عين دالية – عبد الرحيم بلشقار
بذل الوفد الوزاري الذي كان مرفوقا بمسؤولين ترابيين، ومستثمرين في مشروع المدينة الصناعية الصينية بطنجة، مجهودات كبيرة لتبديد الشكوك التي أثيرت حول الموضوع، دون أن يشيروا إليها بشكل مباشر، وركزوا في حديثهم على الموقع الجغرافي للأرض، وجاهزيتها لاستقبال المدينة التكنولوجية الذكية، بنفس المواصفات التي تم التوقيع عليها أمام الملك محمد السادس، في قصر مرشان بطنجة، شهر مارس الماضي.
غداة عقد رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، اجتماعا وزاريا مصغرا بمقر رئاسة الحكومة بالرباط، لتتبع مراحل إنجاز مشروع مدينة محمد السادس لطنجة التكنولوجية، حل بعاصمة البوغاز صباح أول أمس الأربعاء، وفد وزاري مرفوقا بالجهات المتدخلة في تنزيل المشروع الصناعي المذكور، وقام بزيارة ميدانية إلى منطقة «عين دالية» الواقعة بالجماعة القروية العوامة، ضواحي مدينة طنجة في اتجاه الشرق.
بعد نحو نصف ساعة من الطريق انطلاقا من مقر ولاية جهة طنجة تطوان الحسيمة، عبرالطريق الإقليمية وصل إلى منطقة «عين دالية»، الوفد الوزاري الذي يضم مولاي حفيظ العلمي، وزير التجارة والصناعة والاستثمار والاقتصاد الرقمي، ومحمد بوسعيد، وزير المالية والاقتصاد، مرفوقا بعثمان بنجلون، مدير مجموعة البنك المغربي للتجارة الخارجية، والوالي محمد اليعقوبي، ورئيس الجهة، إلياس العماري، مع مجموعة من الصحافيين وممثلي وسائل إعلامية محلية ووطنية.
في المكان الذي توقف به الوفد، لا شيء يوحي إلى الزائر بأن المنطقة مهيأة لاحتضان قطب صناعي ضخم، بمعايير المدن الذكية كما تم تقديمها أمام الملك محمد السادس، يوم 20 مارس الماضي، بقصر مرشان بطنجة، خلال حفل تقديم مشروع المدينة الصناعية، من طرف مسؤولي مجموعة « هايتي » الصينية، فلا علامات تشوير دالة على وجود ورش قيد التجهيز، ولا لوحات تعريفية تدل على قرب انطلاق أشغال تهيئة مشروع ما، ولا وجود لآليات أو أية علامات أخرى، كما أن القطعة الأرضية التي تم وصفها للصحافيين، ما تزال عارية ومساحتها غير مسيجة، كما أنه لا توجد طريق سالكة تؤدي إليها، حسب ما قاله إلياس العماري للصحافيين.
ثقة وحماس
بين الوفد الرسمي كان إلياس العماري أكثر حماسا وثقة، وهو يتجاذب أطراف الحديث مع الصحافيين تارة، ومع الوزراء والمسؤولين الآخرين تارة أخرى، وحتى بعدما توقف موكب السيارات عند نقطة الوصول، وهي طريق فرعية تؤدي إلى ولوج الطريق السيار للعودة في اتجاه مدينة طنجة، طلب العماري من الوالي محمد اليعقوبي، افتتاح العرض التعريفي بالوعاء العقاري الذي سيحتضن مشروع مدينة «محمد السادس تيك»، لكن الأخير رد عليه بلغة تجمع بين الجد والهزل، « غير زيد نتا أنا معندي علاقة بالمشروع »، قبل أن يتسلم رئيس جهة طنجة تطوان الحسيمة، صورة خرائطية مرسوم عليها التحديد الجغرافي للأراضي التي ستحتضن المجمع الصناعي الصيني.
