القمع ليس حلا 

30/08/2017 - 18:01
القمع ليس حلا 

بين الحين والآخر لا بأس أن نرفع رؤوسنا من طنجرة شؤوننا الداخلية، وهي صغيرة في الغالب، وأن نتطلع إلى العالم «المتحضر» حولنا كيف يفهم مشاكلنا؟ وكيف يرى حلها؟ الأعمال البربرية التي قامت بها كتيبة مغربية/إسبانية في برشلونة أعادت إلى واجهة السجال العالمي الموقف من الإسلاميين، معتدلين ومتطرفين، إخوانيين وداعشيين، وتجدد السؤال حول أفضل الطرق للتعامل مع «الإسلام السياسي».

واحدة من أفضل المجلات في العالم The Economist البريطانية خصصت افتتاحية العدد الأخير لموضوع: «الإسلام والديمقراطية»، حيث ناقشت ثلاث فرضيات خاطئة حول طرق التعامل مع الإسلاميين، مقترحة حلا ليبراليا ذكيا وبراغماتيا أرى من المفيد عرضه هنا وترك التعليق للقارئ.

لنبدأ بالفرضيات الخاطئة التي تقول المجلة إنها تهيمن على عقول الحكام العرب، وعلى شركائهم في الغرب، إزاء التعامل مع الإسلام السياسي. الفرضية الأولى تقول إن الإسلاميين كلهم متشابهون، ولا فرق بين معتدل ومتطرف سوى في المظهر والأسلوب. الفرضية الثانية تقول إن الإسلاميين خطر على الديمقراطية ولا يستطيعون تعلم قواعدها، أما الفرضية الثالثة فترى أن الحل هو قمعهم والتخلص منهم خارج اللعبة، لأن متطرفيهم يعبرون، عادة، من الطريق التي يرسمها معتدلوهم.

‘‘لنبدأ -يقول كاتب الافتتاحية في المجلة المذكورة- بالخلط الذي يسقط فيه أنصار فكرة تشابه الإسلاميين كلهم. يرى المنتقدون أن حركات الإسلام السياسي لا تختلف إلا بقدر ضئيل عن الحركات الجهادية، مثل القاعدة و«داعش»، بما أن كلا المجموعتين تطمحان إلى تأسيس خلافة إسلامية تحت حكم الشريعة، حيث يوجد الاختلاف فقط في الوسائل والتوقيت. أسوأ من ذلك، يرى هؤلاء أن الإسلام السياسي يكون دائما طريقا سالكا نحو الجهاد العنيف’’. في الجواب عن هذا الكليشيه تقول المجلة: «إن صهر كل هذه المجموعات الإسلامية المتباعدة والمتناقضة مع بعضها عمل تبسيطي جدا. الجهاديون العنيفون يستندون إلى مصادر متعددة لتبرير أفعالهم الدامية، ليس أقلها السلفية الأصولية الوهابية بالسعودية، التي تتنافس مع الإخوان. الجهاديون يكرهون الإسلاميين المعتدلين، لتركيز هؤلاء على التقوى والخدمات الاجتماعية والانتخابات، فيما يعتقد المتطرفون، مثل داعش والنصرة والقاعدة، أن القوانين التي يشرعها البشر تعد إهانة للقوانين الإلهية. لذلك، فالتعامل مع كافة الإسلاميين على أنهم جهاديون يقترب من وضع الديمقراطيين الاشتراكيين ومنظمة الألوية الحمراء الإيطالية في سلة واحدة بحجة أن كليهما يقرآن لكارل ماركس».

ماذا عن استحالة تعلم «الملتحي» عقيدة الديمقراطية، وأنه مهما فعل فلن تدخل إلى مسام جلده مياه الاختيار الديمقراطي؟ عن هذا الكليشيه تقول المجلة البريطانية «ذي إيكونميست»: «الهاجس هنا هو أنه حتى الحركات الإسلامية السلمية تتعامل مع الانتخابات كتكتيك. أردوغان، الرئيس التركي، كان في وقت سابق إسلاميّا نموذجيا، متساهلا في شؤون التدين، ومتشددا في الإصلاحات الليبرالية. هذه الأيام، بينما يشن حملة تطهير على أعداء حقيقيين ومتخيلين، صار بنفس سوء المستبدين العرب الذين كان ينتقدهم ذات مرة، غير أنه يواصل الفوز في الانتخابات. في مصر، بدا الرئيس الإسلامي الذي حكم لمدة قصيرة، محمد مرسي، كما لو أنه رئيس للإخوان فقط. ثبّت الإخوان في مختلف مناصب الإدارة، وأعلن نفسه فوق سلطة القضاء ‘‘غير النزيه’’. استبعد الأحزاب الأخرى، ما تسبب في اندلاع تظاهرات جماهيرية». ما هي دلالات هذا السلوك غير المنضبط لشرعة الديمقراطية؟ يرى كاتب الافتتاحية أن الأمر يعود بالأساس إلى البيئة التي نشأ فيها الاثنان (أردوغان ومرسي). لنتأمل طريقة أخرى في النظر إلى الأشياء: «منتقدو الإسلام السياسي يرون أن أردوغان ومرسي غير مؤهلين للحكم لأنهما إسلاميان، لكن، في الحقيقة، هناك تفسيرا آخر، وهو أن هذين الرئيسين قلدّا أساليب الاستفراد بالسلطة التي تحترفها القوى الدفينة (الدولة العميقة) بمصر وتركيا. الرئيسان كانا يطمحان من وراء تقليد تلك الأساليب إلى الحؤول استباقيا دون استعادة ‘‘الدولة البوليسية’’ السلطة من جديد. في حالة مرسي أخفق الأمر، لكن أردوغان مستمر».

