يبدي عبد الباري عطوان، الكاتب والصحافي، تفاؤله باستقرار الأوضاع في المنطقة العربية، خاصة سوريا والعراق، ويرى أن إسرائيل تنتحر بمساسها بالمقدسات الإسلامية في القدس، ويتحدث، في حواره مع «أخبار اليوم»، عن رأيه في حصار قطر وموقف المغرب منه، وموقفه من شخصية رئيس الحكومة السابق بنكيران.
كيف تتبعت إغلاق سلطات الاحتلال الإسرائيلي المسجد الأقصى والمناطق المحيطة به لأول مرة؟
إسرائيل تطلق النار على نفسها، فقد تجاوزت كل الخطوط الحمراء في الاعتقالات والمجازر والتعذيب، ومصادرة الحقوق، والأكثر من ذلك أنها تخطت أكثر من خط الأحمر، مست موضوع القدس، وإن تمادت أكثر في محاولة تهويده ستنفجر المنطقة بأسرها، لأن ذلك سيؤدي إلى حرب أهلية، وإسرائيل في تاريخها ككل لم تكسب أي حرب دينية، حيث خسرت كل حروبها الدينية على مر التاريخ. هي كسبت معركة فلسطين لأنها كانت علمانية وليست دينية ومدعومة من الغرب وبريطانيا، وإذا استفزت المشاعر الدينية عند مليار ونصف مليار مسلم قطعا ستكون خاسرة. هذا ما يفسر افتراش الناس شوارع القدس، وإصرارهم على إزالة البوابات، فانتصروا، وهنا تتجلى عظمة الشعب. أعتقد أن سنوات إسرائيل السمان قربت نهايتها. نضال الشعب الفلسطيني المستقل لا تقوده حماس أو السلطة أو فتح، أنا أختلف مع كثير من الكتاب الذين يظنون أن ما يحدث في المنطقة يخدم إسرائيل، بل على العكس من ذلك تماما إسرائيل تنتحر رويدا رويدا. سوريا الآن تخرج من أزمتها، وسيخرج الجيش السوري قويا، والعراق ومصر أيضا. الدول العربية التي تطبع مع إسرائيل بدورها تعيش أياما سيئة وانتهى دورها الوظيفي. من كان يتصور خلافا بين السعودية والإمارات وقطر؟ حزب الله حول عمق الجبال إلى مصانع لصناعة الصواريخ، وأصبح في جنوب سوريا بالجولان وغيرها. أعتقد أن المنطقة تعود إلى استقرارها. الأمور تتغير، والشعب الفلسطيني سينفجر في انتفاضة أكبر مما سبق.
تبدو متفائلا بخصوص استقرار الوضع العربي؟
نعم، هناك عدة مؤشرات، فأمريكا أوقفت برامجها لتدريب المعارضة المسلحة، وداعش هزمت في الموصل وأجزاء من العراق، وقريبا ستهزم في الرقة ودير الزور، والوضع السوري يتجه نحو الاستقرار. الجيش وصل إلى الحدود الأردنية وفتحها وبدأ يشرف عليها، هذا كله يعني أن معظم المعابر إلى سوريا اليوم هي تحت سيطرة النظام، وكل هذا يؤكد أن مشروع السنوات السبع العجاف الذي أراد تمزيق سوريا والعراق ومصر انتهى، وبدأت المنطقة تتغير. محور الممانعة حسم الأمور لمصلحته. فترة الهيمنة الخليجية والبترودولار الخليجي على المنطقة والجامعة العربية انتهى. نحن على أبواب إعادة صياغة التوازن في المنطقة.
بخصوص الأزمة القطرية، قرر المغرب اتخاذ موقف الحياد من حصار قطر، بل إنه أرسل طائرة مساعدات، في إشارة رمزية، لكنك سخرت من هذه المبادرة؟
أنا أحب المغرب، ولم أقصد الإساءة أبدا، الناس فسروا كلامي بطريقة أخرى. الكتابة تتطلب أحيانا المداعبة والخروج عن النص، من أجل تجميل الأسلوب، وهناك دائما مزحة أو طرفة يجب ألا تؤخذ خارج هذا الإطار. أنا فوجئت بموقف المغرب، وأقدره، فعندما اتخذ موقف الحياد وتمسك به، أثبت أنه لا يشترى بالمال، بالرغم من كون السعودية والإمارات الأكثر سخاء في ما يخص الاستثمارات والمساعدات، إلا أن المغرب وقف موقفا مشرفا، وقرر أن يكون ضد الحصار أولا، وهو موقف يسجل له، وأن يكون محايدا، وألا يقف بجانب من يقدم أكثر، هو موقف يستحق الإعجاب والمساندة، وسامح الله من أعطى تأويلات أخرى لكلامي.