أمسك إلياس العماري، الصورة الخرائطية بيده اليسرى، ويحرك يده اليمنى يشير إلى الأرض الخلاء أمامه، ويعود إلى الصورة بين يديه يشير مرة أخرى نحو رسم عقاري على شكل شبه منحرف، مستقيم من الجهة العليا، ومنحرف من اليمين واليسار، ومتموج من الجهة الأمامية، ينشطر إلى قسمين، جزء محاط بلون أصفر، مساحته 500 هكتار كما هو موضح على الصورة، وموسوم ب « الشطر الأول »، فيما المساحة المتبقية من الرسم العقاري محددة بلون أحمر، ومكتوب فوقها « أرض زراعية » ، Extension
يقول إلياس العماري، » بعد خط سكك القطار فائق السرعة «تي جي في»، تقع الأرض المخصصة لاحتضان المدينة الصناعية التكنولوجية على مساحة 2000 هكتار »، ونظرا لوجود هذه الأشغال، (يقصد ورش تجهيز منطقة لوجستية تابعة للمكتب الوطني للسكك الحديدية، بجوار الخط السككي بمنطقة «عين دالية»)، يتعذر علينا الولوج إلى المنطقة من مكان تواجدنا »، ثم سلم الصورة الخرائطية لوالي الجهة محمد اليعقوبي، الذي اكتفى بتقديم شروحات تقنية مقتضبة جدا حول الوضعية القانونية للوعاء العقاري، قائلا بأن « شطره الأول تابع مائة في المائة للدولة، وأن الدراسات لا تزال متواصلة من أجل الانطلاق في أشغال تهيئة الوعاء العقاري للمشروع في أقرب وقت ممكن ».
شعور بثقل المسؤولية
كان الشعور بثقل المسؤولية باديا على محيا مولاي حفيظ العلمي، وزير التجارة والصناعة والاستثمار والاقتصاد الرقمي، الذي تحمل القسط الأوفر من أسئلة الصحافيين بخصوص التحضيرات الجارية لتنزيل المجمع الصناعي كما هو مخطط له، إذ من المنتظر، حسب البطاقة التقنية للمشروع، أن يحدث هذا القطب الاقتصادي 100 ألف منصب شغل، بعد استقرار نحو 200 شركة صينية تنشط في صناعة السيارات، وصناعة الطيران، وقطع غيار الطائرات، والإعلام الإلكتروني، والنسيج، وصناعة الآليات.
وبدرجة أقل، كان محمد بوسعيد، يتحدث بلغة الواثق عن بعض المعطيات المتعلقة بالمراحل التي قطعها الإعداد للمشروع، في حين كان عثمان بنجلون، يتابع بتركيز ما يصرح به الوزراء والمسؤولون من حوله، وتارة يلتفتون إليه لاستفساره عن نقطة محددة، خاصة فيما يتعلق بالجانب المالي لتجهيز القطب الصناعي، إذ أكد أن تكلفة إعطاء الانطلاق للمشروع، ستبلغ نحو مليار دولار.
وعلى ما يبدو، فقد كان رهان مولاي حفيظ العلمي، وهو يستعرض بإسهاب شروحات تقنية وفنية، لفائدة الصحافيين وممثلي وسائل الإعلام، تبديد كل الشكوك التي أثيرت حول الموضوع، والتقليل من الكلام الذي أثير حول قدرة الشركة الصينية « هايتي » على الوفاء بالتزاماتها لتنفيذ وعودها بشأن الاستثمارات الضخمة، والتي ينتظر أن تصل قيمتها الإجمالية بعد توطين جميع المقاولات أنشطتها الاقتصادية، عشر سنوات من الآن، حولي 10 ملايير دولار.
وحول ما إذا كان البدء في أشغال تهيئة الأرض التي ستحتضن المنطقة الصناعية قد عرف تأخرا؟ يجيب مولاي حفيظ العلمي، بالنفي، قائلا باللغة الفرنسية، « ليس هناك أي تأخير في هذا الجانب »، مضيفا بأن « الوضعية القانونية لمساحة 500 هكتار التي ستحتضن الشطر الأول للمشروع، تمت تصفية وضعيتها القانونية بشكل نهائي، وهذا هو الأهم، وحاليا نقوم بالدراسات الهندسية التي ستستغرق بعض الوقت، لكن بعد سنتين تقريبا سيكون الوعاء العقاري جاهزا ».
