محمد السادس.. الوجه الحديث لنظام عتيق

20/08/2017 - 19:22
محمد السادس.. الوجه الحديث لنظام عتيق

كان يبدو الحسن الثاني، كأي أب، سعيدا بهذا المولود الذي رأى النور في 21 غشت 1963، والذي اختار له من الأسماء محمد. في كثير من الصور كان يظهر الحسن الثاني وهو يداعبه ويحمله بين ذراعيه، وعندما بلغ الرابعة من العمر، أدخله الكتاب القرآني في القصر. في إحدى خطبه، قال الحسن الثاني إنه يريد أن يفرض على كل أب، مهما علا شأنه، أن يدخل ابنه إلى الكتاب «المسيد»، وكشف أنه بدأ بنفسه. لقد انطلقت تربية ولي العهد ليكون ملكا. تميزت حياته كطفل بالانضباط الصارم لتربية الأب، الحسن الثاني، الذي حرص على تعليمه بطريقته التي اختارها له. اختار له أحسن الأساتذة لتدريسه في المعهد المولوي، رفقة 11 طفلا ممن تم اختيارهم بعناية ليكونوا من مناطق مختلفة، وتميزوا بالتفوق الدراسي. فترة الدراسة كانت تبدأ في المعهد المولوي من السابعة صباحا إلى الثامنة مساء، مع ممارسة الرياضة لمدة 6 ساعات في الأسبوع. كان محمد السادس يحب في طفولته ركوب الخيل والسباحة والكرة الطائرة، ويعشق تربية بعض الحيوانات. البرنامج الدراسي كان يجمع بين التدريس التقليدي، مثل حفظ القرآن والعلوم الإسلامية، والتعليم الحديث من علوم ولغات وغيرها، لكن محمد السادس كان يميل إلى المواد الأدبية والعلوم الطبيعية.
كريم رمزي، أحد التلاميذ الـ11 الذين درسوا مع ولي العهد، يقول في برنامج مع قناة ألمانية حول حياة محمد السادس، إن رفاق محمد السادس في المعهد المولوي، قبل اختيارهم، خضعوا لمراقبة دقيقة لمدة ستة أشهر، حول سلوكاتهم ووسطهم العائلي واتصالاتهم. كانت حياتهم داخل القصر تمتد من الاثنين إلى السبت، بمعدل 64 ساعة تعليم في الأسبوع.
رمزي يقول إنهم كانوا معزولين عن العالم الخارجي، ليس لهم هاتف ولا راديو ولا صحف ولا تلفزة. «الحسن الثاني كان حريصا على ألا يتمتع ابنه بأي امتياز عن بقية رفاقه، لكن ولي العهد كان يعرف أنه سيصبح يوما ما ملكا». كان ثقل تربية أبيه الصارمة يجعله يبحث عن متنفس. عندما سئل وهو طفل، خلال استعداده لمرافقة والده في زيارة لفرنسا عمَّ سيفعله لو سمح له خلال الزيارة بـ5 دقائق يتحرر خلالها من البرتوكول، فرد قائلا: «سأخرج لأتجول وحيدا».
عندما سئل ولي العهد، سيدي محمد، كما ورد في أحد الفيديوهات: «إذا لم تكن ولياً للعهد، ماذا كنت تتمنى أن تصير في المستقبل؟»، أجاب بتلقائية: «كنت أتمنى أن أصير ربان طائرة». هكذا رد محمد السادس عندما كان طفلا في سن الثالثة عشرة. كان يدرك مبكرا صعوبة المهمة التي تنتظره، لذلك قال في فترة شبابه في أحد الفيديوهات النادرة التي نشرت بعد توليه العرش: «أن تتحمل مسؤولية 34 مليون مواطن، هذا أمر ليس سهلا».
كان عمره 11 عاما عندما كلفه والده الحسن الثاني بأول مهمة رسمية خارج البلاد. كان ذلك سنة 1974، حيث مثل الحسن الثاني في الحفل الديني الذي احتضنته «كاتدرائية نوتردام دو باري»، تخليدا لذكرى رحيل الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو، وقد ظهر الطفل بالجلباب التقليدي إلى جانب عدد من مسؤولي الدول.
