينفذوا الأوامر التي تخرق القانون. « هذه بعض الشروط الضرورية بدونها لن تكون هناك حكامة أمنية، بل سنصبح أمام أمن متحكم فيه من طرف مسؤولين لا يتوفرون على الشرعية الديمقراطية ولا يحاسبون ».
استمرار غياب المراقبة السياسية للأجهزة والقرارات الأمنية، وعدم تفعيل المجلس الأعلى للأمن، يبقي الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون خارج أي إطار مؤسساتي. السنوات القليلة الماضية شهدت بعض التدخلات الملكية المباشرة لإنهاء بعض الاختلالات، من قبيل الاجتماع الشهير مع كبار المسؤولين الأمنيين لوضع خطة حماية المهاجرين المغاربة من الابتزاز وسوء المعاملة خلال رحلة العودة الصيفية، ثم التدخّل الملكي الحاسم السنة ما قبل الماضية لإيقاف موجة « التشرميل » وإصداره الأوامر لوزيري الداخلية، حصاد والضريس حينها، للتجوّل بين مدن المملكة وإعادة الهدوء إلى سكانها. مصدر قريب من ملف الحكامة الأمنية قال لـ »اليوم 24″، إن وجود مؤسسة مثل المجلس الأعلى للأمن « يوفّر على الأقل مجالا للتداول وطرح مداخل لحل الأزمات، ووضع الأصبع على الجروح وتجاوز بعض المآزق ». المصدر نفسه أضاف أن غياب مثل هذا المجلس « يعني غياب مؤسسة تجمع الأطراف وتوفر المعلومات، وإلا سنحتاج دائما إلى تدخل الملك شخصيا ».
من جانبه، حسن طارق قال لـ »اليوم 24″، إن هناك غموضا كبيرا يحيط بالأحداث الأخيرة، « أي التسريبات والتسريبات المضادة والبلاغات المتوالية، وكل ذلك يعني أن هناك اختلافات في التقدير ومستويات مؤسساتية متعددة في علاقة بما يحدث. هذا الأمر يمكن أن يكون طبيعيا في بعض الحالات، لأننا أمام بنية معقدة ومركبة للدولة، لكنه يمكن أيضا ألا يكون عاديا، ويكون من بين ما يعنيه أن هناك صراعا بين الأجهزة، وهو ما يمكن أن ينطوي على مخاطر كبيرة ».
طارق أوضح أن أول مدخل لتجاوز مثل هذه المخاطر، « هو الاحتكام للقانون والمرجعية القانونية، ثم الاحتكام للقرار السياسي. فخرجات المديرية العامة للأمن الوطني الأخيرة تطرح سؤال احترام التراتبية مع وزارة الداخلية ثم الحكومة. كما أن هذا السلوك فيه الكثير من اللبس وإمكانية الانزياح في العلاقة مع القضاء، حيث توحي بعض البلاغات بالتأثير فيه، علاوة على العلاقة مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان. فهل كان يمكن في ظل حكامة أمنية حقيقية أن ترد الإدارة بهذا الشكل على مؤسسة دستورية؟ ».
المجلس الأعلى للأمن الذي أحدثه الدستور، هو هيئة للتشاور بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي للبلاد، وتدبير حالات الأزمات، والسهر على مأسسة ضوابط الحكامة الأمنية الجيدة. وفيما كانت بعض الجهات الأمنية قد عبّرت عن تحفظاتها تجاه هذا المجلس الجديد، لما يحمله من فتح لبعض الملفات الحساسة بين يدي المدنيين، متمثلين في أعضاء الحكومة الآتين من الأحزاب؛ أوضحت مصادر « اليوم 24″، أن تلك الجهات حصلت على تطمينات بضمان عدم ترك أي ثغرات تؤثر على عمل الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهو ما تُرجم حتى الآن بتأجيل ميلاد هذه المؤسسة الحساسة.
التوصيات الختامية لهيئة الإنصاف والمصالحة، والتي صادق عليها الملك، نصّت على تفعيل آثار قاعدة «الحكومة مسؤولة بشكل تضامني» عن العمليات الأمنية وحفظ النظام العام وحماية الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإلزامها بإخبار الجمهور والبرلمان بأي حدث يستوجب تدخل القوة العمومية، وبمجريات ذلك بالتدقيق وبالعمليات الأمنية ونتائجها والمسؤوليات، وما قد يتخذ من تدابير تصحيحية.
كما نصّت هذه التوصيات على تقوية آلية المساءلة والاستماع المباشر من قبل البرلمان بشأن المسؤولية عن حفظ الأمن والنظام العام، وتوسيع هذه المساءلة لتشمل جميع المسؤولين المباشرين عن أجهزة الأمن وعمليات الردع على الأصعدة الوطنية والإقليمية والمحلية، مع جعل الإشراف السياسي على عمليات الأمن وحفظ النظام العام فوريا وشفافا، وذلك بنشر تقارير عن العمليات الأمنية، وعما خلفته من خسارة وأسباب ذلك والإجراءات التصويبية المتخذة…