وردا على سؤال ل « أخبار اليوم » حول غياب الوفد الصيني المعني بالمشروع، أجاب إلياس العماري « أن هذه الزيارة لم يكن مبرمج لها من قبل، وإنما تمت بأمر من رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، الذي طلب من وزير الصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي، أن يتفقد الأشواط التي قطعتها مراحل الإعداد للمدينة الصناعية، مشيرا إلى أن المستثمرين الصينيين وجدوا لهم مقرا بمدينة طنجة، وأنهم سيقومون في الأيام القليلة المقبلة بزيارة للمغرب، للوقوف على الترتيبات الجارية لتهييئ المنطقة الصناعية التي ستقام عليها المدينة التكنولوجية الذكية ».
تبديد الهواجس
بما أن خلاصات التحقيق الذي أنجزه موقع «لوديسك»، والذي قام بفحص بيانات المجموعة الصينية « هايتي »، وأخذ رأي خبراء متخصصين في تحليل مشاريع المدن الصناعية الذكية، ذهبت في اتجاه التشكيك في قدراتها مقارنة مع إمكاناتها المالية واللوجستية، في تشييد مدينة محمد السادس” طنجة- تيك”، التي ينتظر أن تساهم في تنمية عمالة طنجة، وتحسين ظروف عيش الساكنة، والنهوض بالبنية التحتية للمنطقة وتأهيلها ترابيا، فإن مولاي حفيظ العلمي، حرص على تبديد كل هذه الشكوك، وكرر أكثر من مرة على أن المشروع هو ثمرة اتفاقية مشتركة بين بلدين، هما المغرب والصين، مبرزا بأن شركة « هايتي » ستتولى مهمة توطين المشروع حسب المخطط المتفق عليه، لكونها تتوفر على خبرة في مجال المدن الصناعية السكنية، مثل ما هو موجود في مدينة « تشينغداو »، وأنها « ستتولى الإشراف والتسيير الإداري لهذه المنطقة الصناعية، والتي ستكون مفتوحة في وجه حتى الشركات المغربية وغيرها »، على حد قوله.
وردا على ما جاء في التحقيق الذي أعده موقع « لوديسك »، من أن مجموعة «هايتي»، « تعتبر المجموعة جزءا من فسيفساء الشركات القزمية التي لا تعتبر من الفاعلين الرئيسيين في الاقتصاد الصيني »، وأن « غالبية مساهماتها ذات طبيعة وهمية (مضاربات) ومشتتة على العديد من شركات المناولة والخدمات والعقار والمال والتجارة »، نفى العلمي ما أثير حول الموضوع في بعض الصحف دون أن يأتي على ذكر التحقيق الذي أعده موقع « لوديسك »، مؤكدا أنه لا توجد شركات وهمية، وإنما
هو مشروع اتفق عليه الجانب المغربي مع الجانب الصيني بعد الزيارة الملكية لبكين، سنة 2016، و « نظرا لكون عدد كبير من رجال الأعمال الصينيين يبحثون عن مناطق للاستثمار خارج بلادهم، فإن المغرب قرر الاستفادة من خبرتهم في مجال المدن الصناعية الذكية، وعرض إمكاناته التنافسية التي نالت إعجاب الصينيين، نظرا لما يتميز به بلدنا من استقرار وموقع جغرافي استراتيجي، قريب من أوروبا ومنفتح على دول إفريقيا ».
