قال السيوسيولوجي محمد الناجي، في حوارمع يومية « أخبار اليوم »، إنه من الخطأ النظر إلى الأحزاب السياسية باعتبارها المسؤولة الوحيدة عن وضعها، وإغفال عملية إضعافها.
وقال إن إبقاءها قويا كان سيحمي الملكية ويجنّبها الوقوف في الخطوط الأمامية.
وأفاد ان كسر ظهر حزب العدالة والتنمية خطأ فادح جعل السلطة في مواجهة الاحتجاجات.
جاء خطاب العرش لهذه السنة مؤكدا على الاستمرارية والدور المحوري للمؤسسة الملكية، هل أغلق قوس خطاب 9 مارس 2011؟
لابد من التمييز هنا بين الخطاب والواقع. فمستويات تحليل الخطاب السياسي تعاني أصلا من تشوه يتمثل في تمييزها بشكل مصطنع ومقصود، بين الملكية من جهة، والأحزاب السياسية وباقي الفاعلين الاجتماعيين من جهة ثانية، كما لو أن الملكية مجردة من المسؤولية وليس لها أدنى دور في تطور الأحداث. هذه الطريقة في النظر إلى الأمور وتقديمها، تزيح الرهانات الحقيقية للسلطة عن موقعها الأصل، وتحمل المسؤولية لباقي الفاعلين. فالأهم بالنسبة إلي، هو التحليل الذي يقوم على الأخذ بعين الاعتبار المجموعات الموجودة في السلطة ككل، بما فيها المؤسسة الملكية، ومصالح هذه المجموعات ورهاناتها وتطور مواقعها.
ففي هذا الإطار وحده يمكن لنا فهم ما يجري من أحداث. أما التحليل على أساس التمييز بين الملكية وباقي الهيئات والفاعلين السياسيين، فهو مجرد مضيعة للوقت.
الملكية في المغرب تقوّت باعتبارها نواة للمجموعات المهيمنة، وذلك من خلال انخراطها في المجال الاقتصادي للبلاد، ودورها كقطب يمركز هذه المصالح ويركزها بين المجموعات والمصالح المهيمنة.
إذا أغلقنا على أنفسنا داخل الخطاب الذي يدور حول الدستور وبقية النصوص، فإننا نغفل الأهم، وهو واقع السلطة وعلاقتها بالمجتمع. وأي قراءة حبيسة النصوص تظل مجرد خيال.
تضمن الخطاب الأخير نقدا قويا للأحزاب والطبقة السياسية، ما دلالة ذلك؟
الجواب عن هذا السؤال ينحدر من جواب السؤال السابق. لا يمكننا فصل الملكية عن الأحزاب السياسية، بالمعنى الذي يفيد أن هذه الأحزاب تمثل مصالح، من بينها مصالح الملكية نفسها.
المؤسسة الملكية تتميز بكونها غير قابلة للاستبدال، عكس الأحزاب السياسية التي لا تنطبق عليها هذه الخاصية، سواء كبنيات أو كأشخاص، ما يجعلها مجرد صمامات تسمح للملك افتراضيا بالتنصل من المسؤوليات والرهانات، والظهور في دور الحَكم من أجل مصالح الوطن. الخطاب يصور الملكية كفاعل حر طليق، يقود قاطرة المجتمع نحو التقدم والديمقراطية، ومن هذا المنظور فكل تأخير تقع مسؤوليته على الفاعلين الآخرين كالأحزاب وغيرها.
أما إضعاف الأحزاب، فلا شك أن للسلطة دورا هاما في ذلك، لكنه ليس تفسيرا كافيا. ذ
هناك تباينات بين الأحزاب نفسها في هذا المجال. فبالنسبة لحزب العدالة والتنمية، هو نفسه مسؤول بنسبة كبيرة عن إضعافه ذاته. هذا الحزب يحمل في جيناته أسباب انهياره الذاتي.
