سلّطت الخرجة الأخيرة التي قام بها الأمين العام لحزب الاستقلال، حميد شباط، الأضواء من جديد على استقلالية الأحزاب السياسية الآخذة في الاندثار. شباط اتهم رجل الدولة الجديد في الحقل الحزبي، عزيز أخنوش، بدعوته إلى رفض الانضمام إلى تحالف عبد الإله بنكيران بعد فوزه بانتخابات 7 أكتوبر الماضي. شباط، الذي بات هو وحزبه يجسّدان في الفترة الأخيرة النموذج الأبرز لمعركة تطويع ما تبقى من استقلالية الأحزاب السياسية، خرج بداية هذا الأسبوع ليقول إن رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، طلب منه الامتناع عن التحالف مع رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، وانتظار فشله في تشكيل الأغلبية لينضم حزب الاستقلال إلى أغلبية يقودها حزب الأصالة والمعاصرة.
هذه الخرجة تضيف فصلا جديدا إلى حكاية الحرب المفتوحة ضد حزب الاستقلال، منذ رفضت قيادته المشاركة في ما يعرف باجتماع 8 أكتوبر، الذي حاولت فيه الأحزاب المنهزمة في الانتخابات منع حصول بنكيران على أي حليف لاستكمال الأغلبية. لكن الفصول الأولية لهذه القصة كتبت حين وصل شباط نفسه إلى قيادة حزب الاستقلال، حيث اتجهت أطراف ساعية إلى محاصرة الفعل الحزبي إلى تجريب إحدى أولى المناورات الكبرى للالتفاف على الاختيار الديمقراطي الذي أفرزته الانتخابات التشريعية للعام 2011.
علاقة الأحزاب السياسية بالدولة ومدى استقلاليتها عنها، طرحت بقوة في السنوات الأخيرة. فالاتحاد الاشتراكي، ورغم أن اندحاره وتراجعه الانتخابيين بدآ منذ العام 2007، فإن انهياره السياسي بدأ مع مؤتمره الوطني التاسع عام 2012، حين تحول الراحل أحمد الزايدي إلى معارض للقائد الجديد للحزب، إدريس لشكر، متهما إياه بالاستفادة من دعم جهات في السلطة من أجل الوصول إلى موقع الكاتب الأول، فيما خرج كل من علي اليازغي وعبد العلي دومو حينها ليتحدثا عن اتصالات قام بها رجال السلطة للتأثير على مسار المؤتمر.
تفجير ألغام ضعف الاستقلالية لن يسلم منه حتى حزب الدولة. فالأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، إلياس العماري، استقال أخيرا من قيادة الحزب، لكنه في أعين المراقبين أقيل. وهذه الأزمة الجديدة التي يمر منها حزب الجرار تكشف بدورها جانبا آخر من علاقة الدولة بالأحزاب، بما فيها تلك التي تخرج من رحمها. وصعود قيادات حزبية جديدة في السنوات القليلة الماضية، مستفيدة من الكاريزما الشخصية والبنية الحزبية الصلبة التي حملت عبد الإله بنكيران إلى معارك سياسية وإعلامية مفتوحة مع بعض من مراكز القرار والحكم، تلاه بروز نماذج أخرى «مشابهة»، مثل الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، محمد نبيل بنعبد الله، الذي كان موضوع «توبيخ» علني غير مسبوق الصيف الماضي.
أما الحزب الأكثر شعبية وتنظيما وقربا ممن تبقى من مؤمنين بالإصلاح، حزب العدالة والتنمية، فلم يعد بدوره بعيدا عن هذه الموجة التي تضرب جميع مكونات الطيف السياسي. ومنذ أقدم هذا الحزب على تنازلات اعتبرها البعض مهينة للبقاء على رأس الحكومة؛ باتت استقلالية قرار هذا الحزب، المنحدر من الحركة الإسلامية، تحت المجهر. الأمين العام لهذا الحزب، عبد الإله بنكيران، ذهب، في أول خروج له بعد فترة الصمت التي أعقبت إعفاءه من رئاسة الحكومة، إلى الحديث عن تعرّض الحزب للمؤامرة وتهديد استقلالية قراره. «إذا كنا سنفقد استقلالية قرارنا الحزبي غير الله يهنيكم، وإذا قدّر الله ووقع شيء من ذلك، فإن العدالة والتنمية لن يكون مثل الاتحاد الاشتراكي، الذي لم تظهر فيه المشاكل إلا في المراحل الأخيرة. نحن سننهار مرة واحدة، لأن الناس ديالنا ما كايعرفوش يبقاو شادين فشي حاجة تبدو لهم عوجة»، يقول بنكيران.