عارضت أيضا مشاركة المغرب في حرب اليمن؟
نعم، وأنا أعتبر الموقف الحيادي للمغرب إزاء أزمة قطر هو تصحيح لمشاركته في حرب ما يسمى «عاصفة الحزم». أنا عارضت أن يرسل المغرب طائرات إلى اليمن، فاليمنيون من أفقر عشرة شعوب في العالم، كيف يعقل أن نرسل طائرات لقصف هذا الشعب؟ هذا كان خطأ جسيما ارتكبه المغرب، وتصحيحه جاء اليوم من خلال موقف الحياد، وأثبت المغرب أنه لا يشترى.
كيف تنظر إلى المسافة التي اتخذها المغرب تجاه السياسة السعودية، رغم الاحتفاظ بالعلاقات الشخصية بين قيادتي البلدين؟
المشكلة في الدول الخليجية أنها تعتبر المال هو الحاكم، ويستطيع أن يستميل كل الشعوب والحكومات الفقيرة، وهذا تقدير خاطئ. أنا شخصيا قدرت موقف المغرب، بالرغم من قربه من السعودية، على اعتبار العلاقات والملكيات المساندة لبعضها البعض. السعودية تعمل على إنشاء نادٍ خاص بالملكيات، وتحاول أن يبقي المغرب والأردن داعمين ومساندين لها دائما، لذلك أحست بأنها إذا خسرت المغرب ستخسر كثيرا. أنا أظن أن النظام السعودي يحاول أن يتفهم موقف المغرب الحيادي، لكي لا يخسره. هذا كل ما في الأمر. السعودية ليس من مصلحتها أن تخسر المغرب أو أن تعاديه، لكن السؤال الذي لم أجد له جوابا هو: لما لا تستثمر السعودية بشكل كبير في المغرب بالرغم من علاقتها المتميزة به؟ أليس المغرب أحق من ترامب، أم إن الحب مع المملكة المغربية ينحصر فقط في الشق السني ليقف معهم ضد إيران؟ استثماراتهم في المغرب ستكون آمنة ولن تجمد على عكس أمريكا.
بخصوص علاقتك بقطر، حين كنت على رأس جريدة ‘‘القدس العربي’’، كنت أشرس قلم صحافي عربي ضد النظام القطري، حتى إنك غادرت الجريدة نتيجة تلك المواقف، ولكننا نلاحظ أنه شيئا فشيئا بدأت هذه المواقف تتلاشى نوعا ما، خصوصا خلال الأزمة الأخيرة، هل هذا يعني أن قطر أقرب إليك من غيرها اليوم؟
أؤكد أن موقع «رأي اليوم» لايزال ينشر مقالات لا ترضي القطريين والنظام القطري. سؤالك ينطلق من مواقفي الأخيرة من الأزمة القطرية، لأنني اتخذت موقفا مشابها لموقف المغرب، بألا أكون مع أي طرف ضد الآخر. إذا كانت قطر تعاني حصارا، فلمَ لا نكون معها ضد هذا الحصار وإن كنت أختلف معها في كثير من المواقف، فمثلا، لمدة سبع سنوات لم أظهر على قناة الجزيرة، لأنه كانت لدي تحفظات، ولم يرقني موقف الجزيرة في الملف السوري والليبي، وفي الوقت الذي كانت قطر تدعم حراك الشارع الليبي كنت أنا مع الحراك أيضا، لكن اختلفت مواقفنا حين تدخل النيتو. أنا أرفض التدخل الأمريكي أو الأجنبي لأنه يؤدي إلى دول فاشلة وممزقة وغير مستقرة. نحن نتفق ونختلف. أنا لا أكتب من منطلق الحقد أو الكراهية، بل أقيم مواقفي السياسية حسب الواقع السياسي.
