الأزمة المالية المقبلة

03/08/2017 - 13:37

أن يكون المرء متفائلا لا يعني البتة الاعتقاد بأن المشاكل لا وجود لها، بل بأن لها حلولا. وهذا حال معظم الرهانات التي يواجهها العالم. كلها أو جلها عظيم. كلها مازال حلها متاحا. حتى تلك الرهانات الأكثر عسرا ورعبا (مثل اختناق المحيطات، الاحتباس الحراري، وندرة الماء) مازال حلها في متناول اليد.

إلى جانب هذه الرهانات الكبرى، التي تهدد وجود الإنسان والتي أخذنا ننشغل بها، هناك أخرى نهتم بها بدرجة أقل كأن الزمن كفيل وحده بحلها. هذا حال موضوع « استقبال المهاجرين في أوروبا ». إذ يجب علينا بالضرورة يوما ما تخصيص استقبال لائق لأولئك الذين لن نعيدهم إلى جحيم بلدانهم الأصلية.

ومن بين تلك المشاكل الأخرى، هناك واحد لا نأتي على ذكره إلا قليلا اليوم: الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية المقبلة.

والحال أن كل شيء يجري وكأننا نعتقد اليوم أننا تجنبنا الخطر بشكل نهائي. فالنمو عاد في كل مكان، والبطالة تتقلص بسرعات متفاوتة حسب البلدان. وتم استخلاص تشريعات احترازية من دروس الأزمات السابقة، فرضت على الأبناك الدولية ضرورة التوفر على مزيد من الأصول الذاتية. وأخيرا أخذ التطور التقني يعلن عن « إلدورادو » مذهل كل يوم.

ومع ذلك، سيكون من السخافة الظن – في ظل العولمة المتوحشة الحالية- بأن الأزمات المالية قد ولت إلى غير رجعة. بل إن مؤشرات أزمة قريبة بادية في الأفق.

1 المديونية أعلى من أي وقت مضى، وهو ما يحيل على الأجيال المقبلة عبء تمويل الحفاظ على مستوى عيشنا الحالي: الدين العمومي والخاص في البلدان الـ44 الأكثر ثراء يصل إلى 235%  من الناتج الداخلي الخام، مقابل 190% عام 2007. والخطير أن ديون الطلبة الأمريكيين والأبناك الصينية باتت خارج عن أي سيطرة، هذا دون إغفال الديون التي سيطالب بها المتقاعدون، والتي لا يدرجها أحد على قوائم المحاسبة.

2 ــ تقييم أسهم المقاولات مبالغ فيها. فالاندماجات الحديثة أو الاستحواذات الأخيرة تتم بأثمنة لا تتلاءم بتاتا مع الأرباح التي يمكن أن تحققها. وهذه التقييمات المصطنعة هي التي تجعل أصحاب المقاولات لا يقلقون من مبالغ الديون.

3 ــ التشريع الأمريكي حول الأبناك، الذي تم اعتماده بعد الأزمة المالية لسنة 2007، سيتم تخفيفه، الأمر الذي سيعطي امتيازا للمصاريف الأمريكية على حساب منافسيها الأوروبيين، وسيدفعها إلى ركوب مخاطر جديدة، ما سيزيد في إثقال الدين العام.

4 ــ لا النمو العالمي ولا التضخم ليسا ولن يكونا في الموعد لامتصاص كل هذه الديون.

بعد شهر، بعد عام، بعد عشر سنوات، سينتبه مانحو القروض إلى أنهم قد لا يستردون ديونهم، وسيتملكهم الخوف. وستنطلق الشرارة من حادث بإيطاليا، أو أمريكا، أو الصين… وستقوم الأبناك المركزية بتقليص حجم الديون المجانية التي تخصص اليوم للمصارف، وستتعرض الحكومات والمقاولات إلى ارتفاع كبير في تكلفة ديونها، وسيكون على بعضها القيام باقتطاعات كبيرة. وستعود الأزمة مع البطالة وانكماش القوة الشرائية.

يمكن للجميع، حكومة ومقاولة وأفردا، الاستعداد لها من خلال الإسراع بتقليص كل الديون ذات نسب الفائدة المتغيرة، وبيع ما يمكن منها بأعلى سعر ممكن. ولكن مثل هذه السلوكيات، إن اعتمدت في كل مكان، ستسرع من وتيرة الأزمة بدل الحد منها.

حان الوقت إذن للتفكير جماعيا وبهدوء في كيفية تقليص المديونية، وإرساء تشريعات مالية حقيقية يتم تطبيقها على الصعيد العالمي. هذا ما يجب أن تنكب عليه الحكومات، إن كانت فعلا تهتم بمصلحة الأجيال المقبلة. طبعا هي لن تقوم بهذا الأمر. وبالتالي فالمتفائلون الرزينون وحدهم من سيفلحون في تدبر أمورهم.

ترجمة: مبارك مرابط

عن « ليكسبريس »

 

شارك المقال