شكّلت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أحد أكبر وأهم المشاريع التي أطلقها الملك محمد السادس خلال سنوات حكمه، تعبيرا منه عن حسّه الاجتماعي وطموحاته التنموية. المبادرة التي صدرت عام 2005 بعد جولات الملك المكوكية في أنحاء البلاد، ووقوفه على مظاهر الفقر والتهميش والهشاشة، انتهت بعد عشر سنوات إلى خطابات ملكية تعلن فشل رهانات التخفيف من الفقر وتدعو إلى مبادرات جديدة.
الملك وبعد عشر سنوات من إطلاق مبادرته الأولى للتنمية، أعلن وقوفه على قرابة 30 ألف دوار في المناطق الجبلية والقروية، يعاني سكانها من خصاص اقتصادي واجتماعي كبيرين. وحدّد الملك لمبادرته التنموية الجديدة هدف 12 مليون مواطن مغربي في حاجة إلى تدخل جديد.
ففي مقدمة الاختلالات التي أبانت عنها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، اندراجها في إطار مواز للمؤسسات المنتخبة والمسؤولة عن تحقيق التنمية والاستجابة لتطلعات المواطنين، حيث كشفت دراسة أنجزها مركز « جاك بيرك »، أن المبادرة ساهمت في تهميش الأحزاب وتعميق عزلتها، ومنحت في المقابل مشروعية جديدة للسلطات الترابية، وأفرزت نسيجا جمعويا جديدا ينحو إلى « التكنوقراطية » ويبتعد عن العمل السياسي، إلى جانب انحرافات في تفعيل أهداف المبادرة، يكشفها حجم التمويلات التي خصصت لإنجاز بنيات تحتية، مثل التطهير والطرق والإنارة والتزويد بالماء الصالح للشرب، رغم أنها اختصاص قطاعات حكومية ومنتخبين آخرين.
الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش عام 2015، أعلن بشكل غير مباشر فشل المبادرة في تحقيق أهدافها، وكشف استياء الملك من وجود ملايين الفقراء وآلاف الدواوير المهمشة والقرى المقصية. وأعلن الملك في المقابل عن مبادرته الجديدة لتخصيص أكثر من 50 مليار درهم لصندوق خاص بتنمية المناطق القروية والجبلية. المبادرة الجديدة سبقها تحضير جداول مفصّلة تتضمّن المشاريع المطلوب تنفيذها في كل منطقة على حدة، تتمثل في مدارس وقناطر صغيرة وطرق لفك العزلة وآبار للسقي والماء الشروب ومراكز صحية… سيتمّ تنفيذها من طرف القطاعات الحكومية كل في مجال اختصاصه.
الملك كشف عن وجود دراسة أمر وزير الداخلية بإجرائها بصفته وصيا على الجماعات الترابية، لتحديد حاجيات القرى والدواوير وهوامش المدن الأكثر فقرا، خلصت إلى تحديد أزيد من 29 ألف دوار، في 1272 جماعة، تعاني من الخصاص، تم ترتيبها حسب الأسبقية.
وكشف الخطاب الملكي عن وضع أكثر من 20 ألف مشروع، تستهدف أزيد من 12 مليون مواطن يقطنون بأكثر من 24 ألف دوار، وبميزانية إجمالية تبلغ حوالي 50 مليار درهم. ودعا الملك الحكومة لوضع مخطط عمل مندمج، « يقوم على الشراكة بين مختلف القطاعات الوزارية، والمؤسسات المعنية، لتوفير وسائل تمويل المشاريع، وتحديد برمجة مضبوطة لإنجازها »، موضحا إمكانية إدماجها ضمن التوجه الجديد للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وبرامج المجالس الجهوية التي سيتم انتخابها. الملك خصّ بالذكر في ذلك الخطاب مناطق قال إن أوضاعها تحزّ في نفسه، تتمثل في المناطق البعيدة والمعزولة، « وخاصة بقمم الأطلس والريف، والمناطق الصحراوية والجافة والواحات، وببعض القرى في السهول والسواحل ».
تتباين المشاريع المندرجة في إطار المبادرة أو الإشراف الملكيين، وتشمل المشاريع المهيكلة والكبرى، من بنيات تحتية واستراتيجيات بعيدة المدى، والتي ترتبط أساسا بالمؤسسات العمومية والشراكات الدولية، ثم المشاريع والبرامج الوطنية التي تتطلّب انخراط عدد من القطاعات الحكومية؛ فنوع ثالث يتمثل في المشاريع الاجتماعية والتنموية المحلية، التي تقدّم أو توقّع بمناسبة الزيارات الملكية.
الصنف الأول من المشاريع يحظى بأكبر قدر من الاهتمام والعناية الملكيين، من قبيل الموانئ الكبرى والطرق السيارة والاستراتيجيات بعيدة المدى. رهان ملكي شخصي على إنجاح مثل هذه الأوراش، برز منذ السنوات الأولى لعهد الملك محمد السادس، في محاولة لاستدراك الخصاص الذي ورثه عن عهد والده الحسن الثاني، وإعطاء انطلاقة جديدة للاقتصاد والتنمية.