فالأصل الاجتماعي للنخبة التي تقود هذا الحزب، هو العامل المدشن لعملية الاستسلام الجارية، ودخوله من الباب الضيق إلى الحكومة. فالأمر لا يتعلّق هنا بنخبة مستعدة اجتماعيا لمواجهة السلطة القائمة، ولا نخبة تحمل مشروعا ثقافيا مبدعا وثوريا. النخبة التي تقود تدبير هذا الحزب، منبهرة بفكرة القرب من الحكم، وتبذل كل جهودها من أجل الاقتراب منه. صحيح أن شبيبة هذا الحزب لديها طموحات أخرى، إلا أن تكوينها الايديولوجي مجتزأ ويجعلها لا تضبط دهاليز الحزب، من وجهة النظر التنظيمية.
هل ساهم حراك الريف في إضعاف الأحزاب والمؤسسات المنتخبة وزيادة الطلب على الدور الملكي؟
حراك الريف ساهم أكثر في تعرية الأحزاب السياسية وكشف الضعف الذي توجد عليه استقلاليتها الذاتية، ومدى خضوعها للسلطة. فالحراك وبفعل ضعف هذه الأحزاب السياسية، دفع بالمؤسسة الملكية إلى الخطوط الأمامية. وهذه الأخيرة وجدت نفسها مسؤولة بشكل مباشر.
وحتى نتحدّث بشكل واضح، فبكسر ظهر حزب العدالة والتنمية، وجدت السلطة نفسها وجها لوجه مع الاحتجاج الشعبي. إنه خطأ سياسي فادح جدا. يتسم السياق الوطني الحالي بطلب اجتماعي كبير.
هل يمكن للدولة أن تستجيب له بدون جرعة إصلاحية ديمقراطية؟
الريف ما هو إلا جزء من المغرب، والحراك الذي عرفته هذه المنطقة، ما هو إلا لحظة ضمن عملية احتجاج ستولد وتنمو في مناطق أخرى. المصالح القائمة حاليا في المغرب، لا تسمح بتصور إصلاحات عميقة أو إصلاحات تصب في مصلحة الأغلبية الواسعة من الساكنة.
الطبقة المهيمنة تبدو نهمة جدا في الوقت الحالي، ومتلهفة لجمع المزيد من المصالح، ودليل ذلك كون المدرسة أمست عمليا ميتة والصحة فاشلة. الاحتجاج يبدو في ظل هذا الوضع مجرّد تأثيث للمشهد، والسلطة ستدفع نحو نقله إلى المستوى الأمني، وهو ما لا يمثّل حلا، بل قد يحمل في المدى البعيد آثارا مضادة لما هو متوقع.
بدت حكومة سعد الدين العثماني متجاوزة وضعيفة بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تنصيبها، ما سبب ذلك؟ بكل صراحة، هي مجرّد مسرحية من النوع الرديء. وبعيدا عن أي تحليل سياسي، فإن حكومة سعد الدين العثماني توجد في وضعية تثير الشفقة. فهي لا تصلح حتى للاستخدام من طرف السلطة، والتي قامت باختيارات خاطئة حين راهنت على منحدرين من حزب العدالة والتنمية، يفتقدون لأي انخراط في الصراعات الاجتماعية الجارية.
ألا تعتبر حزب العدالة والتنمية بدوره ضحية للسياق السياسي العام، أم أنه مسؤول عن التراجعات المسجلة؟
بطبيعة الحال، السلطة مسؤولة عن الوضعية الحالية بسبب تهميشها لجهة معينة إلى جانب جهات أخرى، وبسبب غياب سياسة تحقق التوازن وتأخذ بعين الاعتبار الحاجيات الاجتماعية لأغلبية الساكنة. لكنها مسؤولة أيضا، إلى جانب حزب العدالة والتنمية، تجاه مشكلة الريف وتفاعلاتها.
فالحفاظ على حزب قوي كان سيساعد في تدبير الوضع بشكل أفضل، وفي جميع الأحوال، في حماية الملكية من خلال الحيلولة دون وضعها في الخطوط الأمامية. لكن السلطة شديدة النهم ولم تقبل بالتنازل عن الحكومة لأحزاب غير تلك التي تخضع لها مباشرة. نظرتها هذه التي تقتصر على المدى القصير، والتي يهيمن عليها المعطى الاقتصادي، تحرمها من نظرة سياسية تمتد إلى المدى المتوسط والطويل. وحزب العدالة والتنمية بركضه السريع، بدّد الثقة الشعبية التي كانت تصنع قوته.
محمد الناجي *كاتب وأكاديمي متخصص في السوسيولوجيا