أنهى ولي العهد دراسته الابتدائية والثانوية بالمعهد المولوي، وحصل على الباكالوريا في يونيو 1981، ودرس الحقوق في جامعة محمد الخامس بالرباط، لأن والده كان يرفض إرساله للدراسة بالخارج. حصل على الإجازة سنة 1985، ثم شهادة الدراسات العليا سنة 1988، قبل أن يتحرر لبضعة أشهر من قبضة القصر، بعدما وافق الحسن الثاني على إرساله إلى بلجيكا في فترة تدريب لاستكمال التكوين بديوان جاك دولور، رئيس لجنة المجموعات الأوروبية بالاتحاد الأوروبي آنذاك.

تصفية إرث الماضي

في يوم 23 يوليوز 1999، إثر وفاة والده، اعتلى محمد السادس العرش، وتلقى البيعة بصفته أمير المؤمنين بقاعة العرش بالقصر الملكي. لقد هيأ له والده الظروف السياسية بإنهاء الصراع مع المعارضة الاتحادية التي دخلت في تجربة التناوب التوافقي، لكنه كان يدرك معنى السكتة القلبية التي سبق أن تحدث عنها والده لوصف الوضع في البلاد، لذلك حرص على تأكيد استمرارية العرش في أول خطاب له، مع إبداء واقعية في إيجاد حلول للمشاكل. قال الملك الجديد في ذكرى ثورة الملك والشعب سنة 1999: «إذا كان جلالة الملك الحسن الثاني، تغمده الله بواسع رحمته، قد رحل إلى جوار ربه، فإننا نحن محمد السادس قد خلفناه في خدمتك، شعبي العزيز، وخدمة المغرب، وسنبقى على النهج الحسني سائرين تمسكا ببيعة الإمامة الشرعية التي تطوق عنقنا وعنقك، موصولة بما سبقها على امتداد أزيد من اثني عشر قرنا، موثقة السند بكتاب الله وسنة رسوله الكريم».
الخطاب وضع الشعب في صورة الإكراهات المطروحة، قائلا: «لسنا نملك عصا سحرية نزعم بها حل جميع هذه المشاكل»، لكنه شدد، بخصوص الإصلاحات السياسية المتصلة بالملكية، على أن المغرب له خصوصيته، ففي أحد حواراته النادرة مع جريدة «إلباييس» الإسبانية، قال إنه لا ينبغي نقل نموذج أنظمة الملكيات الأوروبية إلى المغرب، «فلنا خصوصياتنا والتزاماتنا التي ترسم لنا الطريق الذي علينا أن ننهجه في المستقبل».

بصمة جديدة
لكن كان على الملك أن يضع بصمته على العهد الجديد، فكانت أولى المهام التي وضعها على عاتقه، محاولة إحداث قطيعة مع ماضي الانتهاكات، لكن دائما في ظل الاستمرارية. انفتح العهد الجديد على عدد من اليساريين، فتم إخراج هيئة الإنصاف والمصالحة، التي عهد بها إلى إدريس بنزكري الذي ذاق مرارة السجن في عهد الحسن الثاني. في كتاب «كذلك كان»، يتحدث كل من شوقي بنيوب وعباس بودرقة، عضوي الهيئة، عن الدور الذي لعبه محمد السادس شخصيا في إخراج الهيئة وتسهيل عملها، بدأ بحسمه الموافقة على بث جلسات الاستماع إلى ضحايا الانتهاكات في الإعلام العمومي، مرورا بتسهيل مأمورية هيئة الأنصاف للكشف عن المقابر والاستماع إلى الشهود. من الأمثلة على ذلك؛ عندما تم اكتشاف المقبرة الجماعية لأحداث 20 يونيو 1981 بمقر الوقاية المدنية بالدر البيضاء، وتقرر استخراج الرفات، استأذن بنزكري، رئيس الهيئة، الملك، الذي كان في زيارة لليابان، لاستخراج الرفات. وجاء الرد في أقل من 24 ساعة يحمل عبارة: vous foncez»»، وعندما وقع خلاف بين الهيئة وقيادة القوات المسلحة الملكية سنة 2005، حول مصير البنايات العسكرية في معتقل تازمامارت، حيث طلبت الهيئة تسلمها لتكون مكانا للذاكرة، وتحويلها إلى ما يفيد ساكنة المنطقة التي عانت، تدخل الملك وحسم الموقف لصالح الهيئة، بعدما تشبث الجنرال الراحل، عبد العزيز بناني، بموقفه القاضي بأن التقاليد تقضي بأن الجيش لا يتخلى عن ثكناته. كما حسم الملك قضية استماع الهيئة إلى عميل المخابرات ميلود التونزي، الملقب بالشتوكي، المتهم في قضية المهدي بنبركة، وتم الاستماع إليه بحضور ياسين المنصوري، مدير لادجيد الذي أبلغ الشتوكي بأنه بإذن الملك تم تنظيم اللقاء، وأن عليه أن يدلي للهيئة بكل ما يعرفه عن قضية بنبركة، واستمر اللقاء ثلاث ساعات، واعترف فيه بأنه كان يستعمل جواز سفر باسم العربي الشتوكي.