تضارب المعطيات
أما بخصوص المراحل التي قطعها الإعداد لتجهيز البنية التحتية لهذا المجمع الصناعي، فيبدو أن لا أحد من المسؤولين يتوفر على معطيات دقيقة، ففي الوقت الذي قال والي الجهة محمد اليعقوبي، بأن المنطقة تم اختيارها نظرا لموقعها القريب من مطار ابن بطوطة وميناء طنجة المتوسط، تم تهييئها بشكل كامل، وأن الدراسات ما تزال متواصلة من أجل إنجاز المشروع في أسرع وقت ممكن، لاسيما في الشطر الأول منه على مساحة 500 هكتار، فإن مولاي حفيظ العلمي، قال بأن ربع المساحة المخصص للشطر الأول هو الذي تم تصفية وضعيته القانونية، وتم نقل ملكيته من الدولة إلى الشركات المستثمرة، أما المساحة المتبقية أي 1500 هكتار فلا تزال تخضع لعملية نزع الملكية من طرف مصالح وزارة الداخلية، في حين صرح إلياس العماري، بأن القنطرة التي يعبر منها الطريق السيار في منطقة الداليا، قد تم إنجازها بالأساس من أجل مشروع المدينة الصناعية، والتي ستكون خلف منطقة لوجيستيكية يتم تشييدها حاليا، تابعة للمكتب الوطني للسكك الحديدية.
ويبدو المكان المرشح لاحتضان المشروع الضخم، والذي كان يشير إليه بيده إلياس العماري، عبارة عن أراضي عارية تضاريسها على شكل تلال وهضاب صغيرة، تحيط بها سهول منبسطة على مد النظر، ولا يسمح المكان الذي توقف فيه الوفد من رؤية مزيد من التفاصيل، لكن المؤكد أن المخطط لا يزال على الورق وحتى المسالك الطرقية المؤدية إليه ما تزال في طور الإنجاز، كما أوضح إلياس العماري بأنه بعد انتهاء أشغال تهييئ المنطقة اللوجيستية التابعة ل ONCF، حيث كانت مجموعة من الشاحنات الكبرى تقوم بنقل الأتربة من عين المكان، وبعد الانتهاء كذلك من تجهيز الخط السككي للقطار فائق السرعة، « سيتم فتح طريق مزدوجة ستربط بين المنطقة الصناعية، والطريق الإقليمية التي تربط منطقة « عين دالية » بطنجة، وبين الطريق السيار « طنجة – الرباط ».
وفيما يتعلق بالاعتمادات المالية المرصودة لتجهيز وتهيئة المنطقة الصناعية، وجهت « أخبار اليوم » سؤالا لمحمد بوسعيد، وزير الاقتصاد والمالية، الذي بدا متفائلا جدا بالمدينة الذكية « محمد السادس تيك »، مبرزا « أن الدولة ليست مساهما في المشروع وإنما يتعلق باستثمار خاص مائة بالمائة، إنه مشروع صناعي ضخم ومعقد، يتمثل في شراكة من نوع جديد يكون رأسمالها من أموال مغربية صينية، يساهم فيها عن الجانب المغربي البنك المغربي للتجارة، ومجموعة « هايتي »
عن الجانب الصيني »، مشيرا إلى أن القيمة الإجمالي للاستثمار حسب ما هو مخطط له « ستناهز 11 مليار دولار على مدى عشر سنوات ».
وأضاف بوسعيد أن الحكومة عبأت كل إمكانياتها لإنجاز المدينة الصناعية وفق المواصفات الإيكولوجية والسكنية، وأن تهيئة البنية التحتية للشطر الاول تسير بوتيرة سريعة لكنها ستأخذ وقت من ناحية الدراسات الهندسية، لأننا يقول المسؤول الحكومي؛ « أمام مفهوم جديد في مجال التعمير، لكون طبيعة هذه الاستثمارات في مجالات الصناعة تتضمن أيضا مناطق سكنية داخلية »، مضيفا بأن التحضيرات للمشروع متواصلة على قدم وساق منذ أربعة أشهر، وأنه حصل تقدم في إنجاز وإعداد الدراسات التقنية، وأن الشواهد والرخص المطلوبة من الإدارات تأخذ طريقها الصحيح، على حد قوله.