قال نجيب الحجيوي، أستاذ علم الاجتماع السياسي، كلية الحقوق، سطات٫ان القوات العمومية ليست المحاور الطبيعي للمحتجين وتركها في مواجهتهم خطأ.
استمر حراك الريف حوالي 9 أشهر لحد الآن، ما الذي يمنح حراك الريف هذه القدرة على الصمود والاستمرار؟
إن السوسيولوجية الغربية قطعت أشواطا مهمة في مجال فهم وتفسير كيفية اشتغال واستمرار الحركات الاجتماعية، وطرحت مجموعة من الفرضيات والشروط التي تمكن أي حركة اجتماعية من التأسيس والصمود والاستمرارية، وهي شروط تنطبق على حراك الريف رغم أنه ينتمي إلى جيل جديد أو نوع خاص من الحركات الاجتماعية والاحتجاجية، ومنها:
– شرط وعي الذات: حيث يجب على كل حركة اجتماعية أن تنتج ذاتها ككيان طبيعي ومستقل ونابع تلقائيا من رحم شرائح المجتمع ومن رحم المعاناة، أي ضرورة بلورة هوية تقوم على ضامن ميتا – اجتماعي وعابر لكل ما هو حزبي وسياسي ونقابي وطبقي أو فئوي ومصلحي، وأعتقد أن حراك الريف يستجيب بشكل كبير لهذا الشرط باعتباره يضمن تعبئة شرائح واسعة من الريف التي تتقاسم هوية المعاناة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية …
– شرط تملك خطاب واضح مبني على مجموعة من القيم والقناعات والمطالب العمومية خالية من الأقنعة السياسية والحزبية والانتهازية، فالخطاب الذي تمت بلورته هو خطاب مكثف ومتضامن وعقلاني وسلمي قائم على عدة مرجعيات أهمها، المرجعية الدينية، التاريخية والجغرافية، الأمازيغية وعدم الخيانة، فشرط تملك مثل هذا الخطاب الجمعي هو الذي يقوم بدور التعبئة الشاملة والقوية.
– شرط تحديد من هو الخصم، أو بالضبط لمن يوجه الخطاب؟ هل للدولة إم للمنتخبين أم للمسؤولين الترابيين؟ إذا ما قمنا بتحليل مختلف مقاطع خطاب المحتجين بالريف، نجده يتمحور حول كلمة أساسية وتتكرر باستمرار ألا وهي شعار: « هذه الدولة فاسدة »، لكن لدي تحفظ على هذا الشعار من خلال ضبابية مفهوم الدولة، حيث إن هذه الأخيرة تتكون حسب أدبيات القانون الدستوري والدولي من ثلاثة شروط وهي: « السلطة السياسية، الشعب والإقليم »، إذ كان بالأحرى تحديد من يتحمل المسؤولية، هل الحكومة المركزية أم المنتخبين أم المسؤولين الترابيين؟
– شرط تملك الفضاء العمومي: أي قدرة الحركة الاحتجاجية على ملء الفضاء العام بشكل مادي ورمزي، أي من خلال الوجود الفيزيائي للمحتجين وتنظيم حلقات النقاش والتداول والتواصل العمومي، ذلك أن شرط الاحتجاج فقط، لا يعطي لأي حركة القوة الاجتماعية، بل ضرورة امتلاك الشروط المعيارية والموضوعية كما هو مبين أعلاه.
وكيف تقرأ فشل السلطة في احتواء هذا الحراك؟
أعتقد أن عملية تدبير السلطة لحراك الريف يحيلنا على ذلك السؤال الأبدي والأزلي وهو، كيفية التوفيق بين معادلة الأمن والحرية، بين النظام العام والفضاء العام، بين السلطة والحرية، فأكيد أنه قد حصل تطور مهم وإيجابي في سلوك السلطة العمومية، حيث انتقلت من طرح سؤال، لماذا يحتج الناس؟ إلى طرح سؤال كيف يجب أن يحتج الناس؟ وفي اعتقادي، فإن هذا التحول يعكس انشغال هذه السلطات المسؤولة عن حفظ النظام العام من جهة، وضمان حرية الاحتجاج من جهة أخرى، لكن ضبط وتأطير هذه المعادلة الصعبة، تحتاج إلى تراكمات نوعية وتكوين مستمر في مجال كيفية تدبير المخاطر بشكل سلمي وضامن لحرية التعبير وفي الوقت نفسه حفظ مؤشرات وخصوصيات النظام العام.