وفضلا عن الإنصاف والمصالحة، دشن الملك خطة إصلاح مدونة الأسرة، وقبل هذا وذاك سارع، بعد شهور فقط من توليه الحكم، إلى إقالة وزير الداخلية إدريس البصري، الرجل القوي في عهد والده، وبدأ يظهر أكثر قربا من الشعب، من خلال زياراته للمدن وتدشينه المشاريع الاجتماعية، وكان حدث إعلان زواجه بالأميرة للاسلمى أحد أبرز التغييرات التي أحدثها في تقاليد القصر، كما انتشرت صوره مع الفئات المعوزة، وأصبحت تباع صوره في الشوارع وهو يلعب الجيتسكي، أو يتزحلق على الجليد، ووصف بأنه «ملك الفقراء»، وهكذا أصبح العهد الجديد، مع مرور السنوات، أكثر ثقة في المستقبل، وانفتح على الخارج، وعاد إلى الاتحاد الإفريقي، وفتح شراكات مع عدة دول إفريقية.

ملك السيلفي
من أبرز ما ميز الملك محمد السادس في السنوات الأخيرة، إقباله على أخذ صور مع المواطنين المغاربة وكذا مع الشخصيات الأجنبية، على شكل سيلفي، ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان يظهر فيها متحررا من البرتوكول، وأحيانا بألوان مثيرة للانتباه. في إحدى الصور في فرنسا، يتحلق حوله شبان مغاربة يتبادل معهم التحية، وفي زيارته الأخيرة لأمريكا، تظهر صور فيديو كيف يحيط به عدد من المغاربة لأخذ الصور معه والترحيب به، وكيف يتبادل معهم أطراف الحديث، بل إن مضمون محادثاته مع بعض المواطنين يجد طريقه للنشر.
أحد الشباب التقى الملك في فرنسا، فكتب قائلا في حسابه على فيسبوك: «كنت أتسوق رفقة العائلة في الشانزلزيه، عندما لمحت الملك على متن سيارة الدفع الرباعي، فصرخت: سيدنا»، مضيفا: «كان لطيفا، وتوقف وجاء ليسلم علينا وأخذ ابنتي بين ذراعيه، والتقطت معه صورة».
لعل هذا ما دفع بعض الصحف الفرنسية والإسبانية إلى وصفه بـ«ملك السيلفيات»، فمجلة «جون أفريك» الفرنسية علقت على سيلفيات الملك بالقول: «نادرا ما تمت مشاركة صور رئيس دولة بهذا الشكل الذي تمت به مشاركة صور محمد السادس، الذي يجد راحة في الوقوف أمام مصورات المواطنين».
