تسلّم الملك محمد السادس من والده جيشا « غير مسيس »، أي ليس طرفا مباشرا في الصراع السياسي حول السلطة، وقد حافظ على استمرارية الوضع نفسه، لكن مع تطوير مستمر لقدرات وإمكانات الجيش تبعا للتهديدات الأمنية التي تواجهها المملكة في الداخل أو الخارج.
التغيير في ظل الاستمرارية
يرى سعيد الصديقي، أستاذ العلاقات الدولية، أن الملك محمد السادس سعى خلال حكمه إلى « الحفاظ على الموقع نفسه للمؤسسة العسكرية »، لكنه « سعي دائم إلى تعزيز هذا الموقع بما لا يتجاوز الإطار التقليدي لعمله كما تم ترسيخه بعد المحاولتين الانقلابيتين ».
من بين المؤشرات التي تعكس التغيير في ظل الاستمرارية في عهد الملك محمد السادس، توقيع قادة الجيش على وثيقة البيعة بعد توليه الحكم سنة 1999، والحفاظ على القيادات العسكرية نفسها التي ورثها عن والده على رأس وحدات الجيش طيلة 17 سنة الماضية من حكمه، أي حتى تعيين الجنرال عبدالفتاح الوراق على رأس المفتشية العامة للقوات المسلحة الملكية في يناير 2017.
ولعل أحد أهداف التغيير البطيء في الجيش لا يعود فقط، إلى طبيعة المؤسسة، بل إلى حرص الملك محمد السادس على بناء علاقة ثقة أكثر مع الجيش، ويظهر ذلك في رأي سعيد الصديقي في السماح للمؤسسة العسكرية بتنظيم أول استعراض عسكري في الشارع سنة 2006 بمناسبة مرور 50 عاما على تأسيسها، واعتبر الصديقي أن الاستعراض حمل ثلاث دلالات سياسية: تجديد ولاء الجيش للملك، وإعادة جسور التصالح بين المؤسسة العسكرية ومحيطها المدني والاجتماعي، ثم إن الحدث يُبرز في حدِّ ذاته القوة العسكرية التي تتوفر عليها الدولة.
ولعل تعيين ياسين المنصوري، زميل الملك في الدراسة سنة 2005، على رأس المديرية العامة للدراسات والمستندات (مخابرات عسكرية)، كان أحد أهدافه توطيد الثقة بين المحيط الملكي ممثلا في المنصوري وقيادات الجيش، علاوة على أهداف أخرى كأن يكون للملك شخص يثق به وقريب منه نفسيا على رأس أحد الأجهزة المهمة داخل الجيش، ومكلفة بالاستخبار الخارجي.
بالمقابل، لازال أحد جنرالات الحسن الثاني على رأس الدرك الملكي، ويتعلق الأمر بالجنرال حسني بنسليمان، كما ظل قبله الجنرال عبدالعزيز بناني على رأس المفتشية العامة للجيش حتى سنة 2014، ليخلفه جنرال من الجيل نفسه، هو بوشعيب عروب، الذي أحيل في يناير 2017 على التقاعد بسبب المرض.
بمعنى آخر، استغرقت عملية تجديد النخب القيادية على رأس الجيش 17 عاما كاملا، وهي فترة طويلة إذا تمت مقارنتها مثلا مع التغييرات التي أدخلها الملك محمد السادس على باقي الأجهزة الأمنية مثل وزارة الداخلية، والمديرية العامة للأمن الوطني، وحتى المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (الديستي).
ترسانة تشريعية جديدة
لكن هناك تغييرات عميقة عرفها الجيش خلال السنوات الماضية من حكم الملك، لعل أقوى مؤشراتها إعادة النظر المستمرة في القوانين العسكرية، سواء بإعادة تنظيم مؤسسات التعليم العسكري، وهي الدينامية التي بدأت على مستوى الدرك الملكي سنة 1999 واستمرت بشكل متقطع حتى سنة 2014 (المدرسة الجوية الملكية، والمدرسة البحرية الملكية). أو إعادة النظر في القوانين التي تضمن حقوق العسكريين (التغذية، الأجور، الترقية،….)، وتخصيص ضباط الجيش بنظام أساسي خاص سنة 2013 يحدد بدقة حقوق الضباط وواجباتهم.
ولئن كان المجال الأول والثاني غير معروف كثيرا للرأي العام، ويهم العسكريين بمختلف رتبهم أساسا، ولم يثر أي جدال أو نقاش سياسي أو حقوقي، فإن المجال الثالث في التشريع العسكري الذي له علاقة وطيدة بباقي المواطنين من غير العسكريين وأثار بعض الجدل، خصوصا القانون المتعلق بالضمانات الأساسية الممنوحة للعسكريين الصادر سنة 2012، ثم قانون القضاء العسكري الصادر سنة 2014.
فالقانون الأول صدر شهرين بعد دخول دستور 2011 حيز التنفيذ. ويحدد الضمانات الممنوحة للعسكريين، ومنها حماية الدولة لهم عند أدائهم لمهامهم سواء داخل التراب الوطني أو عند قيامهم بمأموريات في الخارج، وقد تضمن مقتضيات كشفت حرص الجيش على تحصين عمل عناصره إزاء أية ملاحقة قضائية بسبب خرق القانون ومبادئ حقوق الإنسان، وهو ما عبّرت عنه المادة 7 من القانون، الأمر الذي جعل الجيش لأول مرة في مواجهة مع الحقوقيين والسياسيين.
