كان لنا معلم محتال في الابتدائي، عندما ينسى شيئا يقول لنا وهو يلوح بعصا السفرجل: «سمي الإنسان إنسانا لأنه ينسى»، وعندما ننسى نحن «البركار» أو «المنقلة» أو«قراءتي» يتغير تعريف الإنسان، وينزل علينا بالعصا إياها وهو يردد: «النسيان من عدم الاهتمام»… بفضله تعرفنا مبكرا على الظلم وصرنا نتفنن فيه، وتعلمنا أن المسؤولية، في أحايين كثيرة، تعني «الكيل بمكيالين»، وأن النسيان «لعبة» بأكثر من وجه، يمكن أن تُقرأ بأكثر من تأويل. تارة يكون النسيان عفويا، وتارة مقصودا، وأحيانا لا يغتفر.
عندما كبرنا، عرفنا أننا شعب يحب النسيان، الدليل على ذلك أنه عندما يموت أحد المبدعين، لا نخسر عليه أكثر من «الله يرحمو مسكين»، مع روبورتاج رديء عن تشييعه في نشرة الأخبار. وإذا كان محظوظا، يُقام له تكريم يشبه الجنازة، تُعدد فيه مناقب الفقيد قبل أن يشطب نهائيا من الذاكرة. «الحي أبقى من الميت». أحيانا يجري الحديث عن مؤسسة تحمل اسمه لمدة شهر أو شهرين، قبل أن ينساه الجميع وينصرفون إلى أشياء أهم. أين مؤسسة محمد شكري؟ وأين مؤسسة محمد القاسمي؟ وأين ذاكرة محمد زفزاف، ومحمد خير الدين، وإدريس شرايبي ومحمد لفتح وأحمد بركات… وغيرهم؟
نحن البلد الوحيد، الذي يبول فيه الناس على الجدران الأثرية بلا مشاكل، رغم أنها جريمة يستحق مرتكبها أن يُساق إلى المحكمة قبل أن يربط حزام سرواله. ولعل أبلغ صور الجحود هي تلك التي تجري في مراكش، في أحد أزقة المدينة العتيقة، حيث يتبول العابرون على قبر يوسف بن تاشفين دون رادع، ولا شك أن مؤسس الدولة المرابطية يأكل التراب ندما لأنه لم يوص بدفن جثمانه في الأندلس، التي كان يحكمها مثلما يحكم المغرب، هناك كان سيحظى قبره بالاحترام الواجب من طرف الإسبان!
نحن شعب لا يحب أن يتذكر، شعاره المفضل في الحياة: «عفا الله عما سلف». والسبب، ربما، يرجع إلى «التروماتيزم» العميق الذي خلفته «سنوات الجمر» في العقليات والنفسيات. نعرف أن هناك أشياء جميلة في الماضي، لكن نعرف، أيضا، أن فيه أوفقير وتازمامارت والصخيرات والبصري وبنبركة وجثث تفتش عن قبور، ونفضل النسيان. ولا يبدو أننا سنُشفى عما قريب. «الوصفة الطبية» التي أوصت بها «هيئة الإنصاف والمصالحة» في عهد المرحوم إدريس بن زكري لم يتم احترامها: أن تجلس المريض على أريكة كي يتكلم ليست إلا بداية العلاج، ونحن توقفنا عند مرحلة الأريكة، وبدل أن نكمل الحصص، أعطينا للضحايا نقودا كي تساعدهم على النسيان، لذلك مازالت أعراض المرض على حالها. وها هو التضييق على الحريات، وقمع التظاهرات، والاعتقالات العشوائية، والمحاكمات الصورية، وسجن الصحافيين، والتحرش بالجمعيات الحقوقية، وشتى أصناف الانتهاكات… تعود إلى المشهد ونتعود عليها بالتدريج، كأننا لم نستفد شيئا من دروس الماضي. بل إن البعض صار يدافع عنها، باسم الخطر الإرهابي وحماية المقدسات والدفاع عن الوطن. المقدسات والوطن والأمن فوق رؤوس الجميع، لكن الدفاع عنها يمر عبر الحرية واحترام القانون وحقوق الإنسان، لا عبر الشطط في استعمال السلطة ورفع العصا الغليظة في وجه من لا يعجبون المزاج الأمني المعكر… مع الأسف، يبدو أن هناك إرادة لدفع المغاربة إلى نسيان كل شيء، والبدء من الصفر!