والد مغنية حراك الريف"سيليا"في جلسة بوح مؤلمة

14/07/2017 - 18:42
والد مغنية حراك الريف"سيليا"في جلسة بوح مؤلمة

خرج أحمد الزياني، والد سليمة الزياني (سيليا)، أشهر النشيطات في حراك الريف، من مقابلة قصيرة جمعته بقاضي التحقيق الذي أخضع ابنته للاستنطاق، وعيناه مغرورقتان بالدموع. فقد كان يعول كثيرا على هذه المقابلة غير الرسمية كي تمنحه أملا في رؤية سيليا تغادر السجن الذي تقبع فيه منذ حوالي شهرين. « لقد أخبرني بأن سيليا على رأس قائمة الأولويات إن كان هناك توجه مستقبلي بالإفراج عن المعتقلين ». في تلك الأثناء، كانت الشبكات الاجتماعية قد غُمرت بشائعات حول الإفراج عن سيليا بشكل فعلي، ولم يتوقف هاتف والدها عن الرنين، فقد كان الجميع يريد تأكيدا أخيرا من لدن والدها، لكن لم يكن هناك أي شيء صحيحا. « لا أعرف كيف تنتشر الشائعات في هذه البلاد، وهذه شائعة كنت أود لو كانت صحيحة وأصدقها، لكن علي أن أنتظر وقتا أطول على ما يبدو، حتى أرى سيليا حرة ».
كان والد سيليا يجلس وحيدا على كرسي خشبي داخل بهو محكمة الاستئناف في الدار البيضاء، وبين الفينة والأخرى يقطع البهو ذهابا وجيئة: « جدران المحكمة تصيبني بالضيق »، كما قال. لم يكن هنالك بالمحكمة طيلة تلك الساعات من الرابعة حتى السابعة مساء أي شخص في المحكمة سوى محامين كانت لديهم جلسة تتعلق بقضية عثمان بنجلون ضد ابن أخيه. وفي الأثناء، حاول عون سلطة طرد والد سيليا من البهو إلى الخارج بعدما لاحظ وجوده وحيدا هناك، لكنه تمسك بحقه في المكوث هناك وتدخلت الشرطة وسمحت له بالبقاء.
لم يأكل والد سيليا أي شيء تقريبا طوال ذلك اليوم، « فقد تناولت وجبة فطور بصعوبة. لقد فقدت شهيتي »، يقول أحمد الزياني، ومع ذلك فقد كان يشعر بكبرياء خاص عندما يعرض عليه شخص ما تناول وجبة ما، وحتى رجال الشرطة الذين دافعوا عن بقائه في بهو المحكمة عرضوا عليه أن يأتوه بوجبة، لكنه رفض. لاحقا، خرج كي يتنازل قضمة طعام، لكنه بمجرد أن شرع في الأكل حتى تلقى اتصالا من محاميه يطلب قدومه حالا. ترك وجبته وغادر: « لا يساوي الأكل بالنسبة إلي أي شيء أمام أي خطوة يمكنها أن تساعد ابنتي ».
رتب محاموه لمقابلة غير رسمية بينه وبين قاضي التحقيق، وقد كان الزياني يعتقد بأن هذه المقابلة ستحدد مصير ابنته، ولذلك، فقد كان يعد بعناية لما سيقوله لقاضي التحقيق. « سأطلب منه باختصار شديد، أن يحكم بالعدل. سأضعه بين خيارين: إما أن يقرر وفقا ما يمليه عليه ضميره، وإما أن يفعل ما يشاء ». لم يكن يعرف متى سيستقبله قاضي التحقيق أو المدة التي ستستغرقها المقابلة. « أشعر أن قاضي التحقيق يتعاطف مع حالتي، فقد علم من لدن المحامين، أني أتجرع الكثير من العذاب في هذه القضية، ولدي أمل في أن تكون صحتي المتدهورة سببا رئيسا في دفعه إلى إخلاء سبيل ابنتي ». لم تدم المقابلة سوى عشر دقائق فقط، بينه وبين قاضي التحقيق، « لقد حثني على الصبر، كم كنت أود أن يطلب مني المرور إلى السجن للمرة الأخيرة وحمل ابنتي معي إلى الحسيمة »، يقول أحمد الزياني.