لا شك أن القوات العمومية في منطقة الريف وجدت نفسها أمام وضعيات هي أصلا غير مسؤولة عنها، فهي ليست هي المحاور الطبيعي والافتراضي، وهي لا تمتلك الحلول في يدها ولا يمكن، وأعتقد أن ترك هذه القوات تواجه المحتجين لوحدها واللعب على الوقت، هي مقاربة خاطئة ولا تجدي شيئا، أضف إلى ذلك أن سوسيولوجية التجمهر والتظاهر تؤكد لنا بقوة أن ضمان شرط السلمية يتلاشى مع مرور الوقت وفي غياب المحاورين، وقد تسقط المظاهرات في منطق العنف والعنف المضاد.
لماذا تبدو الأحزاب خارج اللعبة وكأنها غير معنية بما يجري أو تتحرك فقط، حين تطلب منها السلطة ذلك؟
لأن هذه الأحزاب وجدت نفسها في حراك الريف، كما وجدت نفسها من قبل مع بروز حركة 20 فبراير، في وضعية لا تحسد عليها، وذلك بسبب سحب البساط من تحتها وعدم قدرتها على لعب دور الوساطة الاجتماعية والسياسية وتأطير هذه الاحتجاجات، فالأحزاب والنقابات ومختلف جمعيات المجتمع المدني لا تمتلك أجوبة كبرى حول قضايا كبرى للدولة والمجتمع، فهي منهمكة في صراعات بينية ومصطنعة وهامشية، ثم إن تبادل التهم والمسؤوليات بين الأحزاب السياسية حول حراك الريف من شأنه أن يزيحها من وعي المحتجين بسبب غياب الثقة في المؤسسات الحزبية، ليس فقط أثناء هذا الحراك، بل في مختلف المحطات التي شهدها المغرب.
إذن، فهل يمكن القول بأن حراك الريف هو تعبير عن أزمة سياسية تمر منها البلاد؟
لا أعتقد أن البلاد تعيش على إيقاع الأزمة، فجميع الشعوب والدول والأنظمة السياسية تعرف لحظات وصدمات وقطائع وتوترات، والمغرب عاش على مر تاريخه الحديث العديد من هذه اللحظات الاستثنائية، آخرها كانت سنة 2011 وخرج منها المغرب أكثر قوة وصلابة واكتسب مناعة أكبر، ذلك أن الأزمة ليست لحظة زمنية سلبية هدامة، بل هي إيجابية في تاريخ الشعوب والدول، لكن ما تعرفه منطقة الحسيمة يختلف نوعا ما عن السابق، لا من حيث سياقه وأسبابه ولا من حيث امتداداته وتموجاته ولا من حيث طرق وآليات التأطير والتدبير، أكيد أن امتداد زمن هذا الحراك لمدة تسعة أشهر تقريبا وبدون حلول حقيقية ونجاعة وفق منطق رابح /رابح، قد يوحي بأننا إزاء أزمة، لكن هذا الامتداد لا يعني بالضرورة في علم التوترات وتدبير المخاطر، أي تهديد مباشر وجدي للمجتمعات والدول، بل الضغوطات الشديدة وفي وقت وجيز ومحدود ومفاجئ، هي التي قد تشكل مخاطر إفلاس حقيقي للدول.
في اعتقادي، أن تعقد إيجاد الحلول الكمية والكيفية للمطالب العمومية والمختزلة في كل ما هو اقتصادي واجتماعي وثقافي من قبل الحكومة والمدبرين العموميين المحليين، وتشبث المحتجين بشروط قبلية وهي إطلاق صراح كافة المعتقلين، تشكل سببا رئيسا في انسداد الأفق والتوجه نحو المجهول ومواجهة المجهول، وهو ما يولد استمرار انعدام الثقة بين جميع الأطراف.
إن رفع حالات التوتر رهين باسترجاع هذه الثقة بين جميع المعنيين عبر تعاقد حقيقي ووفق دفتر تحملات نتفاوض حوله ومقبول وقابل للإنجاز على المدى القريب والعاجل، والتي ستنعكس مباشرة على الساكنة بغية الرفع من مؤشرات التنمية البشرية والمستدامة.