خطاب الصراحة لكن بدون حلول 

31 يوليو 2017 - 18:00

«البلد يُحكم بشكل جيد لكنه يدار بشكل سيّئ. اختيارات الجالس على العرش صائبة، وتنفيذها من قبل الإدارة والنخبة السياسية كارثي. القطاع الخاص بخير والقطاع العام يعيش أسوأ أيامه. ثلاثة قطاعات تشتغل في البلاد، وهي: الأمن والفلاحة والصناعة، والباقي «مصيبة». إذا لم تتحمل المؤسسات مسؤوليتها (الحكومة والبرلمان والمجالس المنتخبة)، فإن الملك سيتدخل رغم حرصه على فصل السلط. الذي يقول إن هناك من يمنعه من أداء مهامه، فما الذي يمنعه من تقديم استقالته؟»… هذه، باختصار، هي أهم رسائل الملك في خطاب غاضب إلى شعبه بث 24 ساعة قبل موعده الرسمي لأسباب مازالت مجهولة.

كان خطاب الجلوس الثامن عشر استثنائيا وقويا ونقديا، وداخله حوار بين رأيين ومقاربتين لأكثر من موضوع؛ «المقاربة الأمنية» و«أداء الأحزاب» و«طبيعة الهندسة الدستورية في البلاد»، وغيرها من الموضوعات التي تناولها العاهل المغربي بصيغة تقترب من الجدال الصحافي والسياسي، ما يعني أن العرش يستمع إلى ما يجري ويدور في الصحافة والمجتمع ومواقع التواصل الاجتماعي، وأنه غير معزول عما يجري حوله، حتى وإن كانت مقارباته لا تعجب البعض.

المتشائمون، كما المتفائلون، لم يحصلوا من خطاب العرش على كل ما كانوا ينتظرونه، فلا العفو عن معتقلي الريف شمل كل من يقبعون داخل الزنازين، ولا القصر أعلن خطة جديدة لتجديد النظام السياسي، وداخله النظام الحزبي الذي حاكمه محمد السادس كما لم يحاكمه جده وأبوه.

لا يمكن أن يختلف المراقبون حول هشاشة المشهد الحزبي، وإعاقاته البنيوية، لكن السؤال الجوهري هنا هو: هل أمراض النظام الحزبي مفصولة عن أمراض النظام السياسي، أم إن الثانية هي نتيجة للأولى، وأن من ثوابت نظامنا السياسي «إضعاف الأحزاب»، وتهميش النخب السياسية، والتحكم فيها، حتى لا تخل بتوازنات ميزان القوى، كما استقر منذ استقلال المغرب إلى اليوم؟

شخصيا، كنت أنتظر خطابا «استراتيجيا» يجيب عن مأزق المرحلة السياسية التي دخلها المغرب نتيجة إجهاض المسلسل الإصلاحي، الذي انتهى عشية إعلان نتائج اقتراع 7 أكتوبر، واكتمل هذا الإجهاض بتشكيل حكومة لا تعكس إرادة الناخب، أما حراك الريف فلم يكن سوى جرح تعفن في مناخ سياسي غير صحي، وتطور لأنه لم يجد أمامه سوى الفراغ السياسي القاتل… لكن الخطاب الملكي اختار منحى «تكتيكيا» للجواب فقط عن أعراض المرض، وليس عن مسبباته، على الأقل في المرحلة الراهنة.

لكن خطاب العرش الـ18 لم يخل من فوائد، حيث قدم تشخيصا جريئا لبنيتين أساسيتين في تكوين الدولة وفي مستقبلها؛ الإدارة والأحزاب، وكلتاهما، برأي الجالس على العرش، مريضتان ومتخلفتان ولا تحظيان بثقته ولا برضاه، فكيف ستقنع الشباب بالانخراط في العمل السياسي؟! وليعطي الملك أمثلة على ذلك، قدم أزمة الريف نموذجا، حيث وصل الصراع بين حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة إلى حد تعطيل مشروع الحسيمة منارة المتوسط. فما العمل إذن؟ الملك اختار أمام شعبه أن يتحدث لغة الحقيقة، وأن يطالب هؤلاء بالانسحاب، أو أنه سيعمل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة على جرائم سياسية تصل إلى حد الخيانة… هذا جواب أخلاقي وقانوني، قد يفيد وقد لا يفيد، لكن ماذا عن الجواب السياسي، أي خلق شروط أفضل لنمو أحزاب أحسن، وممارسات أجدى للمصلحة الوطنية؟ الملك لم يعط جوابا سوى أنه في حال عجز المؤسسات، من حكومة وبرلمان ومجالس منتخبة، فإنه سيمسك الأمور بيده، أي العودة الصريحة إلى الملكية التنفيذية، التي لم تغب طوال السنوات الست الماضية.