كان يخرج بين الفينة والأخرى إلى سيارة محاميه حيث ترك كيس أدوية، كي يتناول قرصا: « لقد أجريت ست عمليات على القلب. إن صدري كله مليء بالغرز والأدوات الحديدية.. والناس تخاف على وضعي الصحي كثيرا، وحتى ابنتي أيضا، فقد قيل لها عندما كانت لدى الشرطة بالحسيمة إن حالتي إن تدهورت أو وقع لي مكروه فإنها هي السبب، وقد شعرت بالمرارة، وأعتقد أن ذلك كان من أسباب تدهور صحتها في الوقت الحالي ».
يتقاضى أحمد الزياني معاش تقاعد يبلغ قدره 1400 درهم عن عمله سابقا كمعلم سياقة، لكن كيس الأدوية الذي يحمله في يده يكلفه أكثر من هذا كل شهر. « لا يهم ما حدث لي، وأنا لست مكترثا لوضعيتي الصحية. ما يهمني هو أن يحصل الناس على حقوقهم، وأرى نفسي صاحب حق، وأن يفرجوا عن سيليا، فإني حتى وإن فقدت ذلك المعاش لاحقا فلن أهتم بالأمر ». ويسعى الزياني كثيرا إلى أن لا تعكس أقواله أو تصرفاته وجود معاناة شخصية، وبثبات أخبرنا أن الشعور بالضعف وإن كان أمرا إنسانيا إلا أنه لا يجب أن يكون مدعاة للشفقة. الحق حق ». في تلك الليلة، قطع الزياني الطريق من طنجة إلى الرباط عبر حافلة، ثم اقتنى تذكرة قطار إلى الدار البيضاء. « صحتي لم تعد تسعفني على ركوب المواصلات العامة، والطريق الوعرة للريف تصيبني بالضيق والاختناق، ولا يمكنني ركوب حافلة من الحسيمة إلى أي وجهة ». فيما مضى، كان والد سيليا يأتي بمعية أحد أقربائه في سيارة، لكنه لم يعد يفعل ذلك: « قريبي لم يعد يستطع السياقة في هذه الطريق الخطرة ».
كان يحملق في المحامين الذين يستعدون للمرافعات في قضية عثمان بنجلون، ثم قال: « يبدو أن هؤلاء المحامين يتقاضون أجورا كبيرة. تصور ما كان سيحدث لي لو كان علي أن أدفع مصاريف المحامين. ربما لم تكن ابنتي لتحصل على أي محام ». وحتى لا يشعر بقنوط إضافي، ولج إلى قاعة الجلسات حيث تُتداول قضية عثمان بن جلون، ثم رفع عينيه نحو الأعلى ولاحظ إطارا زجاجيا مزينا بآية من القرآن تحث على العدل. وتساءل: « هل فعلا يطبقون هذه الآية المعلقة فوق رؤوسهم؟ »، ثم أجاب بسرعة: « أكون مجبرا في بعض المرات على التفكير بأن العدل هو ما ينقص هذه البلاد، وفي بعض المرات، أحاول إقناع نفسي بأن ابنتي ستحصل على العدل المطلوب، لكنني بشكل عام، أخمن أن العدل في بلادي لديه طرق غريبة في التطبيق ». في جلسة التحقيق، نفت سيليا كل التهم المنسوبة إليها، لكن قاضي التحقيق أعادها إلى السجن،  » أخبرني المحامون أن عودتها للسجن ليست مؤشرا، وأنا رغم كل شيء، أحاول التعلق بأي خيط يهبني الأمل في الإفراج عن ابنتي ».
في نهاية المطاف، أخبره محاموه بأن طلب السراح المؤقت لابنته قيد النظر، وتلك محاولة للتخفيف من شعوره بالصدمة إزاء بقاء سيليا في السجن لفترة أطول. « كل يوم إضافي في تلك الزنزانة يمثل عذابا كبيرا لابنتي »، كما قال لنا، ثم أضاف بنبرة حزينة: « لقد زرتها في الصباح، وكانت حالتها تدعو إلى الخوف. إنني أشعر بالخوف عليها أكثر ما أشعر بالخوف على صحتي ».

شارك المقال