قفزت الدبلوماسية والسياسة الخارجية بشكل كبير إلى واجهة الأحداث والأجندة الملكية في السنوات الأخيرة، وبلغت ذروتها هذا العام مع انتقال الملك شخصيا إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، ليشهد هناك العودة الرسمية للمغرب إلى الاتحاد الإفريقي. قطائع كثيرة وقّع عليها الملك محمد السادس في السنوات القليلة الماضية، بعضها مع نهجه السابق في الحقل الدبلوماسي، والذي قام في سنوات حكمه الأولى على الانكفاء على الداخل، ورفع شعار «تازة قبل غزة»، وبعضها الآخر مع إرث والده الملك الراحل الحسن الثاني، الذي جعل المغرب في مواجهة نصف العالم المتكتّل خلف الإمبراطورية السوفياتية السابقة، بمن فيها غالبية الدول الإفريقية.
فرغم الاستحقاقات الانتخابية والرهانات الداخلية الكبيرة التي عرفها المغرب في الشهور الأخيرة، سياسيا واقتصاديا، كان كلّ شيء في النصف الثاني من شهر يناير يصبّ في اتجاه دعم رحلة أديس أبابا الأولى من نوعها للملك محمد السادس. البلوكاج الحكومي الذي جثم فوق صدر المملكة لشهور طويلة، كان مدعوا للانفراج المؤقت، وانعقاد الإجماع بين جلّ الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان لانتخاب رئيس لمجلس النواب من خارج «المنهجية الديمقراطية». كان ذلك بعد أقل من 24 ساعة من انتخاب هياكله، حيث صادقت لجنة الخارجية والدفاع والشؤون الإسلامية بإجماع أعضائها على مشروع القانون الخاص بالمصادقة على القانون الأساسي للاتحاد الإفريقي والبروتوكولين الملحقين به.
رحلة أديس أبابا
استنفار داخلي مهّد لاختراق خارجي كبير، حيث حطّت الطائرة الملكية بمطار العاصمة الإثيوبية، مطار بولي الدولي لأديس أبابا، في ساعة متأخرة من ليلة الجمعة-السبت، 27-28 يناير. ويوما السبت والأحد اللذين يسبقان موعد القمة الإفريقية، التي انعقدت يوم الاثنين 30 يناير، سيشهدان ذروة المشاورات والاتصالات الدبلوماسية في كواليس القمة الإفريقية. إجراءات أمنية مشددة جدا طوقت شوارع أديس أبابا في ساعات مبكرة من صباح ذلك الاثنين، وانتشار واسع للأمن والعسكريين المسلحين بأسلحة رشاشة، فيما قوافل من المواطنين الإثيوبيين كانت تعبر الأرصفة بالنظر إلى توقف حركة جزء كبير من وسائل النقل العمومي. وأولى النتائج المرتبطة بالملف المغربي في أشغال القمة، كانت مصادقة القادة الأفارقة، في جلسة مغلقة قبل الجلسة الافتتاحية صباح الاثنين، على جدول الأعمال الذي برمج جلسة مغلقة مخصصة بالكامل للموضوع المغربي، احتلت المرتبة الأخيرة في ترتيب جلسات اليوم الأول.
لا شيء هناك كان يوحي بأن الفرحة التي ينتظرها المغاربة ستكون سريعة ومبكرة إلى ذلك الحد، إذ لا يعقل أن تعلن الجلسة المغلقة المبرمجة قبل الجلسة الافتتاحية قبول المغرب، وبالتالي، دخول المغرب دون ترتيب مسبق. مرّت الجلسة الافتتاحية رتيبة مملة كما هو الحال في مثل هذه اللقاءات الدولية، ليحقّق الملك محمد السادس، في صبيحة اليوم الموالي، أقصى ما كان يمكن توقعه من قمة إفريقية يتوجه إليها المغرب قبل أن يستكمل مسطرة الحصول على العضوية في الاتحاد الإفريقي. خطاب ملكي رسمي من أعلى منصة القاعة الكبرى للمؤتمرات، وأجندة مكثفة من اللقاءات الثنائية مع الرؤساء الأفارقة، ورفع للعلم المغربي داخل مبنى مقر الاتحاد لأول مرة من تأسيسه عام 2000. «المغرب لا يدخل الاتحاد الإفريقي من الباب الضيق، وإنما من الباب الواسع. وإن الاستقبال الحار الذي خصنا به إخواننا الأفارقة اليوم دليل قاطع على ذلك»، يقول الملك محمد السادس في هذا الخطاب.
