البوز: رصيد حقوق الإنسان في المغرب يتم استهلاكه الآن

29 يوليو 2017 - 10:20

في اعتقادكم هل حقق المغرب في هذه السنوات الأخيرة تقدما نحو الديمقراطية؟

ـ نعم حصلت تحولات عديدة في الحقل السياسي المغربي خلال كل هذه السنوات التي مر منها المغرب في ظل حكم الملك الحالي، لكنها تحولات لم تخرج بعد عن نطاق تكريس الانفتاح السياسي، وبالتالي يصعب القول إننا إزاء ديمقراطية ناشئة أو صاعدة.

النظام السياسي يقدم بعض التنازلات عندما يتعرض لضغوطات، لكنه سرعان ما يستغل تغير الظروف لصالحه لكي يضغط من أجل إعادة إنتاج نفس الممارسات القديمة. وهذا الأمر تابعناه مثلا مع تأسيس “البام”، الذي جاء ضد مجرى التاريخ، في نهاية العشرية الأولى من حكم محمد السادس، وها نحن نعيشه في العشرية الثانية من هذا الحكم، في ظل ما جرى بعد 20 فبراير، ودستور 2011، وتدبير مشاركة الإسلاميين في الحكومة.

كيف تقيم المشهد الحزبي خلال العهد الجديد (بعد تولي الملك محمد السادس العرش).

أظن أن ما يحصل في الحقل الحزبي يعد أحد أكثر تجليات هذه المراوحة التي يعرفها تدبير الانفتاح السياسي في السياق المغربي. بحيث إذا كانت الديمقراطية تقوم على أساس أحزاب قوية ومستقلة، فإن ما شاهدناه خلال هذه الفترة هو الإمعان في قتل الحياة الحزبية، ليس فقط عبر الاستمرار في تسييجها من خلال تأسيس أحزاب سياسية من أعلى وإنما أيضا عبر التدخل في شؤونها الداخلية، ومحاولة فرض قيادات طيعة، ولا تمانع في أن تكون جزء من خطة تلغيم الحياة السياسية ومحاصرة المشاريع السياسية التي تحاول المحافظة على استقلاليتها.

كيف تقيم وضعية حقوق الإنسان خلال 18 سنة التي تولى خلالها الملك محمد السادس الحكم؟

أعتقد أن هذا المجال كان قد برز من السنوات الأولى لما عرف بالعهد الجديد كموضوع رهان حقيقي بالنسبة للملك الجديد في إطار سعيه نحو بناء شرعيته، ووضع مسافة واضحة حيال حكم والده والممارسات التي عرفها. وتأسيس هيأة الإنصاف والمصالحة يقرأ في هذا الإطار. لكن أحداث 2003، كانت في تقديري إيذانا بتحول داخل التحول سمح بإعادة إنتاج ممارسات وتعسفات تذكر بسنوات الرصاص.

نفس السيناريو يتكرر الآن، إذ في الوقت الذي شكلت فيه أحداث “الربيع العربي”، و20 فبراير، منعطفا جديدا في هذا المجال، فرض على الملكية تقديم بعض التنازلات على المستوى، كما تدل على ذلك إعادة الهيكلة التي خضعت لها الهيئات المعنية بحماية حقوق الإنسان، والمقتضيات الدستورية المهمة التي أطرت موضوع الحقوق والحريات، يظهر الآن هذا الرصيد يتم استهلاكه من جديد، إذ تمثل الكيفية التي جرى بها تدبير موضوع حراك الريف ردة حقوقية فعلية. وهذا يبين، في اعتقادي، أن المعضلة الرئيسية التي نعانيها في المغرب تتمثل في أن المكتسبات ليست دائما مضمونة، وأنه يمكن أن نتصور في أية لحظة أن نعود إلى مربع الصفر.

لنلاحظ مثلا كيف أن الحكومة السابقة أقامت الدنيا وأقعدتها حول صدور قانون صحافة خال من العقوبات السالبة للحرية، لكن قضية حمدي المهدي ذكرتنا بأن اللجوء إلى القانون الجنائي من سجن الصحافيين لا يزال أمرا ممكنا.

هل تعتقد أننا وصلنا لمرحلة الحاجة الملحة للملكية البرلمانية؟

ليس اليوم فقط، بل إن الملكية البرلمانية كان يجب أن تكون جزء من النقاش حول تدبير مرحلة الانتقال إلى مرحلة الاستقلال، على خلاف ما كان يقال أن المغاربة غير مؤهلين لمثل هذه النهج في الحكم، لأن التاريخ يبرز أن الملكية البرلمانية كما تكرست في تجارب دولية أخرى لم تحتج شعبا بمواصفات محددة أو حياة سياسية واجتماعية من نوع خاص.

ففي تقديري، فإن الملكية البرلمانية تعد الحل الوحيد المطروح من أجل التأسيس لنظام ديمقراطي في الحالة المغربية، وهي صيغة الزواج الوحيدة الممكنة بين الملكية الوراثية والديمقراطية، كما يقول عادة الأستاذ الساسي، وأي نمط آخر من الحكم في ظل الملكية لا يعني سوى استمرار السلطوية، وتكريس الاستبداد.

مجموعة من التقارير الدولية تشيد بسياسة محمد السادس الداخلية والخارجية وتعتبرها رائدة في المنطقة، كيف ترى انعاكسها على الوضع الداخلي (على مستوى الانتقال الديمقراطي، الحريات، ما هو الاجتماعي واقتصادي.)

لا اعتقد أن كل التقارير الدولية تسير في هذا الاتجاه، بل هناك تقارير أخرى لها تقييم مخالف لهذه السياسة خصوصا في بعدها الداخلي. فبعض هذه التقارير تقدم المغرب في مراتب متدنية في التصنيف الدولي في مجال التنمية في أبعادها المختلفة أو محاربة الرشوة مثلا، كما تقدمه في صورة غير مقبولة في سجل احترام حقوق الإنسان، وتشكل مصدر إزعاج للسلطات المغربية التي تحاول تسويق نفسها بصورة مغايرة ومخالفة للحقيقة. نعم عندما نقارن ببعض الدول التي تعيش حروبا ونزاعات داخلية، مثل اليمن وسوريا وليبيا….يبدو وضعنا أحسن، ونظهر بمظهر البلد المستقر، لكن عندما يتعلق الأمر بالمقارنة مع التجارب الديمقراطية العريقة، والديمقراطيات الناشئة، تتغير الصورة، ويصبح هذا الاستقرار هشا ويحمل في أحشائه العديد من بوادر انفجاره في كل لحظة وحين.

*أحمد البوز أستاذ العلوم السياسية في جامعة محمد الخامس

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.