معظم الصور ينشرها موقع «محمد السادس» على فيسبوك، الذي يديره الشاب سفيان البحري، الذي أصبح مشهورا بالانفراد بنشر صور الملك مع المواطنين، وتعرف صفحته شعبية كبيرة. لكن، هل هذه العملية التواصلية تشكل استراتيجية للقصر؟ يرى مصطفى السحيمي، المحلل السياسي، أن هناك محطتين ميزتا التواصل السياسي للملك محمد السادس؛ الأولى خلال العشرية الأولى من حكمه، من خلال نشر صور شخصية جدا له، خاصة خلال فترة استجمامه وممارسته الرياضة، مثل رياضة التزحلق على الثلج أو الجيتكسي. «إنها صور رياضية وعصرية». وفي مرحلة ثانية مع انتشار الأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، نهج «سياسة رقمية» في مجال التواصل، من خلال نشر عدة صور له في مواقع التواصل الاجتماعي، وهي صور لم يلتقطها مصورو البابراتزي، بل إنها «صور يتم اختيارها بعناية»، وهي تدور في المجمل حول موضوعين؛ الأول هو لقاءات الملك بالمواطنين، وذلك لإبراز قرب الملك من الشعب وشعبيته، والثاني يعكس شكل اللباس غير التقليدي الذي يثير ردود فعل في مواقع التواصل الاجتماعي. الفئة المستهدفة واضحة وهي الشباب، لكن السحيمي يتساءل: «هل يستفيد الرأسمال الرمزي المرتبط بصفة أمير المؤمنين من هذه السياسة التواصلية؟». يرد السحيمي قائلا: «الملك شخص ذاتي يمكنه التعبير عن ذوقه وحريته، لكن، من جهة أخرى، فإن الملك له مهمة أخرى، وهي صفته الرمزية التي تمثل الوطن والشعب، والتي تضمن الاستمرارية».

استمرارية الطقوس المخزنية

لكن، مقابل صورة ملك حداثي عصري منفتح، ورث الملك طقوسا تقليدية، ضاربة في القدم، لم يتمكن من التخلي عنها، رغم ما راج في بداية عهده عن سعيه إلى إلغائها، من قبيل تقبيل اليد والركوع خلال حفلات الولاء. إنها إحدى معالم استمرارية النظام التي تميز الدستور المغربي غير المكتوب. فرغم نزع صفة القداسة عن الملك في دستور 2011، فإن طقوس البرتوكول مازالت تثير جدلا، فقد سبق لعبد الإله بنكيران، شخصيا، قبل تعيينه رئيسا للحكومة، أن انتقدها مباشرة في التلفزة، خلال أحداث الربيع العربي، رغم أنه خضع لها بعد تعيينه رئيس حكومة، كما أن إقدام أعضاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية على عدم تقبيل يد الملك خلال تعيينهم، أدى إلى عدم نشر القصر صورة جماعية مع هؤلاء الأعضاء، ردا على عدم التزام بعضهم بطقوس البلاط.
العادات العتيقة بقيت مستمرة إلى اليوم، وتظهر على الخصوص في المناسبات والأعياد الدينية، وتصل إلى أقصى صورها في حفل الولاء، حيث يتقدم الملك مرتديا جلبابه، على متن حصان أو سيارة، ليتقدم عشرات أو مئات المغاربة، منهم وزراء وعسكريون ومنتخبون برلمانيون ومحليون، للركوع أمامه في حفل تجديد البيعة، وهي إشارة رمزية تستمد جذورها من تاريخ السلاطين الذين ارتبط حكمهم بالولاء، والحاجة إلى الخضوع والإذعان للسلطة والتوحد معها. في عهد الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي، أثير جدل حول حوار أجراه الصحافي عبد الرحيم أريري مع الأستاذ الجامعي والسياسي محمد الساسي، حول طقوس البيعة، ما دفع اليوسفي إلى معاقبة أريري بتوقيفه مدة أسبوع. الحوار تزامن مع وصول الملك محمد السادس إلى العرش، ودعا فيه الساسي إلى اغتنام فرصة وصول ملك شاب إلى الحكم من أجل التخلي عن الطقوس المخزنية البالية، من نوع تقبيل اليد والركوع، لكن حكومة اليوسفي كانت حريصة على بناء جسر الثقة مع الملك الجديد، فاختارت التضحية بالصحافي الذي أجرى الحوار.

