استقرار المغرب وسلامة مستقبله السياسي، يتوقفان بشكل كبير على كيفية تدبير الملك محمد السادس للمرحلة الراهنة، ومدى قدرته على مواكبة التطورات الاقتصادية ومواجهة المتغيرات السياسية الطارئة، من خلال تحديث النظام السياسي وملاءمته مع طبيعة ما يقتضيه الوضع الراهن، هذا ما اعتمده معهد « مونتان » الفرنسي، معيارا لتحديد ملامح المرحلة المقبلة، من خلال تقرير أصدره، يتناول آثار السياسة الفرنسية في منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
التقرير الذي حمل عنوان « عالم عربي جديد، سياسة عربية جديدة لفرنسا »، قرع منهجية تعامل السلطات المغربية مع الاحتجاجات الشعبية، واعتبر أن آخر مظاهر نهجها المقاربة الأمنية في التصدي للمظاهرات السلمية، ما قوبل به حراك الريف من طرف السلطات العمومية، كما عرج على التضييق الممارس من قبل الأجهزة الأمنية على المنظمات غير الحكومة، خاصة تلك التي تنشط في مجال الحريات وحقوق الإنسان، مشيرا إلى تحكم الدولة في وسائل الإعلام، رغبة منها في « تحقيق الإجماع حول شخص الملك ».
وأبرز مضمون التقرير،، أن تصدر حزب العدالة والتنمية الانتخابات، وتمكنه من شغل حيز واسع من المشهد الحزبي والسياسي، بل وبلوغ رأس الحكومة، جاء بـ »مباركة من القصر »، الذي سمح لذلك أن يحدث، مبرزا أن الحزب صاحب المرجعية الإسلامية، فرض عليه رئيس حكومة مذعن طيع، غير مستقل القرار، وشعبيته ضعيفة مقارنة بسلفه عبد الإله بنكيران.
من جهة أخرى، لم يكتف التقرير، فقط، بتسليط الضوء على النقاط السلبية في الشق المتعلق بتقييم وضع المملكة المغربية السياسي والاقتصادي، ولكنه تحدث أيضا عن مواطن قوة البلد وتميزه، فذكر منها استقراره الذي صمد في المنطقة، رغم المحيط الإقليمي المتوتر، والحظوة الكبيرة للمؤسسة الملكية لدى جزء واسع من الشعب، لكونها تجسد الهوية المغربية وتعكس أصالة وامتداد التاريخ الوطني للبلد، إضافة إلى صورة الملك أمير المؤمنين الذي يتمتع بـ »هالة دينية ».
الملك الذي شغل حيزا واسعا في التقرير، اعتبر حكيما حين استباقه تداعيات الحراك الشعبي سنة 2011، من خلال تطوير الدستور وتضمينه تغييرات جذرية، وعدم دخول البلاد في أي حرب أهلية، أو ثورة شعبية منذ توليه العرش، فالقصر حسب المصدر، يلعب ورقة هيبته بمهارة ودقة لضمان اجتماع المواطنين حوله.
في مقابل ذلك، يحتل المغرب درجة متأخرة مقارنة بمحيطه، على مستوى تمكين باحثيه وعموم مواطنيه من الولوج إلى المعرفة، مشيرا إلى أن الأمر يتضاعف إذا تعلق بالنساء، فرغم مبدأ الملك محمد السادس تمكين جميع المواطنين من الولوج إلى التعليم خلافا لوالده، تظل نسب محو الأمية في المجتمع المغربي، ودرجة تحرير المرأة وإتاحة الفرصة لها بغية ولوج باب التعليم العالي، خجولة، وهو ما قد يؤدي، حسب التقرير، إلى مضاعفة احتمال تعرض البلاد إلى أزمات سياسية مستقبلا، كما هو شأن مجموعة من بلدان شمال إفريقيا ودول عربية أخرى.
من جهة أخرى، تناول التقرير الوضع في الجزائر، معتبرا أن هذه الأخيرة ظلت منذ سنوات خلت، في صراع دائم مع خصمها المغرب، وقد تم تقييمها باعتبارها بلدا غير مستقر، منذ نهاية الحرب الأهلية، كما وصف اقتصادها بالهش، وذلك نتيجة هيمنة نظام العسكر على ثروات البلاد، واختلال التوازن بين مستويات إنتاج النفط، ومدى استفادة عموم المواطنين من العائدات.
واستشرف التقرير ضعف قدرات إعادة توزيع النفط إذا استمر هبوط سعره، على غرار الدول الريعية الأخرى، كما وصفها المصدر، مشيرا إلى أن الاستنزاف المتواصل لمواردها الغازية، لمدة 10 أو 15 سنة المقبلة، سيزيد وضعها تعقيدا، وستكون له نتائج وخيمة، أكثر مما كان متوقعا.