18 سنة من الحكم.. محمد السادس في رواية أخرى

30 يوليو 2017 - 17:06

على مدى السنوات الثماني عشرة  التي حكم خلالها البلاد، ظلت مبادرات وتحركات الملك محمد السادس، داخليا وخارجيا، محط أنظار أهم أعمدة الإعلام الأجنبي مثل “نيويروك تايمز”، و”واشنطن بوست”، و”ذي أتلانتيك”، و”ذي غارديان”، و”ذي إيكونوميست”، “وول ستريت جورنال”، “لوموند”، “ليبراسيون”، “لوفيغارو”، وغيرها. قرّاء من خلفيات مختلفة ظلّوا يتعرّفون على الملك في رواية إعلامية أخرى، متحررة أكثر في القول، وإن لم تكن دقيقة دائما فيه.

ظل هذا الإعلام ينبش في الأخبار ويدقق في القرارات الكبرى للملك ويعلّق عليها بحرية أكبر. قرارات تلت أحداث ولحظات فاصلة في تاريخ الحكم، من لحظة تولي العرش، لحظة تعيين إدريس جطو بدل عبد الرحمان اليوسفي، لحظة إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، احتجاجات 2011، انتخابات 2016، إعفاء بنكيران، حراك الريف، نشر النموذج الديني للمغرب بإفريقيا…

قرارات لقيت أحيانا الإشادة وأحيانا الانتقاد. لكن، عدا هذا التقلب بين التنويه والمساءلة في تناول قرارات الملك، اتسمت هذه المقالات، في مستوى من المستويات، باستدعاء كثيف لمفهوم “المخزن” في تفسير سلسلة من القرارات الملكية القوية. جهاز/ مفهوم تحوّل أحيانا إلى خلفية مفسرة، صورة مكبرة، إطار أوسع، توضع فيه تحركات الملكية قد يجوز التساؤل إن لم يكن هذا يؤثر سلبا أحيانا على صورة الملك.

استمرار دور المخزن

فالمتفحص في المقالات والأخبار والآراء التي صدرت عن كبريات وسائل الإعلام في العالم الغربي، حول الملك وسياساته وخطاباته وقراراته، يقف على أن شبكة المصالح والعلاقات والنفوذ المعقدة والتيارات المتصارعة التي تختزل في تركيب “المخزن”، تؤثر بقوة في التمثلات التي يقدمها هذا الإعلام عن مسار ملك البلاد في الحكم. صحيح أن الملك والمخزن يظلان متمايزان بشكل واضح في المقالات. فالمخزن جهاز متشعب يستثمر قربه من الملك. غير أن حضور “المخزن” في متن المقالات التي تحاول تشريح مبادرات محمد السادس، يحوّل ذلك الجهاز المعقد إلى إطار تفسيري للقرارات الملكية حين تبدو هذه القرارات إشكالية من زاوية التطلعات الديمقراطية. فالمخزن، كإطار مستقل ومتعلق بالملكية في الآن ذاته، جهاز تاريخيا معادٍ للإصلاح.

أحيانا يتحدّى الملكُ المخزن بقرارات شجاعة وحكيمة. أحيانا تبتلع هذه الشبكة المعقدة التي تحيط بالمؤسسة الملكية نَفَس رئيس الدولة الإصلاحي ورؤاه التنموية المتقدمة للبلاد، وتكتسح تحليلات الإعلام الغربي لسياسات القصر. “ملك المغرب عيّن رئيس جديدا للحكومة..لا بأس من التذكير في حال نسيتم من الحاكم الفعلي للبلاد”، هذا عنوان لرأي نشرته “واشنطن بوست” في مارس الماضي تعليقا على مخرجات أزمة تشكيل الحكومة، التي أعقبت انتخابات 7 أكتوبر حين لم يستطع عبدالإله بنكيران تكوين أغلبية، فكان أن عوضه الملك بالعثماني، مع تأكيد رغبته الاستمرار في العمل مع الحزب.

المقال يقرن بين مصالح القصر و”مصالح” المخزن “التي تتعارض مع الصعود القوي لحزب العدالة والتنمية”. ثم يذكر بتاريخ المخزن الطويل في التلاعب بالأحزاب. يرى المقال أن القصر “نجح هذه المرة (بإعفاء بنكيران) في ضرب عصفورين بحجر واحد، من ناحية إزاحة مصدر الإزعاج دون المساس بإرادة الناخبين، ومن ناحية فرض التغيير على بنية القيادة الداخلية للحزب”. المقال انتهى إلى اعتبار أن المخرج الذي تم فرضه من أزمة الانسداد الحكومي، أي إزاحة بنكيران وتعيين العثماني، وتثبيت وزراء مقربين من القصر “تذكير صريح بمن يملك السلطة الفعلية داخل المملكة”.