ومع ذلك تحذر المجلة من إغراء التعميم، وتقدم نموذجا آخر لإسلاميين معتدلين تصرفوا كديمقراطيين، في حالتي تونس والمغرب: «هناك مثال أكثر مدعاة إلى التفاؤل هو تونس، البلاد التي انطلقت منها الانتفاضة العربية. تجنبت البلاد كلا من فوضى الحرب الأهلية في ليبيا، وقبضة البوليس السري في الجزائر ومصر. كان للنهضة، التي تعرف نفسها بكونها حزبا إسلاميا ديمقراطيا، بعد نظر جيد، جعلها تتقاسم السلطة مع مجموعات علمانية، بل انتهت إلى التنازل لها عن السلطة في أوج وزنها السياسي والانتخابي. كانت تعرف أن انتقالا ديمقراطيا هشا بحاجة إلى توافق واسع. في المغرب أيضا تنازل الملك عن بعض سلطاته للبرلمان، وسمح لرئيس حكومة إسلامي بقيادة تحالف واسع».

أما الخطأ الثالث الذي تنبه المجلة إلى خطورته وكلفته، فهو القمع أو سياسة الاستئصال تجاه نبتة الإسلاميين الطالعة من الأرض: «من الخطأ الاعتقاد بأن الدول الغربية قادرة على التعامل مع نواقص الإسلام السياسي بالاعتماد على ملوك عرب مستبدين ورؤساء جمهوريات مدى الحياة. سجلات هؤلاء رهيبة. من حكم الشاه الديكتاتوري الذي قاد إلى ثورة 1979، مرورا بفظاعات صدام حسين بالعراق، إلى الانقلاب الذي أجهض النجاح الانتخابي للإسلاميين بالجزائر في سنة 1992، وصولا إلى سحق بشار الأسد للمتظاهرين في سوريا عام 2011. القمع ينتج، في أحسن الحالات، استقرارا هشا، وفي وأسوأ الحالات حربا أهلية.. انتبهوا».

ما هو الحل بنظر المجلة الأكثر تأثيرا في القرار في بريطانيا وخارجها؟ تحت عنوان: «لا السيسي ولا داعش»، كتبت المجلة منظورها للمخرج من المأزق الذي توجد فيه الأمة العربية: «القمع وسوء الحكم مهدا الطريق لأزمة العالم العربي، ولن يكون بالإمكان القضاء عليهما في وقت قريب. رغم ذلك، يبقى الاستبداد طريقا مسدودا. من بين كافة الاختيارات السيئة المطروحة في المنطقة، الاختيار الوحيد للخروج من هذا الوضع هو فتح تدريجي للاقتصادات والأنظمة العربية. هذا يعني ترك الإيديولوجيات تتنافس طالما أنها تنبذ العنف وتحترم المعايير الديمقراطية. وعلى المنافسة أن تضم الإسلاميين، لأن الإسلام مركزي جدا بالنسبة إلى المجتمعات الشرق-أوسطية».

الكاتب الغربي ليست له أوهام حول حل سريع أو سحري لأزمة هذه القطعة الجغرافية التائهة في بحر الظلمات، لذلك يقول: «أكيد أن منتسبي الإسلام السياسي ليسوا هم النسخة العربية للديمقراطيين المسيحيين، رغم ذلك، يمكنهم أن يكونوا براغماتيين، ولا يمكن تجاهلهم. عوض السعي إلى سحقهم كلهم، ما سيؤدي إلى توحيدهم وتحويلهم إلى الراديكالية، يجب أن يكون المسعى هو العمل مع المعتدلين، والبحث عن إصلاح المتشددين، ومكافحة الأشد خطورة. بهذه الطريقة، يمكن للإسلاميين أن يشكلوا جدارا ضد العنف الجهادي، وليس طريقا سالكا نحوه». بدون تعليق.

شارك المقال