فقد اعتبر الائتلاف المغربي لمنظمات حقوق الإنسان، الذي يضم 22 جمعية حقوقية مغربية، عن قلقه إزاء مضامين هذه الفقرة في بيان رسمي مؤرخ في 25 ماي 2012 اعتبر أن الفقرة المذكور من شأنها أن تؤدي إلى « شرعنة الإفلات من العقاب، والمس بالحريات، وتهديد سلامة وحياة المواطنين ». كما أثارت الفقرة نفسها من المادة 7 من مشروع القانون اعتراض برلمانيين من فرق الأغلبية والمعارضة على السواء. وقد استدعى الجدل حول هذه المادة بالأساس إحالة نص مشروع القانون من قبل رئيس مجلس النواب وبطلب منه على المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي أدلى برأي استشاري في الموضوع، تضمن صيغة توافقية تم التصويت عليها بالإجماع في مجلسي البرلمان.
أما القانون الثاني المتعلق بالقضاء العسكري، فقد أثار جدلا بشأن مدى دستورية استمرار محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وأيضا تنصيصه على عقوبة الإعدام، وقد توج النقاش بإلغاء المقتضيات التي تسمح للمحاكم العسكرية بمحاكمة المدنيين، بل أصبح العسكريون أيضا يحاكمون في قضايا الحق العام أمام المحاكم المدنية، ولا يحاكمون أمام المحاكم العسكرية إلا فيما له علاقة بعملهم العسكري الصرف، وهي مستجدات رحبت بها المنظمات الحقوقية الوطنية والأجنبية، رغم الانتقادات التي وجهت للقانون بسبب إبقائه على عقوبة الإعدام.
وظائف غير تقليدية للجيش
يرى إبراهيم اسعيدي، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة قطر، أن الجيش المغربي كانت له دائما « وظائف تقليدية » تتمثل أساسا في حماية الوحدة الترابية وخاصة الصحراء، والمحافظة على مؤسسات الدولة وفي القلب منها المؤسسة الملكية، لكن هناك وظائف جديدة انخرط فيها هذا الجيش خلال حكم الملك محمد السادس، تتمثل في مواجهة التهديدات الأمنية مثل الإرهاب.
عمليا يمكن الوقوف عند ثلاث عمليات شكلت اختبارا لمهنية وقدرات الجيش الملكي على تدبير الأزمات، منذ تولي الملك محمد السادس الحكم، الأولى تتعلق بحماية الحدود الترابية وخاصة أزمة « الكركرات » في الحدود مع موريتانيا، وثانيا انخراطه في دعم قوات الشرطة من خلال « آلية حذر »، وثالثا مشاركته في حرب « عاصفة الحزم » في اليمن إلى جانب القوات العسكرية الخليجية (السعودية، الإماراتية..) ضد قوات المعارضة المسلحة (جماعة الحوثي، قوات علي عبد الله صالح..).
وتكشف هذه الحالات الثلاث عن انخراط أكبر للجيش الملكي في مواجهة الأزمات، سواء على المستوى الوطني، فعناصره التي ظلت دائما في الثكنات أو على جبهات الحرب في الصحراء خاصة، باتت اليوم في الشارع إلى جانب قوات الشرطة، ويعني ذلك تنسيقا أكبر بين الجيش وباقي الأجهزة الأمنية، وعن انخراط في بناء علاقات عسكرية مدنية جديدة، بعد سنوات الحصار التي ضربها الحسن الثاني على الجيش بعد محاولتي الانقلاب سنتي 1971 و1972.
كما أن مشاركة الجيش الملكي في الحرب إلى جانب دول الخليج في اليمن، يكشف عن تحول في عقيدة الجيش، تستحضر أن الدفاع عن المصالح العليا للمغرب قد تتجاوز الدفاع عن الحدود الترابية ومؤسسات الدولة إلى الدفاع عن قيم ومبادئ وربما اختيارات سياسية معينة، الأمر الذي يتطلب بناء تحالفات عسكرية تتجاوز تبادل الخبرات والتداريب والمعلومات إلى الدفاع المشترك، وهو ما عكسته الاتفاقيات العسكرية التي وقعت بين المغرب وبعض دول الخليج خلال سنة 2014.
لكن يبقى أن هذه التطورات الهادئة والمستمرة داخل الجيش تتم بعيدا عن المراقبة الديمقراطية، وأقوى مؤشرات ذلك « تجميد » المجلس الأعلى للأمن الذي نص عليه دستور 2011 في الفصل 54 منه، وتفضيل التشريع بمراسيم على التشريع بقوانين في الغالب ما يعني هروبا من الرقابة البرلمانية، واستثناء كل ما يتعلق بالدفاع الوطني من الحق في الوصول إلى المعلومة، علاوة على عدم إشراك الرأي العام والإعلام والمجتمع المدني في قضايا الدفاع الوطني، وهو ما يجعل من الجيش مؤسسة خارج الرقابة لحد الآن.