إمارة المؤمنين.. دين ودنيا

30/07/2017 - 22:06
إمارة المؤمنين.. دين ودنيا

أدخل الحادث الذي شهده أحد مساجد مدينة الحسيمة، قبل أسابيع، حين تدخّل الناشط ناصر الزفزافي للاحتجاج على خطيب الجمعة الذي لمّح إلى اعتبار الحراك الاجتماعي الحالي فتنة يجب إخمادها، موضوع الشأن الديني ووظائفه داخل الدولة إلى دائرة النقاش.

عدد من نشطاء الحراك، الدائر حاليا في منطقة الريف، دعوا، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، إلى مقاطعة خطبة الجمعة التي ألقيت في الأسبوع الموالي، تعبيرا عن رفض استخدامها في وظيفة أمنية، فيما خصّص وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، درسه الافتتاحي، في إطار الدروس الحسنية الرمضانية الأخيرة، للتنظير للوظيفة التي يضطلع بها العلماء، والمتمثلة، حسب رأيه، في محاربة الفتنة، إلى جانب «وازع السلطان» الذي تجسده الأجهزة الأمنية.

التوفيق افتتح درسه بالإحالة على كتاب العالم الهندي محمود قاسم زمان: «العلماء أوصياء على الأمة»، ثم خصّص الفقرة الأخيرة من درسه للقول إن «أفظع ما يمكن أن ينزل بالأمة وبدينها هو الفتنة، أي عدم الاستقرار، وذلك لما يترتب عليها من انعدام اليقين، سواء في العبادات أو المعاملات، ومن المؤسف في هذا العصر أن الفتانين بأنواعهم يشغلون العلماء بدرء المفاسد، وكان الأنفع للأمة أن يشتغل هؤلاء العلماء كلية بأعظم إسهام في التنمية، يرتكز إلى إعطاء المعنى للحياة، والتربية على التقليل من تكاليفها المادية، وهو ما يحتاج إليه النظام الاقتصادي العالمي المتأزم».

وأوضح الوزير أن الحجة الكبرى التي يملكها علماء المغرب ضد التطرف هي «سياستكم الإصلاحية الداخلية والخارجية التي يقرؤها العلماء قراءة شرعية، من منظور وفائكم بكليات الشرع على أوسع ما تتيحه آليات التدبير الحديث». وذهب التوفيق، مخاطبا الملك، إلى القول إن «من جملة ما يحمي عمل العلماء في هذه السياسة، الجانب الأمني الذي يدخل في وازع السلطان، وتستدعيه الظروف الإقليمية والدولية التي يتسرب منها إلينا كثير من الضلال، كما يستدعيها المرض المتوطن، مرض المثالية الخداعة التي تغذت بالتشدد منذ الظهور الأول للخوارج». وختم التوفيق درسه بالحديث عن نموذج ثلاثي للمغرب، يتمثل في الإصلاحات «التي ترسون دعائمها، يا مولاي، وفي وازع السلطان الذي تمثله الضمانة الأمنية التي تنافحون بها عن استقرارنا وهويتنا، وفي وازع القرآن الذي يتعهده العلماء». هذه المحاضرة كرّست الدروس الحسنية كطقس رمضاني عريق، لا تُفلته عدسات الإعلام السمعي البصري المحتكر من طرف الدولة. نقل مباشر لأطوار الدروس الحسنية الرمضانية يؤكد اندراجها في منظومة التأطير الرسمي للدين والتديّن.

تعاظم الحقل الديني

قبل 12 سنة من مصادقة المغاربة على الدستور الحالي، الذي جرت تحت بنوده هذه الأحداث، أي منذ اعتلاء محمد السادس العرش، لم يعرف أي من القطاعات المرتبطة بالمؤسسة الملكية من الاتساع والتعاظم مثل ما عرفه حقل إمارة المؤمنين، أو ما يعرف بالحقل الديني. مؤسسات تتناسل، وميزانيات تتعاظم، وجيوش من «العلماء» يتم حشدهم تباعا في صفوف الهيئات والمؤسسات الرسمية. فبعد إحداث كلّ من المجلس الأعلى لمراقبة مالية الأوقاف العامة، ومؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف، ومؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للقيّمين الدينيين؛ عيّن الملك مسؤولين على رأس هذه المؤسسات الجديدة. وبمناسبة إعلانه تأسيس هذه الهيئات الجديدة، كشف التوفيق بعض الإحصائيات المتعلّقة بتشريعات الحقل الديني في «العهد الجديد»، وقال إن السنوات الأخيرة عرفت صدور أكثر من 20 ظهيرا ملكيا وقانونين اثنين فقط. وبرّر التوفيق هذا النزوع إلى التشريع عبر ظهائر ملكية في المجال الديني، بدل مسطرة اقتراح مشاريع القوانين ومناقشتها داخل البرلمان، بكون الشأن الديني يندرج ضمن مجال إمارة المؤمنين، «لذلك يتم اللجوء إلى الظهائر الشريفة، ولا نلجأ إلى القوانين إلا إذا كانت هناك تعليمات ملكية، في حال كانت هناك دواعٍ، مثل الحاجة إلى استصدار ميزانية…».