ففي الوقت الذي اتسمت فيه السياسة الخارجية للملك الراحل الحسن الثاني بالتوجه نحو كل من الشرق العربي والشمال الأوربي، كشف الملك محمد السادس، منذ اعتلائه العرش، توّجها واضحا نحو الجنوب الإفريقي. ففي القمة الإفريقية الأوربية الأولى، التي انعقدت في أبريل من سنة 2000، أعلن الملك محمد السادس قرارا طافحا بالدلالات، حيث قال إنه ينتهز الفرصة «لأعلن إلغاء مجموع الديون المترتبة على الدول الإفريقية الأقل تقدما تجاه المغرب، والرفع الكامل للحواجز الجمركية في وجه المنتجات الواردة من هذه الدول». مبادرة تلاها تأكيد ملكي لهذا التوجه الإفريقي وفلسفته، حيث أوضح في القمة الفرنسية الإفريقية الـ21 أن آثار المساعدة الخارجية على النمو والتطور الإفريقيين تبقى محدودة، وأن التنمية الحقيقية لن تتحقق إلا بتعاون حقيقي بين الدول الإفريقية.
الدبلوماسية مجال محفوظ
يُعتبر المجال الدبلوماسي والسياسة الخارجية ثالث أضلع المجال المحفوظ للملك بنصّ الدستور إلى جانب المجالين الديني والعسكري. فمنذ اللحظات الأولى التي أعقبت رحيل الملك الحسن الثاني، تركّزت جلّ التعليقات والتحليلات والتساؤلات حول مآل العلاقات الخارجية للمغرب ومكانته الدبلوماسية بين دول العالم. وفي كل مرة، كان يتأكد أن ملف الصحراء، وغيره من الملفات الكبرى للدبلوماسية المغربية، خارج اختصاصات الحكومات المتعاقبة، من حكومة عبد الرحمان اليوسفي إلى حكومة عبد الإله بنكيران. وفي أولى خطبه الرسمية كملك جديد، قال الملك الشاب، بمناسبة ذكرى 20 غشت سنة 1999، إنه «إذا كان جلالة الملك الحسن الثاني، تغمده الله بواسع رحمته، قد رحل إلى جوار ربه، فإننا نحن محمد السادس قد خلفناه في خدمتك، شعبي العزيز، وخدمة المغرب، وسنبقى على النهج الحسني سائرين تمسكا ببيعة الإمامة الشرعية التي تطوق عنقنا وعنقك، موصولة بما سبقها على امتداد أزيد من اثني عشر قرنا موثقة السند بكتاب الله وسنة رسوله الكريم».
ورغم الانكفاء على الذات الذي سجّله بعض الملاحظين على النهج الدبلوماسي للمغرب منذ رحيل الملك الحسن الثاني، فإن ساكن القصر الملكي احتفظ بدوره المحوري والفعال في الشأن الخارجي للمملكة. وموازاة مع الغياب شبه المستمر لملك المغرب عن القمم والمؤتمرات الدولية، عرفت السنوات الماضية صدور قرارات قوية ومفاجئة، من قبيل تراجع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز عن قراره زيارة المغرب في السنة ما قبل الماضية، للمشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد بمدينة مراكش، ثم القرار الأخير الذي تجسد في «مقاطعة» الملك قمة دول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا، رغم أهميتها الشديدة بالنسبة إلى المغرب، بسبب حضور الوزير الأول الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
صرامة مع الجيران
نهج محمد السادس تجاه جيرانه المتربّصين اتّسم بالصرامة والتخطيط بعيد المدى، حيث ألقى بثقل اقتصادي كبير على البوابات الحدودية للمملكة مع كل من الجزائر وإسبانيا، محدثا ضغطا غير معهود على هاذين الجارين اللدودين. ومقابل هذه الخيارات الصدامية، التي نجمت عنها توترات متتالية مع كل من إسبانيا والجزائر، بالإضافة إلى القرار الاستراتيجي قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران عام 2009، تميّز النهج الدبلوماسي للملك محمد السادس بإطلاق ثلاثة محاور استراتيجية جديدة في علاقاته الخارجية، أولها موجّه نحو الولايات المتحدة الأمريكية، والثاني نحو دول الخليج العربي الماسكة بقدرات مالية ودبلوماسية كبيرة، وثالث نحو العمق الإفريقي الواعد بفرص النمو والاستثمار.