لكنك أصبحت تشتكي تضييق بعض الدول العربية عليك، باستثناء المغرب وتونس. هل نفهم من هذا أن هناك حصارا مفروضا على عبد الباري عطوان من قبل الأنظمة العربية بسبب مواقفه؟
نعم، هناك حصار مفروض علي من قبل بعض الأنظمة العربية، للأسف، وهذا لا يضيرني أبدا في شيء، فمثلا كل الخليج تقريبا أغلق أبوابه في وجهي، ولا يوجهون إلي دعوات إطلاقا، حتى إن أخي القاطن في السعودية لا يمكن أن أزوره هناك، وألتقيه في المغرب أو دول أخرى. في وقت سابق كانت هناك منافذ في دولة الإمارات، ولكن بعدما وقفت وقفتي ضد حرب اليمن، وعارضت هذه الحرب، ورفضت قتل وحصار وتشريد وتجويع أشقائنا اليمنيين، أغلقت الإمارات بدورها الأبواب في وجهي، ولم تطأ رجلي الخليج منذ أزيد من ثلاث سنوات، وهذا لا يضرني أبدا، ربما تلك الدول هي التي تنظم أكبر الملتقيات والجوائز والمهرجانات، ولكني أؤكد لكم أن الجائزة الوحيدة التي قبلت بها، وأفتخر بها كثيرا، هي جائزة المرحوم المهدي المنجرة، جائزة شمال جنوب، وكان شرفا لي أن أتلقاها لأنها لامست عمق جوارحي، أما باقي الجوائز فلا تهمني ولا أقبلها.
بعد انطلاق حراك الريف في المغرب، هناك من روج أن هناك مؤامرة تحاك ضد المغرب، وأن أجندات خارجية تحاول استغلال الحراك؟
نعم، هناك مؤامرات خارجية، حيث اعترفوا في فرنسا أخيرا بأن ساركوزي أراد الانتقام من معمر القذافي، وفبرك الثورة الليبية، وهذا موثق بدلائل، لأن القذافي كان مهتما بإفريقيا ووحدتها والاتحاد الإفريقي، وكان يريد عملة إفريقية مدعومة بالذهب. هناك مؤامرات تحاك ضد العرب، ودعيني أكون أكثر وضوحا، كنت التقيت ريتشارد بيرل، الذي كان نائب وزير الدفاع الأمريكي، ويسمى أمير الظلام، كنت قد واجهته في حديث شخصي على هامش أحد اللقاءات، وقلت له: ‘‘كنتم تعلمون جيدا أنه لا توجد أسلحة دمار شامل في العراق، ورغم ذلك تدخلتم ودمرتم البلد’’، فأجابني: ‘‘نعم، كنا نعرف ذلك، وكان أمامنا خياران؛ الأول أن نترك للمفتشين الدوليين مهمة تقرير إن كان هناك أسلحة، وسيصلون إلى نتيجة أنه لا توجد أسلحة، ما سيضطرنا إلى رفع الحصار عن العراق، ويتحول صدام إلى بطل، ويعيد بناء أسلحته الكيماوية والنووية في خمس سنوات لأنه يملك العقول، ولكننا تمسكنا بالخيار الثاني، أي غزو العراق’’، هذا يعني أننا جميعا مستهدفون، والمغرب واحد من الدول التي يسعون إلى تفتيتها وإشعال الفتنة بها. أنا أقول هذا من حبي للمغرب وحرصي عليه. لكن، بخصوص حراك الريف، أرى أنه ظاهرة مغربية خاصة، فرضته أحداث مغربية وليست دولية. هو حراك مشروع بدأ بمقتل بائع سمك، ليتطور بعدها إلى المطالبة بمطالب أكبر، وهي محاربة البطالة والتوزيع العادل للثروة.
أبديت إعجابا كبيرا بشخصية رئيس الحكومة السابق عبد الإله بنكيران، لماذا؟
بنكيران كان يشكل حالة خاصة، وجاء في وقت صعب وحرج بالنسبة إلى المغرب، واستطاع أن يستمر في السلطة حوالي ست سنوات. كانت هذه السنوات صاخبة في المغرب، وقاد السفينة في مرحلة حرجة، له ما له وعليه ما عليه، لكن هذه الشخصيات السياسية المثيرة للجدل تعجبني، لأنها تعطي حياة إضافية للحياة السياسية، هذا كل ما في الأمر، بالرغم من أني لم ألتقه أو أقابله قط.
في تقديري، هو رجل مقامر ومتميز بشكل كبير. أتمنى ألا يتكرر سيناريو حزب الاتحاد الاشتراكي الذي قبل الدخول للحكومة وخسر كثيرا في عهد عبد الرحمان اليوسفي، فالعدالة والتنمية يشكل استثناء. أنا أتابع تجربته لنرى كيف ستجري الأمور. بالرغم من بعض تحفظاتي عليه، أعطى بنكيران نكهة للسياسة المغربية، فقد كانت الحكومات المغربية المتوالية كالطبخ الإنجليزي بلا طعم، إلى أن أعطاها بنكيران نكهة.