تردد على المسار الديمقراطي
لكن، على المستوى السياسي، لم تكن الأمور تسير نحو تكريس الديمقراطية، منذ تعيين التقنوقراطي إدريس جطو رئيسا للحكومة سنة 2002، والتخلي عن عبد الرحمان اليوسفي، كما أن صعود حزب العدالة والتنمية دفع الدولة إلى مواجهته بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة من طرف فؤاد عالي الهمة، المستشار الحالي للملك، وكانت النتيجة، بعد موجة الربيع العربي سنة 2011، هي تقوية البيجيدي، الذي حملته رياح الربيع ضدا على إرادة القصر الذي اضطر إلى إخراج دستور 2011، والتخلي عن بعض السلط، والقبول بالإسلاميين في السلطة. فهل حصل تطبيع بين القصر الإسلاميين؟ من خلال تجربة بنكيران، وسعيه إلى التطبيع مع القصر وترسيخ الثقة معه، لكن مع ممارسة قدر من الجرأة تجاه الملكية، يقول مصطفى السحيمي إن القصر وجد نفسه أمام وضعية غير متوقعة، حيث حل البيجيدي في الرتبة الأولى في اقتراع 25 نونبر 2011. لكن، هل البيجيدي حزب مثل سائر الأحزاب؟ ولماذا لا يرتاح إليه القصر؟ السحيمي يرد: «لأنه حزب يوجد داخل الحقل الديني، وهو حقل يمثل فيه الملك صفة خاصة، هي أمير المؤمنين الذي يحتكر الشأن الديني». ويتساءل السحيمي: «كيف يمكن تدبير هذه الوضعية التي أفرزتها شرعية انتخابية تؤدي إلى تعيين رئيس الحكومة من البيجيدي، مقابل الشرعية الملكية بمكونيها الملك وأمير المؤمنين؟». تضاف إلى ذلك الوضعية الخاصة لبنكيران وشعبيته وتقدم حزبه في انتخابات 2016 بـ125 مقعدا في البرلمان. يعتقد السحيمي أنه من أجل توازن السلط، لم يكن ممكنا أن يتولى بنكيران ولاية ثانية على رأس الحكومة، لأنه سيُصبِح مركزيا في الحقل السياسي والمؤسساتي. أما مع العثماني فالوضع أقل حدة، لكن هل سيستمر إلى 2021؟
النتيجة اليوم أفرزت مشهدا حزبيا أكثر ضعفا خاصة بعد انتخابات أكتوبر 2016، وإعفاء بنكيران، ما أفضى إلى قتل التعددية السياسية رغم كثرة الأحزاب. محمد البوز، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط، يرصد أبرز التحولات التي عرفها الحقل الحزبي في عهد محمد السادس، وأبرزها حصول تطبيع تام بين الأحزاب والملكية، حيث لم يعد هناك أي حزب ينازع في شرعية السلطة الملكية، باستثناء بعض الاتجاهات المحدودة. أكثر من هذا، فإن كثيرا من القوى السياسية الحداثية باتت لا ترى تعارضا بين النظام الملكي والديمقراطية. هذا المسار بدأ في نهاية عهد الحسن الثاني، لكنه تكرس في عهد محمد السادس. التحول الثاني هو الاتجاه نحو «تنميط الأحزاب»، أي «ضرب التعددية السياسية وليس الحزبية». باستثناء بعض الأحزاب، مثل العدالة والتنمية، وبعض قوى اليسار وبعض الاتجاهات السياسية التي تعمل خارج الشرعية، فان «معظم الأحزاب اتجهت إلى التنميط، وبدأت تتآكل استقلاليتها بشكلي كبير». تجلى ذلك، على الخصوص، في تشابه الأحزاب من حيث اعتماد الوسائل نفسها، من قبيل «الاعتماد على الأعيان ودعم السلطة، وجعل الاختيارات والأفكار أمرا ثانويا». هذا سيؤدي، حسب البوز، إلى تراجع التصويت السياسي الذي كان ممثلا في العدالة والتنمية وفدرالية اليسار. التحول الثالث هو عودة الرهان القوي على أحزاب الإدارة، التي «يمثل حزب الأصالة والمعاصرة نموذجها الواضح». لكن البام، الذي تأسس لمواجهة البيجيدي، فشل في تأسيس حزب له أفكار ومشروع، لذلك، «تم استبداله بحزب الأحرار»، وتم التخلي عن مؤسسه فؤاد عالي الهمة، وبعده استقال رئيسه إلياس العمري، ليفسح المجال لعزيز أخنوش، رئيس الأحرار، الذي شكل قطبا تدور حوله أحزاب الاتحاد والحركة الشعبية والدستوري لمواجهة البيجيدي.