فإلى جانب احتفاظ المملكة بعلاقاتها التاريخية والاستثنائية مع المحتل السابق، أي فرنسا، الشريك السياسي والاقتصادي الأول، ظهر في واجهة الدبلوماسية المغربية، منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، نزوع واضح نحو الحليف الواقع في ما وراء البحار، الولايات المتحدة الأمريكية. توظيف الورقة الفرنسية في السياسة الخارجية للمغرب ظل يعتبر من ثوابت دبلوماسية محمد السادس، فخلال مهمته الشهيرة في نيويورك أواخر العام 2010، حضّر الفريق الملكي بعناية لبعث رسالة فرنسية واضحة من قلب نيويورك إلى «كل من يهمّه الأمر». وتتمثّل الرسالة الرمزية في تخصيصه الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، باستقبال خاص داخل إقامته الملكية بنيويورك، بعدما تمّت كلّ اللقاءات الملكية مع قادة كل من إسبانيا وألمانيا والأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، ومبعوثه الشخصي كريستوفر روس، في إحدى قاعات مقرّ الأمم المتحدة، على هامش الجلسة الافتتاحية التي ألقى خلالها الملك خطابا قصيرا.
تحالف حذر مع الخليج
وعلى هامش المعارك الدبلوماسية الأخيرة التي خاضها المغرب في أروقة الأمم المتحدة حول ملف الصحراء، تأكدت مؤشرات الدور الدبلوماسي المهم الذي لعبته دول خليجية كبرى لتمكين المغرب من إقناع البيت الأبيض بسحب مقترح مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء قبل ثلاث سنوات. أنباء أكدها الإيقاع المتنامي للعلاقات المغربية الخليجية في السنوات الأخيرة، خاصة محوري الرياض وأبوظبي. ذروة هذا الإيقاع المتصاعد سجّلت خلال ما عُرف بثورات الربيع العربي، حيث انعقد، بشكل طارئ في العاصمة السعودية الرياض، المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربي، وقرّر أن يفوّض إلى المجلس الوزاري مهمة الاتصال بالمغرب وطلب انضمامه إلى المنظمة الخليجية، لما يربط بين دول المجلس والمغرب «من علاقات خاصة وسمات مشتركة، وأنظمة متشابهة أساسها العقيدة الإسلامية، واقتناعاً بأن التنسيق والتعاون والتكامل في ما بينها لا يخدم شعوبها فحسب، بل يخدم الأهداف السامية والأمة العربية جمعاء، وتماشياً مع النظام الأساسي لمجلس التعاون لدول الخليج العربي وميثاق جامعة الدول العربية»، يقول بيان صادر عن الاجتماع.
وبعد التغيير الذي طرأ في قمة الهرم السياسي لقطر، بدت أن العلاقات المغربية القطرية مُقبلة على أيام سعيدة، تُنهي شهورا من الغموض والضبابية التي طبعتها لبعض الوقت. وقبل أن تندلع الأزمة الخليجية الأخيرة بين الدوحة وجيرانها الخليجيين، ويفاجئ المغرب العالم بموقف غير مسبوق في حياده الإيجابي، حيث رفض الانخراط في حصار قطر، كانت البرقية الملكية الأولى التي بعثها محمد السادس إلى تميم بن حمد بعد توليه حكم هذه الإمارة، قد عبّرت عن استعداد فوري لتعميق التشاور الودي مع الأمير الجديد لقطر، وعزم ملك المغرب على تسخير كافة الإمكانيات التي يمكنها الارتقاء بعلاقات البلدين.
