وفاة العشعاشي.. مسؤول المخابرات المغربية يغادر في "صمت"

27 سبتمبر 2017 - 17:00

في صمت وبعيدا عن الأًضواء، وعن عمر يناهز 88 عاما، توفي بالرباط الجمعة الماضي، عبد الحق العشعاشي، أحد مسؤولي المخابرات المغربية، الذي تردد اسمه كثيرا في قضية اختطاف واختفاء المهدي بنبركة.

كان عبد الحق العشعاشي إلى جانب أخيه محمد العشعاشي، المنحدرين من مدينة وجدة، من مؤسسي جهاز المخابرات الكاب1 في بداية الستينات. محمد العشعاشي توفي سنة 2003، بعدما كان رئيسا لـ”شعبة مكافحة التخريب” في الجهاز، في حين كان عبد الحق أحد مسؤولي الجهاز.

منذ اختطاف المهدي بنبركة سنة 1965، كان اسم ميلود التونزي، الملقب بـ”العربي الشتوكي”، هو الذي يتردد كثيرا في التحقيقات، وهو عميل في جهاز المخابرات كاب1، لكن التصريحات التي أدلى بها عميل المخابرات السابق أحمد البخاري منذ سنة 2001، ستكشف أن الأخوين العشعاشي كان لهما دور في موضوع اختطاف واختفاء بنبركة.

قال البخاري في تصريحاته إن التونزي اشتغل تحت إمرة محمد العشعاشي، الذي اعتبره “الرأس المدبر” لعملية اختطاف بنبركة، وأن التونزي اتصل هاتفيا بالعشعاشي ليبلغه بأن عملية اختطاف بنبركة بمساعدة عناصر أمن فرنسية ومرتزقة تمت بنجاح، بل إن البخاري أكد أن الأخوين العشعاشي حضرا إلى الفيلا التي قتل فيها بنبركة في باريس.

حسب شهادة البخاري، فإن بنبركة لقي حتفه في الساعة الـ3 من فجر يوم السبت 30 أكتوبر 1965، في إحدى الفيلات في فونتناي ـ لو فيكونت بالقرب من باريس. بعدها “تم نقل جثته إلى الرباط ليتم تذويبها في مادة أسيد”.

البخاري يقول إن الأخوين العشعاشي كانا حاضرين في هذه الفيلا التي أعدها جورج بوسيش، أحد المرتزقة الفرنسيين الذين اختطفوا المهدي. أكثر من هذا يشير البخاري إلى أنه كان مداوما في مكتب الهاتف في كاب1، في تلك الليلة عندما تلقى اتصالا من العشعاشي من باريس، يطلب منه أن يبلغ الجنرال أوفقير أن العملية ضد المهدي تمت بنجاح.

هذه الشهادة المثيرة دفعت موريس بوتان، محامي عائلة المهدي بنبركة، ليطلب من القاضي الفرنسي، بارلوس، الاستماع إلى شهادة البخاري في هذا الملف، وفعلا تمت إنابة قضائية، وتولى قاضي مغربي الاستماع إلى شهادة البخاري، لكن هذا الأخير، حسبما قال المحامي عبد الرحيم الجامعي لـ”أخبار اليوم”، شك في إمكانية تحريف شهادته، فقرر كتابة شهادة وإرسالها إلى القاضي الفرنسي عبر البريد.

فيما بعد تقرر أن يسافر البخاري إلى باريس للإدلاء بشهادته أمام القضاء الفرنسي، حول دور الأخوين العشعاشي، لكن سلطات الدار البيضاء رفضت منح جواز سفر للبخاري، ما دفع المحامي الجامعي إلى مقاضاة والي الدار البيضاء آنذاك إدريس بنهمية، وربح القضية واستخرج الجواز، لكن يقول الجامعي: “حصلنا على الفيزا وعلى تذكرة الطائرة، لكنني فوجئت في آخر لحظة برفض البخاري السفر معي إلى باريس للإدلاء بشهادته، بدعوى أنه يريد ضمانات حتى لا يمسه سوء”.

ويتذكر الجامعي أن محامين اتحاديين وضعوا شكاية ضد العشعاشي بعد شهادة البخاري، وتولى القاضي الذي تم تكليفه بالملف، إحالتها على النيابة العامة، لكن الملف تم طيه.

في سنة 2007، سيحصل تطور جديد، بعدما أصدر القاضي الفرنسي باتريك رماييل، الذي تولى التحقيق في قضية بنبركة، إنابة قضائية من أجل الاستماع إلى عدد من المسؤولين المغاربة، منهم عبد الحق العشعاشي.

كان حينها الاتحادي الراحل محمد بوزوبع هو وزير العدل، ومع ذلك لم تستجب السلطات المغربية للطلب، بل تم ترحيل القاضي الفرنسي من مطار محمد الخامس، بدعوى أنه أخفى هويته عند دخوله للتراب المغربي.

العشعاشي لجأ للدفاع عن نفسه بعد صدور الاتهامات ضده، فكلف محامي القصر السابق ووزير العدل الراحل محمد الناصري، برفع دعوى قضائية ضد أحمد البخاري واتهمه بالقذف. أدلى دفاع العشعاشي بوثيقة يبرز فيها بأن البخاري كان موقوفا عن العمل في إطار عقوبة تأديبية خلال الفترة التي يقول إنه كان يشتغل “عامل هاتف” في جهاز كاب1، لكن دفاع البخاري، ممثلا في النقيب عبد الرحيم الجامعي، اعتبر أن الوثيقة “مزورة”، لكن المحكمة قضت في النهاية ضد البخاري.

وخلال تحقيقات هيئة الإنصاف والمصالحة، تركز الاهتمام على شخصية ميلود التونزي، الذي تردد اسمه في التحقيقات، تحت اسم “العربي الشتوكي”. كان التونزي أحد رجال العشعاشي، وقد استمعت إليه الهيئة لمدة 3 ساعات، بحضور ياسين المنصوري، مدير عام لادجيد، وحسب ما جاء في كتاب “كذلك كان”، لمؤلفيه شوقي بنيوب وعباش بودرقة، فإن الاختراق الأساسي الذي تم خلال هذا الاستجواب، هو اعتراف التونزي بأنه كان يسافر بجواز سفر مغربي تحت اسم “العربي الشتوكي”، ويعلق صاحبا الكتاب بالقول “كم كانت هذه الحقيقة مهمة، لأن هذا الاعتراف يؤكد في حد ذاته ولو لوحده، صدقية الوثائق المتوفرة التي تحمل اسم العربي الشتوكي”. لكن لماذا لم تستمع هيئة الإنصاف والمصالحة للعشعاشي؟

يقول عباس بودرقة، أحد مسؤولي الهيئة، لـ”أخبار اليوم”، إن “العشعاشي كان شخصية أساسية في الكاب1، لكننا ركزنا على شخصية التونزي الذي تردد اسمه طيلة التحقيقات والمحاكمات المتعلقة بملف المهدي”، مضيفا أن “الإنجاز المهم هو أننا تأكدنا أن التونزي هو نفسه الشتوكي، وهذا في حد ذاته إنجاز مهم”.

تبقى هذه هي الحقيقية الوحيدة التي توصلت لها الهيئة، ليبقى ملف بنبركة مفتوحا بعدما دُفن جزء من أسراره مع وفاة العشعاشي.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.