إذا أرادت الدولة إصلاح البنية الحزبية، وطرد العناصر الفاسدة من وسطها، وتطهير التعددية السياسية من الطفيليات التي صارت تملأ الحقل الحزبي، فالأمر رهين بجملة تدابير سياسية وقانونية وثقافية أهمها:

1 – أن ترفع الدولة يدها عن الأحزاب، وتتركها لقانون السوق الانتخابي، ولا تتدخل في نشأتها ولا في تربيتها ولا في رعايتها ولا في تأديبها ولا في انشقاقها ولا في اختياراتها… «يدي ويد القابلة» هي التي أفسدت الحقل الحزبي، الذي صار اليوم موبوءا، ولا ينتج، في الغالب، سوى أعيان مصالح، ونخب انتهازية، وقيادات ليس لها تأثير على المجتمع، وكل ما في جعبتها أنها تفسد المنافسة الشريفة يوم الاقتراع، في الوقت الذي تتعرض الأحزاب القوية، والتي لها شرعية التمثيل، لحرب تجريف قاسية.

2- لا بد من تغيير نمط الاقتراع، وشكل تقسيم الدوائر الانتخابية، ومستوى العتبة، ومنع المال والسلطة من التدخل في الانتخابات. بهذه الطريقة ستنقرض الأحزاب التي لا تمثل إلا نفسها، وستولد أحزاب جديدة تعبر عن أفكار ومصالح مشروعة وبرامج مجتمعية واختيارات سياسية واقتصادية. الحاصل اليوم أن العملة السيئة في الحقل الحزبي تطرد العملة الجيدة، لذلك، لا غرابة أن يعلن الملك إفلاس السوق الحزبي.

3 – إذا أردنا أن نجعل المواطنين حكما بين الأحزاب وعاملا للفرز بينها، لا بد من تشجيع المشاركة السياسية، وإزالة العقبات الكثيرة أمام ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات التي لا يشارك فيها سوى أقل من ربع من يحق لهم التصويت، فيما تبقى الثلاثة أرباع خارج العملية السياسية، كأن نزيل عائق اللوائح الانتخابية المخدومة، وأن نخرج وزارة الداخلية من اختصاص تنظيم الانتخابات، وأن نوسع الرقابة القضائية لتشمل استعمال المال الذي يشوه الخريطة الانتخابية ويبلقنها.

4 – لا بد من تغيير قانون الأحزاب، وإعطاء الأخيرة الإمكانات المالية واللوجستية الكافية لتأطير المواطنين وتمثيلهم، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة، فلو كان القضاء، الجالس والواقف، يقوم بمهمته في تحريك الدعوى العمومية، بناء على تقارير المجلس الأعلى للحسابات، والمفتشية العامة للمالية، وتقارير الصحافة، التي تتحدث طوال السنة عن فساد الوزراء والمنتخبين ورجال السلطة، لما تحول التدبير الوزاري والجهوي والجماعي والترابي إلى ما هو عليه اليوم.

الديمقراطية، بالتعريف، هي دولة الأحزاب، وإعلان إفلاس الأحزاب المغربية هو أخطر مؤشر على اختلال نموذجنا السياسي والدستوري والمؤسساتي والتمثيلي. إن الجميع في ورطة، حاكما ومحكوما.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Oustad منذ 4 سنوات

الإشكال ان الملك هو المسؤول الاول والأخير على هذه الوضعية. ان تقول ان الاختيارات السياسية صائبة (وهي من مسؤولية الملك) لكن تطبيقها صائب يجعلها غير صائبة: حل صائب نظريا و خاطئ عمليا ليس حلا. المدهش في هذا الخطاب ان الملك انتقد الجميع لكن لم يقم باي نقد ذاتي خاصة من موقعه على رأس الدولة. هذا التهرب من المسؤولية مخز.