جنوب القارة الإفريقية.. المجال المنفلت من يد الدبلوماسية المغربية
تضم منطقة أقصى الجنوب الإفريقي مجموعة متكتلة من الدول المناهضة والمعادية للمغرب. دول تشكل غالبية المجموعة التي تحركت ضد المغرب في الاتحاد الإفريقي للاعتراض على انضمامه، وبعثت رسالة استشارة قانونية إلى المكتب القانوني للمفوضية، ستصدر عبرها عناوين الحرب المقبلة ضد المغرب. المجموعة نفسها تشكل، إلى جانب الجزائر، الكتلة الأكبر داخل مجلس الأمن والسلم للاتحاد الإفريقي، الذي بات يكتسب اختصاصات وسلطات متزايدة. «لقد ظل المغرب يعاني اختلالا في علاقاته الإفريقية، خاصة مع الدول الواقعة في شرق وجنوب القارة الإفريقية، عكس الجزائر التي تمكنت من تطوير بعض العلاقات، وإن بقيت منحصرة في الشق السياسي. إفريقيا هي ثقافات ومناطق ولغات مختلفة، وهذا الأمر يحب أخذه بعين الاعتبار في بناء العلاقات الجديدة للمغرب»، يقول الخبير المغربي خالد الشكراوي.
المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، وهو مركز التفكير والتخطيط المقرّب من دوائر القرار بالمملكة، أعد، منتصف العام 2015، تقريرا مفصلا حول منطقتي إفريقيا الشرقية والجنوبية، البعيدتين عن مجال اشتغال الدبلوماسية المغربية. أولى ملاحظات التقرير تمثلت في ضعف الحضور الدبلوماسي للمغرب في المنطقتين، وهو ما قال إنه ينعكس على طبيعة المعلومات التي يتوفر عليها المغرب حول هذه الدول. ضعف الحضور الدبلوماسي هذا ينعكس أيضا على نمو الاستثمارات المغربية في إفريقيا، وتطور العلاقات السياسية مع هذه الدول. مجموع البعثات الدبلوماسية، التي أحصاها التقرير إلى غاية منتصف 2015، هو خمس سفارات، اثنتان منها في إفريقيا الشرقية، وثلاث في إفريقيا الجنوبية. في المقابل، لم يكن المغرب يتوفر سوى على أربع سفارات، اثنتان منها لدول من إفريقيا الشرقية، واثنتان أخريان من دول إفريقيا الجنوبية. حضور ضعيف يعكس عدم اهتمام هذه الدول بتطوير علاقاتها بالمغرب، رغم أنه أسهم بشكل مباشر في دعم حركاتها التحررية ضد الاستعمار.
فمن أصل 21 دولة موزعة على المنطقتين، أحصى تقرير المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية أربع دول فقط لم تعترف قط بالجمهورية المعلنة من جانب البوليساريو في الصحراء المغربية، وهي كل من جيبوتي وإريتريا والصومال والسودان. في المقابل، اعترفت باقي الدول الـ17، في أوقات مختلفة، بهذه البنية الانفصالية داخل المغرب، 6 منها فقط قامت بتجميد أو سحب اعترافها، فيما قامت بوروندي بتجميده سنة 2006، ثم أعادت العمل به في العام 2008. أما أكبر نقط الضعف التي سجّلها التقرير في هذا المجال، فهي الاستثمارات المغربية المباشرة. نصيب دول شرق وجنوب القارة الإفريقية من الاستثمارات المغربية في الخارج لا يتجاوز 2%، رغم كل الفرص الموجودة. ضعف يكاد يتحوّل إلى انعدام تام للاستثمارات المغربية في دول جنوب القارة.