المؤرخ والجامعي، المعطي منجب، يرى أن المغرب عرف ما بين 1998 و1999 قرارات إصلاحية مهمة، على المستوى الاجتماعي والثقافي، «كمدونة الأحوال الشخصية التي أثرت إيجابا على وضعية المرأة ومكانتها الاجتماعية والاعتبارية، وأسهمت في تحديث العقليات، وفي تعميق وتجذير قيمة المساواة داخل المجتمع المغربي»، كما تم «الاهتمام بالثقافة الأمازيغية، وإعلاء شأنها، وخلق معهد متخصص في دراستها على المستوى اللغوي والحضاري والتاريخي». هذا القرار «رسم التنوع الثقافي واللغوي المغربي»، وسيسهم في حمايته من الاندثار لأن التمدن والتمدرس أصبحا يهددان بشكل خطير المكون الهوياتي الأمازيغي إذا بقي هذا المكون مقصيا من المؤسسات الحديثة، أي المدرسة والإدارة والقضاء والإعلام…».
ويقر منجب بأن هناك ميادين اجتماعية ثقافية أخرى لعب فيها محمد السادس «كشخص وكمؤسسة» دورا تحديثيا، وسيكون لها وقع في مستقبل المغرب، ومن ذلك بعض جوانب السياسة الدينية التي تركز على «إسلام الطمأنينة والإيمان الصوفي»، لكن هذه السياسة ترمي كذلك «مع الأسف، إلى توطيد أركان الحكم السلطوي». وهنا نقطة الضعف الأساسية في سياسات محمد السادس، حسب منجب، وهي «توجهه المحافظ على المستوى السياسي»، فكل ما يتعلق بإعادة توزيع السلطة «أهمله»، كما أنه «تشبث بالطابع التنفيذي للملكية الذي يجعل كل السلط بين يديه»، وهذا التشبث بالسلطة، كل السلطة، «يهدد مستقبل المغرب، لأن التاريخ علمنا أنه لا استقرار دائم ولا تنمية حقيقية ولا ازدهار اقتصادي موزع توزيعا عادلا إلا بالديمقراطية التي تجعل من المغاربة، كل المغاربة، مواطنين متساوين، بما في ذلك مع الملك، «لا عبيدا يسجدون أمامه وكأن المغرب سوق نخاسة كبير»، لذلك يرى منجب أنه «من المستعجل والحيوي إلغاء كل بروتوكولات الإهانة بقرار رسمي وبشكل جذري. فالمغاربة أصبحوا يستحيون أمام الجيران والأجانب من هذه المهانة التي يتعرضون لها دوريا وبشكل استعراضي ومتخلف».
صورة الملك اليوم تبدو، بالنسبة إلى منجب، بعد 18 سنة من الحكم، أنه «الحاكم بأمره، والذي لا يعلو صوت على صوته»، لكن هذا لا يعني أنه لا توجد تحديات، أبرزها التحدي الأساسي وهو التحديث السياسي، «ومعناه أن تكون سلطة القرار بين يدي المؤسسات المنتخبة من طرف الشعب». يقول منجب: «لا يمكن ربط المسؤولية بالمحاسبة إلا في إطار ملكية برلمانية حقيقية يسود فيها الملك ولا يحكم، لأن من يحكم عليه أن يقبل بالمحاسبة الدورية وبالانتقاد الدائم والحيوي لكل

شارك المقال