مقال آخر على الصحيفة ذاتها، يذهب حد تعريف المخزن بأنه “شبكة من النخب الملكية”. النص الإعلامي يرسم صورة قاتمة عن الآفاق الديمقراطية لمملكة محمد السادس. مرة أخرى يحضر المخزن كإطار تفسيري لقرارات الملك. الملك يعفي بنكيران. المخزن يقف وراء الدفع باتجاه الإعفاء. أحزاب تقدم شروطا تعجيزية لبنكيران، المخزن يحركها. ومن هو المخزن؟ “شبكة من النخب الملكية”.

على أعمدة “نيويورك تايمز” هذه المرة، يظهر تناقض تَمثّل الملك وتَمثّل المخزن، لكن هذه المرة من ضفة الشعب. المحتجون بحراك الريف “يحترمون الملك، لكنهم يحتجون ضد المخزن، أي شبكة النفوذ والمصالح المحيطة بالملكية”، يقول المقال. بالمقابل، يسرد سياسة الملك المخالفة لسياسة والده الحسن الثاني في الريف، ومشاريع البنية التحتية الواعدة التي أطلقها، والاستثمارات التي أرساها بالشمال وتلك الموجودة في طور الإنجاز. محمد السادس هو، أيضا، استثناء في منطقة تعامل حكامها بقسوة مع احتجاجات الربيع العربي. “فقد استجاب الملك بسرعة لمطالب الشارع”.

لكن الملك لازال يجمع بين يديه سلطات واسعة دينيا وسياسيا، “ما يجعل الجميع يعلم أن القرارات الوحيدة التي تحمل على محمل الجد هي قراراته”، يقول المقال في محاولة على الأرجح لتفسير مطالبة المحتجين بالريف بتعيين مبعوث خاص للملك. وفي ثنايا المقال، ومقالات أخرى، يحضر المخزن، في حقل دلالي سلبي عموما، كشبكة مقرونة المصالح مع القصر.

بداية ملك..”ضربات” إعلامية قوية

خلال الأشهر التي تلت تولي الملك الجديد عرش أسلافه، لفتت بعض المبادرات التي اتخذها الملك من “زيارة شمال البلاد وإطلاق سلسلة مشاريع بربوعه التي ظلت منبوذة في عهد الحسن الثاني، إلى حديثه عن الطابع التعددي للمملكة لغويا وثقافيا، وصولا إلى إسقاط وزير الداخلية الراحل، إدريس البصري”. حينها تحدثت صحيفة “ذي إيكونوميست”، عن “شجاعة ملك المغرب الجديد”، ونوهت بحديث مستشاريه عن إرادة الملك السير نحو بناء دولة ديمقراطية ليبرالية التوجه على الشاكلة الأوروبية. حين الكتابة عن هذا النوع من المبادرات، تكاد تخفتي الإحالة على المخزن ويتقوّى حضور القصر كمؤسسة راعية للإصلاح وصورتها كعامل من عوامل التغيير الإيجابي.

لكن ورغم ذلك، اعتبرت الصحيفة أن الإشارات التي ظل يبعث بها ملك البلاد منذ بداية عهده ظلت مختلطة وغير واضحة المعالم، تارة تعبر عن إرادة صريحة في القطيعة مع عهد الحسن الثاني والاستبداد المهمين على العالم العربي، وتارة تقترب من مجرد كلام يسوقه النظام للحكومات الخارجية، لا ينم عن أي إرادة أو رغبة في دمقرطة البلاد على شاكلة أوروبا.

وبدورها، كانت “ذي غارديان” قد رأت في إقالة إدريس البصري حدثا غير مسبوق ودالا، وإشارة سياسية قوية من الملك عن إرادته الفعلية في القطيعة مع عهد الشرطة السرية والقمع والاعتقالات التي كان البصري يتولى شأنها.

وقد حافظ الملك محمد السادس عموما على صورة الملك الجديد، الذي يبحث عن الإصلاح والتغيير والنهوض بالأوضاع الحقوقية والاقتصادية والسياسية للبلاد، على طريقته الخاصة داخل صفحات الإعلام الأنغلوفوني المكتوب. ملك بعيد عن دائرة الاستبداد الخانق للأنظمة العربية، حريص على تجنب السقوط في دائرة الديكتاتوريات والأنظمة المغلقة، وفي الآن ذاته عصي على التصنيف في دائرة الملكيات البرلمانية والأنظمة الديمقراطية.

بطء المسار الديمقراطي

“ما سيحدث بعد ذلك (الإصلاحات التي وعد بها الملك في تفاعل مع احتجاج الشباب في 20 فبراير 2011) يتوقف، مثل كثير من الأمور بالمغرب، على الملك. بغض النظر عن نواياه الحقيقية، فهو يعطي الانطباع بأنه يريد أن يتبع النموذج الأوروبي الغربي للملكيات الدستورية التي تنازلت بالتدريج عن السلطة لصالح الحكومات المدنية”، تقول مجلة “ذي أتلانتيك” في مقال لها تساءلت فيه عم​ إ​ذا​ كان المغرب سيكون قصة النجاح الكبرى في العالم العربي إبان انتفاضات 2011.