أول مخطط استراتيجي كبير يمس الحقل الاجتماعي في عهد الملك محمد السادس، كان هو الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والذي أشرف عليه المستشار الملكي الراحل مزيان بلفقيه. الميثاق الذي جاء لإصلاح المدرسة العمومية خلال العشرية الأولى من عهد محمد السادس؛ انتهى إلى فشل شبه شامل، بشهادة الخطب الملكية والتقارير الرسمية. والمشاريع الملكية الكبرى لإحداث مفهوم جديد للسلطة واستكمال ورش الإنصاف والمصالحة، تجد نفسها أمام عراقيل واختلالات تحدّ من نتائجها. لكن أكبر عجز في إنجاز هذه المشاريع هم صنف تلك المتعلقة ببرامج ومخططات وطنية ومحلية، التي تتطلّب مساهمة قطاعات حكومية متعددة، يمثّل غالبية المشاريع الحاملة للصفة الملكية. شبكة كبيرة من المؤسسات والأذرع والهيئات، خصّصت لتحضير وهندسة وتتبّع المشاريع التي يطلقها الملك، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في مجال محاربة الفقر، ومؤسسة محمد الخامس للتضامن في مجال الحد من مظاهر الهشاشة، ومؤسسات دستورية مثل المجلس الأعلى للتعليم لإصلاح المدرسة العمومية، وعدد من البرامج والاستراتيجيات الحكومية والتشريعات القانونية.
قبل خطاب العرش لعام 2015، شكّل الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى عيد العرش لعام 2014 مفاجأة في مسلسل مفاجآت الخطب الملكية الأخيرة، حيث اختار الملك التخلي عن لغة الحصيلة والدفاع عن المنجزات التي ظلّت تطبع الخطب الملكية بهذه المناسبة، ليقوم بنقد ذاتي واعتراف بالسلبيات، إلى جانب التذكير بالمنجزات التي تحقّقت على مدى 15 عاما من حكمه. وحرص الملك في مستهل خطابه إلى التنبيه إلى وجود هذا الاختلاف، بالقول « إننا لا نريد أن نجعل منها مناسبة لاستعراض حصيلة المنجزات، لأنها مهما بلغت، ستظل دون ما نرتضيه لك شعبي الوفي. وإنما نريدها وقفة تأمل وتساؤل مع الذات، بكل صراحة وصدق وموضوعية، حول ما طبع مسيرتنا من إيجابيات وسلبيات، للتوجه نحو المستقبل بكل ثقة وعزم وتفاؤل ».
وبعد تذكيره بوقفة التأمل السابقة التي قام بها سنة 2005 من خلال تقرير الخمسينية، اعتبر الملك محمد السادس أن حلول ذكرى 15 سنة على توليه الحكم، تستوجب القيام بوقفة جديدة مع الذات، مضيفا أنه إذا كان الإنسان يعتقد أنه دائما على صواب، أو أنه لا يخطئ، فإن هذا الطريق سيؤدي به إلى الانزلاق والسقوط في الغرور، دون أن يعني التساؤل أو إجراء الوقفات مع الذات الشك أو التردد، أو عدم وضوح الرؤية.
أصل هذا التغيّر غير المسبوق في لغة الخطاب الملكي، يعود إلى دراسة أنجزها البنك الدولي صنّفت المغرب في المراتب الأولى إفريقيا من حيث الثروة الشاملة، « غير أنني بعد الاطلاع على الأرقام والإحصائيات التي تتضمنها هاتين الدراستين، والتي تبرز تطور ثروة المغرب، أتساءل باستغراب مع المغاربة: أين هي هذه الثروة؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة؟ أم أنها همّت بعض الفئات فقط؟ ».
الإنجازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحقّقت على مدى سنوات حكمه الـ15، لم تمنع الملك من التساؤل: « ماذا فعلنا بما حققناه من تقدم؟ هل ساهم فقط في زيادة مستوى الاستهلاك، أم أننا وظفنا ذلك في تحقيق الرخاء المشترك لكل المغاربة؟ وإلى أي درجة انعكس هذا التقدم على تحسين مستوى عيش المواطنين؟ ». تساؤل تلاه إقرار ملكي غير مسبوق بكون خيرات المغرب لا يستفيد منها جميع المغاربة، « وقد لاحظت خلال جولاتي التفقدية بعض مظاهر الفقر والهشاشة، وحدة الفوارق الاجتماعية بين المغاربة ». تساؤل أتبعه الملك باستفهامات أخرى، حيث تساءل « أين هي هذه الثروة؟ » التي تحدّث التقرير الأخير للبنك الدولي عن تمتّع المغرب بها.