طيب منذ 4 سنوات

جميع المواطنين كانوا ينتظروا من الملك ان يتكلم على الحراك و على البلوكاج . و لكن وقف مع الذين كانوا وراء البلوكاج و كانوا وراء العنف الذي شهده حراك الريف. و لهذا كان الخطاب يدافع عن الامن و يدافع عن رجال الاعمال و الصناعة. مثل اخنوش و غيرهم. و هجام الخطاب الشعبوي الذي كان بن كيران يتميز به. و لما يدكر انجاوات الحكومة السابقة التي انقدت الاقتصاد المغربي من الافلاس. ما المشكل التي تعيشها السياسة المغربية فالمخزن له يد فيها يظعف اجزاب و يقوي اخرى. يخلق حزب و يعطيه الرتبة الاولى و يمنع الاحزاب الاخرى من الفوز. الذين ينظرون في الشياسة

القرشي منذ 4 سنوات

والله صدقت

ismail alaoui منذ 4 سنوات

تحليل منطقي يرقى إلى مرتبة الخروج من بوثقة البلقنة الصحافية، التي تشع من وراء قضبان السياسة الداعمة. بمنطق هذا التحليل لمست شخصيا، عمق الشرخ السياسي الحزبي لبلدنا، هذا الشرخ الذي نعلم ولا يخفى على متتبع أسبابه المرتبطة أساسا بصانعي الخريطة السياسية ببلدنا، وهو ما كنت أتمنى شخصيا أن يضيفه الملك في خطابه الواضح ويطلب من مهندسيه رفع اليد عن السياسة، لأنهم لم يستطيعوا قراءة أبعادها اىتباطا بالبنية التركيبية التي تميز الإنسان المغربي باختلاف مستويات تفكيره.......

Mimoune Jalti منذ 4 سنوات

خطاب العرش لسنة 2017 مثله مثل سائر الخطابات الملكية السابقة، ففي كل خطاب نسمع الملك يقول شعبي العزيز، وفي كل مناسبة ينوه الملك برجال الأمن والجيش، وفي كل خطبة يحذر الملك الحكومة ويوبخ المسؤولين. لكن مع كل خطاب ملكي يطلع علينا فلاسفتنا المحللون بتحليلاتهم الفارغة ويلوكون علينا أسطوانتهم الجديدة القديمة، وكل واحد يلغى بلغاه، فمنهم من يقول بأن الخطاب تاريخي، وهذا يقول بأن الملك وضع الأصبع على الداء، وذاك يقول أن الملك فضح المسؤولين، والآخر يصف الخطاب بالحكيم والجريء. أَعَمِّي المحلل أجمع راسك وعاود لمخك وما تقراش علينا زابورك. فالخطاب التاريخي هو عندما يحصل المواطن على الكرامة ويدخل المسؤول الفاسد الزنزانة، فالإنسان العاري لا يهمه أي لون أو نوع من اللباس سيلبسه بل يفكر فقط في ما يستر عورته، فما الفائدة من الخطاب إذا صعد الملك من لهجته وأظهر غضبه بينما يبقى المسؤولون الفاسدون متمادون في فعلهم، والفساد في استمرار، وتزايد معاناة المواطن مع غلاء الأسعار وصراعه مع الإدارة والسبيطار. إن المواطن لا يهمه تغيير نبرة الخطاب ولا حدة اللهجة ولا غضبة دون عقاب. وما يهمه هو أن يأتي الخطاب الملكي بثمار طازجة وأشياء جادة حتى يرى المواطن نفسه يلج الإدارة فيحس بالأمن الإداري ويشعر بأنه مرحب به فيقضي حوائجه بلا عراقيل ودون تعطيل ويرى المسؤولين الفاسدين يتساقطون كأوراق الخريف ويذهبون اتباعا إلى السجون. وهذا يمكن أن يصير بجرة قلم هنا والآن واليوم قبل الغد. فلا يأتي المحللون ليتظاهروا علينا بفلسفتهم الجافة اجمع راسك أَعَمِّي المحلل اخطينا من التحليلات الخاوية. المواطن يريد نتيجة ملموسة، المواطن يريد المعقول المواطن يريد التفعيل.

ابراهيم ترابي منذ 4 سنوات

حان الوقت ليتدخل جلالة الملك لان المسوولين اساؤوا لهده البلاد اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ان الاحزاب جلهم خونة اصحاب مصالح ويجب محاسبة المنتخبين اللدين جعل .ا مكاتبهم مساكن لهم

علال كبور منذ 4 سنوات

خطاب الصاق التهمة للأحزاب غير الإدارية وتبرءة الدولة العميقة وخدامها لايهام الشعب على ان التصويت ليس له جدوى