وتواصل المجلة الأمريكية تحليلها​ “رغم أن بعض هذه الحكومات (المدنية الغربية) تعد اليوم من بين الأكثر ديمقراطية في العالم، فإنها لم تصبح، كذلك، بين عشية وضحاها. فقد تطلب الأمر من بريطانيا ستة قرون ونصف القرن​ لتحقيق ذلك​، ​أي ​من ميثاق “ماغنا كارتا”، الذي أطلق مسار الدمقرطة، إلى قانون تمثيل الشعب لسنة 1884، الذي وسع دائرة الحق في التصويت. لكن بطء المسار البريطاني يعود لكون الديمقراطية كانت في تلك الأزمنة هي الاستثناء والاستبداد هو القاعدة، ناهيك عن الضغوطات الخارجية ​على بريطانيا ​لتبقى بلاد​ا​ مستبدة، أما اليوم فالديمقراطية هي القاعدة، والحكومات الأوروبية الحليفة للمغرب لا تكل ​عن الضغط عليه من أجل دمقرطة البلاد”.

كما أنه من الصعب على المرء، تضيف المجلة، “أن يعرف هل الملك الشاب يريد فعلا قيادة بلاده نحو الديمقراطية والليبرالية أو يعطي فقط، الانطباع بذلك لإرضاء شعبه والحكومات الغربية (…)، لكن الملك نفذ إصلاحات فعلية خلال 12 عاما من حكمه (إلى غاية 2011)، بدأت كلها بشكل يشبه الإصلاحات الحالية”.

من الإشادة إلى التحذير

في مقال خصصته للمغرب العام الماضي، كانت “ذي إيكونوميست” قد أشادت بالأوضاع التي تعرفها المملكة “بعد مرور خمس سنوات على انتفاضات الربيع العربي”، معتبرة أن الملك استثمر الاستقرار ليرفع مملكته إلى قطب جذب للصناع الأوروبيين عبر تحفيزات ضريبية وبنيات لوجيسيتة نجحت في جذب رجال الأعمال”.

وأضافت حينها “خمس سنوات بعد 2011″، “المغرب اليوم مستقر، وحر نسبيا ويحقق الرفاه بشكل متزايد. ويكفي أن يقارن المرء وضع المغرب مع باقي أوضاع المنطقة حتى لا يرى غرابة في كون المغاربة ضد تغيير الوضع القائم. و”التدرج” كلمة شعبية في المغرب، حتى بين أوساط من يريدون رؤية بلادهم تصير شبيهة بإسبانيا، حيث الملكية رمزية بامتياز”.​

بالمقابل، رأت الصحيفة، في مقال نشرته بداية شهر يوليوز الجاري تعليقا على ما يجري بالريف، أن عجلة الإصلاح السياسي في البلاد تعطلت وجعلت الحكومة غير مؤهلة للاستجابة لمشاغل السكان.

“ذي إيكونوميست” اعتبرت أن المملكة لازالت تنعم نسبيا بالاستقرار و”من غير المتوقع أن تعاني من نسخة خاصة بها من الربيع العربي”. لكن البلاد تبدو، على العموم أقرب إلى جوارها المضطرب الذي يقوده مستبدون بعيدون عن نبض الشارع”.

أمير مؤمنين عابر للحدود 

الصحافة الغربية اهتمت، أيضا، بنشر النموذج المغربي في تأطير الحقل الديني بالقارة السمراء الذي يرعاه الملك محمد السادس، باعتباره أميرا للمؤمنين. “يوم 20 غشت (2016) ألقى الملك خطابا أخرج القصر من سباته. خطاب من 17 دقيقة خصصه ملك البلاد وسليل نبي الإسلام للحديث عن التطرف وإفريقيا والهجرة المغربية بث في كافة القنوات المغربية، وكان الهدف منه واضحا: أن يقدم الملك نفسه من خلاله على أنه حامل لواء الإسلام الوسطي. محمد السادس أراد، أيضا، أن يؤكد أنه هو أمير المؤمنين وليس أحد سواه”، تقول “لوموند”.

وتضيف “تشجيع الإسلام المعتدل ليس فقط، عملا يستهدف الداخل، وإنما يقع في صلب الدبلوماسية الدينية التي تقودها المملكة. ففي مارس 2015، دشن الملك معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات. وتعود فكرة المشروع  لسنة 2013 بمالي، حينما أبرم رئيس البلاد إبراهيم بوباكار كيطا اتفاقا مع المملكة لتكوين أئمة ماليين بالمغرب بهدف مكافحة التطرف الديني. وفي السياق ذاته، تقدمت دول إفريقية أخرى بطلبات مماثلة للمغرب دافعة به إلى الشروع في إنشاء المعهد المذكور”.

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.