وقبل الهيئات الثلاث، أعلن مهندس إعادة هيكلة الحقل الديني، أحمد التوفيق، انطلاق برنامج تأهيل أئمة المساجد، حيث بدأ 45 ألف إمام في الخضوع لهذه العملية التي يؤطرها 1500 عالم ومؤطر. وأوضح التوفيق أن 82 في المائة من مجموع أئمة مساجد المملكة، لا يتوفرون على أي مستوى تعليمي مدرسي، بل هم فقط يحفظون القرآن، و«لديهم بعض المعلومات حسب اجتهاداتهم الشخصية». واعتبر التوفيق أن ذلك يدخل ضمن مسؤولية الأمة، ولا دخل لهؤلاء الأئمة في وضعهم هذا.

وقال وزير الأوقاف حينها إن الأمر يتعلق بعملية غير مسبوقة تاريخيا ولا مثيل لها في دولة أخرى، موضحا أن الأئمة هم سواسية في المهمة المطلوبة منهم، علما أن أكثر من 70 في المائة منهم هم أئمة وخطباء في الوقت نفسه. «وبما أن مستواهم دون ما يمكن أن نتصوره مقبولا، فإن أداء الأمة واجبها يتمثل في رفع هذا الحيف وهذا الفقر عنها». وقبل كلّ ذلك، كان الملك وأمير المؤمنين قد أوصى وزيره بتأسيس مجلس علمي في كلّ عمالة أو إقليم، ليشرع أحمد التوفيق في التجول عبر مختلف عمالات وأقاليم المملكة، التي لم تكن تتوفر على مجلس علمي محلي، حيث أشرف على تنصيب رؤساء وأعضاء تلك المجالس التي تم إحداثها بناء على القرار الذي أعلنه الملك محمد السادس.

لتصبح الخريطة الدينية للمملكة مطابقة للخريطة الإدارية، ويتضح من كل هذه المبادرات أن خيطا طويلا ومتينا يربط بين محطات إعادة هيكلة الحقل الديني في مملكة محمد السادس، والتي أطلقها هذا الأخير في خطاب العرش لسنة 2004، حيث حدد الملك هدفين أساسيين لسياسته في المجال الديني، بالقول إن «السياسة والدين في نظام الملكية الدستورية المغربية لا يجتمعان إلا في الملك أمير المؤمنين»، داعيا إلى أن «تزاول السياسة في نطاق المنظمات والمؤسسات والفضاءات الخاصة بها، وأن يمارس أهل الشأن الديني داخل المجالس العلمية والهيئات المؤهلة والمساجد وأماكن العبادات، في ظل احترام حرية ممارسة الشعائر الدينية».

وكان الهدف الثاني الذي حدده خطاب العرش لسنة 2004 يتمثل في «التفعيل الأمثل لإصلاح الشأن الديني، وترسيخ قيم ديننا الإسلامي الحنيف، والحفاظ على وحدة المذهب المالكي، مع اعتماد اجتهاد منفتح يتماشى مع مستجدات العصر، تحصينا لأجيالنا من التيارات الدخيلة»، فيما شكلت أحداث 16 ماي 2003 الدامية منعطفا حاسما في مسار إعادة هيكلة الحقل الديني وتسريع وتيرتها. فكانت أبرز الإجراءات الاستعجالية، إغلاق المساجد غير الخاضعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وتفعيل إجراءات ضبط عمليات التأطير الديني داخلها، فلم يعد بإمكان أي كان أن يمارس مهام الوعظ داخل المسجد إلا بعد استيفائه شروطا حددها مرسومان وزاريان، ومن تلك الشروط، الالتزام بدليل الإمام الذي وضعته الوزارة، وأصبح بمثابة خريطة طريق على الوعاظ اتباعها، كما قامت الوزارة المعنية بإدخال تقنيات جديدة إلى المساجد المغربية، عبر تزويدها بأجهزة تلفاز تبث برامج دينية ودروسا للوعظ والإرشاد، تملأ الفراغ الحاصل في عدد المرشدين الدينيين «المؤهلين» من الناحية الرسمية.

