بمجرد إعلان اللجنة الأممية لمنع التعذيب عن قرار زيارتها للمغرب في أكتوبر المقبل، حتى قدمت الحكومة، أول أمس الثلاثاء، بمجلس النواب مشروع قانون يتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومن أقوى مستجداته إحداث الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في أماكن الاحتجاز كمراكز الشرطة والسجون وغيرها.
الحدثان معا يأتيان في سياق سياسي وحقوقي يتميز، بحسب المراقبين، بالتراجع عن مكتسبات ما بعد دستور 2011، وأقوى تجلياته ظهرت في تعامل السلطات العمومية مع احتجاجات الريف المستمرة منذ حوالي 9 أشهر.
بالنسبة إلى اللجنة الأممية لمنع التعذيب، فقد أعلنت عن زيارتها للمغرب خلال الفترة ما بين 21 و27 أكتوبر المقبل، وهي أول زيارة من نوعها تقوم بها للمملكة، بعد مصادقة المغرب في دجنبر 2014 على البروتكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وهو البروتوكول الذي يمنحها الحق في زيارة أي بلد بمجرد مصادقته على البرتوكول، كما يمنحها الحق في زيارة جميع أماكن التي يحتجز فيها الأشخاص المحرومون من حريتهم، مثل مراكز الشرطة والسجون والمستشفيات الخاصة بالأمراض العقلية والنفسية، ومراكز الاحتفاظ بالمهاجرين وغيرهم، لكن البروتوكول نفسه ألزمها بأن تكون تقارير سرية بشكل تام، وتتصف بالحياد والموضوعية والنزاهة، وأن تسلمها فقط للبلد المعني بها، الذي يعود له وحده سلطة نشرها كاملة أو نشر جزء منها أو عدم نشرها أساسا.
يأتي ذلك، بينما قدم الوزير مصطفى الرميد، أمس أمام أعضاء لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، مشروع قانون يتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومن أبرز مستجداته إحداث ثلاث آليات وطنية: الأولى آلية وقائية، هي « الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة »؛ إضافة إلى آليتين اثنتين للانتصاف هما « الآلية الوطنية لتظلم الأطفال ضحايا انتهاكات حقوق الطفل »، و »الآلية الوطنية الخاصة بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة ».
وحدد مشروع القانون صلاحيات الآلية الوطنية للتعذيب في دراسة وضعية وواقع معاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم، من خلال القيام بزيارات لمختلف أماكن الاحتجاز التي يوجد فيها أشخاص محرومون أو يمكن أن يكونوا محرومين من حريتهم، وذلك بكيفية منتظمة، بهدف تعزيز حمايتهم من التعذيب ومن ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، كما خوّل لها مشروع القانون إعداد كل توصية من شأن العمل بها تحسين معاملة وأوضاع الأشخاص المحرومين من حريتهم والوقاية من التعذيب، وتقديم كل مقترح أو ملاحظة بشأن التشريعات الجاري بها العمل، أو مشاريع أو مقترحات القوانين ذات الصلة بالوقاية من التعذيب. وقد ألزم مشروع القانون السلطات المسؤولة عن أماكن الاحتجاز والحرمان من الحرية بأن تمكن أعضاء الآلية من جميع المعلومات المتعلقة بأماكن الاحتجاز، ومن المعلومات المتعلقة بمعاملة هؤلاء الأشخاص وظروف احتجازهم، وكذا الولوج إلى جميع تلك الأماكن ومنشآتها ومرافقها، وحق الاختيار في زيارة مكان دون آخر، وحق مقابلة الأشخاص المحرومين من حرياتهم، وإجراء مقابلات خاصة مع السجناء وكل الأشخاص المحرومين من حريتهم دون وجود شهود، وأن تكون المقابلات منفردة، ولأعضاء الآلية الاستعانة بمترجم أو أي شخص آخر ترى فائدة في حضوره.
كما نص هذا القانون على أن يستفيد الأشخاص، (ذاتيون أو اعتباريون)، الذين قاموا بتبليغ الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب بأي معلومات أو معطيات، من الحماية المقررة للمبلغين وفقا للأحكام الواردة في المسطرة الجنائية، غير أن هذا القانون نفسه قد ألزم أعضاء الآلية بأن تبقى المعلومات المدلى بها إليهم « سرية »، بحيث « لا يجوز نشر أي معطيات ذات طابع شخصي دون الموافقة الصريحة للشخص المعني بتلك المعطيات ».
ووضع القانون قيودا على عمل الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، إذ إنها تعمل تحت وصاية رئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، فضلا عن أنها آلية غير مستقلة لا إداريا ولا ماليا، ويضبط رئيس المجلس علاقة هذه الآلية الوطنية مع اللجنة الأممية لمنع التعذيب، كما أن التعاون والتشاور والمساعدة بينهما يمر عبر رئيس المجلس. ويبقى القيد الأكبر هو المتمثل في حرية تصرف الآلية في المعطيات والمعلومات التي تتوصل إليها، إذ نصت المادة على أن يحدد النظام الداخلي للمجلس كيفية حماية ونشر المعطيات التي تتوصل بها أو تحصل عليها في إطار ممارستها لصلاحياتها، ما يعني إخضاع حرية أعضاء الآلية الوطنية لتقديرات المجلس الوطني لحقوق الإنسان وحساباته.
وكانت الهيئات والمنظمات الحقوقية قد انقسمت بين توجهين خلال النقاش حول إحداث الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، الأول دافع عن ضرورة أن تكون الآلية مستقلة عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وتوجه ثان دافع بأن تحدث الآلية من داخل المجلس الوطني، تلافيا لتدخل الاختصاصات، وتكرار الجهود، وترشيدا للمال العام، وهو الذي انتصر في النهاية.
وفي هذا الصدد قال عبدالإله بنعبدالسلام، منسق الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، لـ »أخبار اليوم » إن الحقوقيين « يخشون من أن يكون المجلس الوطني غير قادر على توفير شروط الاستقلالية المنصوص عليها في البروتوكول الاختياري للاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب »، مؤكدا أن « القلق الذي يساورنا جد مشروع، بالنظر إلى محدودية دور المجلس الوطني في حماية الحقوق والحريات ». وأردف بنعبدالسلام: « في المغرب، حينما يتعلق الأمر بالتعامل مع أجهزة لديها السلطة والقوة، فإنه لا القضاء ولا المجلس الوطني يصمد أمامها ».