حضور قوي للصفة الدينية

تطوّر آخر في أداء المؤسسة الملكية سجّل في السنوات الأخيرة من حكم محمد السادس، يتمثل في الحضور المكثّف والقوي للملك بصفته الدينية، أي كأمير للمؤمنين داخل المغرب وخارجه. يكاد لا يمرّ أسبوع دون أن يظهر الملك مرتديا جلبابه ومباشرا نشاطا دينيا، كما واصل الحقل الديني مدّ أذرعه ومؤسساته، حيث أحدث معهد خاص بالدراسات القرآنية، ومؤسسة للأعمال الاجتماعية للقيمين الدينيين، وأصدر الملك أوامره بتخصيص منح مالية للقيّمين الدينيين. وخلال افتتاح النسخة الأخيرة من «يوم إفريقيا»، الذي تنظمه المؤسسة الدبلوماسية بالمغرب، كشف مدير معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين أولى ثمار الدبلوماسية الملكية عبر مؤسسة إمارة المؤمنين، لتسويق النموذج المغربي في محاربة الإرهاب والتطرف عبر تأطير الحقل الديني.

عبد السلام الأزعر قال إن هناك حوالي ألف إمام ومرشد ديني أجنبي يخضعون حاليا للتكوين في المعهد حديث التكوين، وإن 239 إماما ومرشدا أجنبيا تخرجوا منه حتى الآن، منهم الفوج الأول من الأئمة الماليين الذين أنهوا سنتين من التكوين، وعددهم 106، والباقون استفادوا من دورات تكوينية قصيرة، يتوزعون بين 35 إماما غينيا و37 تونسيا، بينهم أربع مرشدات، و25 فرنسيا و36 نيجيريا، «وهم جميعا ينشرون الآن في بلدانهم نموذج التدين الوسطي المعتدل المنفتح، الذي يراعي خصوصيات الوطن وتقاليد وأعراف المواطنين وفق القوانين الجاري بها العمل. إنه حوار عملي منفتح يعمل المعهد على تصحيحه وتقويته ونشره لخدمة الإنسانية تحت الرعاية السامية لأمير المؤمنين»، يقول الأزعر.

الاستثمار في الدين يتضاعف أكثر من مائة مرة

يتمثل أحد أوجه المجهود الاستثنائي، الذي بذله المغرب منذ العام 2003 في الحقل الديني، في الوجه المالي، حيث تكشف إحدى النشرات الأخيرة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أرقاما تفيد بأن ميزانية الاستثمار، التي تخصص سنويا للمجال الديني، تضاعفت 128 مرة بين سنتي 2003 و2015، أي أنها ارتفعت بنسبة تقارب 13000% (انتقلت من 6 ملايين درهم إلى 775 مليون درهم)، موازاة مع ارتفاع مماثل لميزانية تسيير الوزارة الوصية على الشأن الديني، حيث تضاعفت 18 مرة، ما يعني ارتفاعا بنسبة 1900% (انتقلت من 123 مليون درهم إلى مليارين و352 مليون درهم).

المعطيات الرقمية، التي توفّرها هذه النشرة الخاصة، تتحدّث عن تخصيص ما يفوق مليارين و352 مليون درهم لتغطية نفقات تسيير وزارة أحمد التوفيق، مقابل 775 مليون درهم للاستثمار، فيما تبيّن المعطيات الخاصة بالسنوات الماضية، شروع المغرب في مضاعفة ميزانية تسيير وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ 2004، حيث انتقلت من 123 إلى 274 مليون درهم بين عامي 2003 و2004، فيما كانت ميزانية هذا القطاع السيادي والاستراتيجي تشهد قفزات كبيرة كلّما تغيّرت الحكومة، حيث انتقلت ميزانية التسيير من 524 مليون درهم عام 2007، إلى قرابة 900 مليون درهم في العام 2008، فيما تضاعفت ميزانية الاستثمار ثلاث مرات بين السنتين نفسيهما، وانتقلت من 199 مليون درهم إلى 442 مليون درهم.

أكبر النفقات المالية التي أقدم عليها المغرب في الـ12 سنة الماضية، همّت الباب المعروف بـ«المعدات والنفقات المختلفة»، والذي يوجّه لتغطية صفقات البناء والعناية بالمؤسسات الدينية، خاصة المساجد. وانتقلت مخصصات هذا الباب من 85 مليون درهم عام 2003، إلى قرابة ملياري درهم في العام 2013. أما نفقات الاستثمار، التي شهدت أكبر معدّل ارتفاع بتضاعفها 128 مرة، فإنها عادت هذه السنة لتشهد بعض الانخفاض، وعادت إلى مستويات 2010 و2011، أي 750 مليون درهم، بعدما استأثرت في سنتي 2012 و2013 بأكثر من مليار و200 مليون درهم.

شارك المقال