بونعيلات حمل على كتفيه بومدين من باخرة للأسلحة.. واليوسفي يكشف قصته

02/10/2017 - 07:01
 بونعيلات حمل على كتفيه بومدين من باخرة للأسلحة.. واليوسفي يكشف قصته

تصوير: رزقو

منذ أكثر من أسبوع يرقد محمد آجار، الملقب ب »سعيد بونعيلات » في المستشفى في حالة غيوبة، ويتلقى زيارات شبه يومية من صديقه عبد الرحمان اليوسفي، رئيس حكومة التناوب التوافقي. إنه أحد أبرز قادة المقاومة المغربية منذ الأربعينات والذي تولى فيما بعد منصب رئيس المجلس الوطني للمقاومة وجيش التحرير. اليوسفي، متأثر لحال صديقه، ولهذا لم يتردد في تقديم شهادته في حق بونعيلات « لأخبار اليوم »، واصفا إياه ب »الرجل العظيم الذي قدم للمغرب الشيء الكثير ». بونعيلات رجل « أمي » لكنه « صلب و قائدا ميداني كبير » للمقاومة في الدار البيضاء، شارك الى جانب اليوسفي في تأطير العمال في الحي الصناعي، وتنظيم خلايا المقاومة، ولكنه بعد الاستقلال غادر الى الجزائر، قبل أن يغادرها الى إسبانيا بعد وصول هواري بوميدن الى الحكم إثر انقلاب عسكري، لكن سلطات مدريد سلمته للمغرب الذي حكم عليه بالإعدام ثم بقي في السجن سنوات قبل أن يتم الافراج عنه. فما قصة هذا الرجل، وما علاقته باليوسفي؟

أصيب بونعيلات قبل أسبوعين، بوعكة صحية فنقلته عائلته الى إحدى مصحات الدارالبيضاء، لكن وقع له حادث داخل المصحة بسقوطه أرضا خلال فترة العلاج وإصابته في الرأس ما أدى الى ارتجاج في رأسه ونزيف دخل إثره في غيبوبة الى الآن (أسرته تدرس متابعة المصحة). لما علم اليوسفي بالأمر، أخذ على عاتقه الاتصال بالقصر الملكي، للتدخل لانقاذ صديقه، وفعلا تم يوم الجمعة الماضي (قبل أسبوع) نقل بونيعلات من المصحة الى مستشفى الشيخ خليفة بالدار البيضاء، حيث يرقد في العناية المركزة. يقول اليوسفي لأخبار اليوم، إنه منذ دخول صديقه للمستشفى يحرص على زيارته يوميا، حتى إن الحالة الصحية لليوسفي، تدهورت بسبب كثرة هذه الزيارات، لكنه مصر على أن يراه يوميا ويخشى أن يتوفاه الله.

عبد الرحمان اليوسفي  يزور بونعيلات - تصوير رزقو  (16) عبد الرحمان اليوسفي  يزور بونعيلات - تصوير رزقو  (15) عبد الرحمان اليوسفي  يزور بونعيلات - تصوير رزقو  (14)

اليوسفي يتذكر علاقات قديمة جمعته ببونعيلات، في الدار البيضاء وتطوان، ويروي قصصا مثيرة عن مغامرات هذا الرجل. يبدأ اليوسفي حديثه من سياق تعرفه على العمل النضالي ضد المستعمر عندما جاء شابا من طنجة الى الرباط في الأربعينات للدراسة في ثانوية مولاي يوسف بالعاصمة، وكيف قرر التلاميذ في ذلك الوقت الخروج للاحتجاج في الشارع ضد سياسة المستعمر وحملته القمعية التي أسفرت عن اعتقال عدد من الوطنيين. كان معظم هؤلاء التلاميذ ينحدرون من مدن مختلفة ويقيمون في داخلية المدرسة التي يدرسون بها. يقول اليوسفي « أقسمنا أن نخرج للاحتجاج لكن مدير المدرسة الفرنسي اعترض »، وعندما انهى التلاميذ احتجاجهم، واجههم المدير برفض دخولهم للمدرسة والمبيت في الداخلية. يقول اليوسفي « أوجدنا أنفسنا في الشارع فلجأنا الى مسجد السنة المجاور، وبعد ساعة أتت عائلات رباطية تسأل عنا بعدما علموا بأن المدير طردنا » فوزعوا التلاميذ على بيوت العائلات الرباطية، وكان حظ اليوسفي أنه توجه الى عائلة الفقيه بلعربي العلوي، لأن ابنه مصطفى كان يدرس معه، وبقي معهم ثلاث أسابيع، قبل أن تتدخل السلطات الفرنسية وتبعد العلوي. بقي اليوسفي ما بين شهر يناير ويونيو 1944 مشردا يتنقل بين مدن مختلفة مثل أسفي والجديدة وبجعد وغيرها، قبل أن يستقر في الدار البيضاء وفيها سيتعرف على تنظيمات حزب الاستقلال وعلى شخصية بونعيلات. هذا الأخير ينحدر من تافراوت، وقد أتى به والده الى الدار البيضاء وعمره لا تعدى 10 سنوات، واشتغل معه في مهن بسيطة، يقول اليوسفي « عرفت مؤخرا أن بونعيلات كان في تلك الفترة يتدرب مع ملاكم فرنسي مشهور في ذلك الوقت في الدار البيضاء »، لأنه « كان يعد نفسه لأعمال المقاومة ». بعض المصادر تجرح أن الامر يتعلق الملاكم الفرنسي المعروف مارسيل سيردان، الذين كان مقيما في المغرب.

في الحي الصناعي في الدار البيضاء، حيث معامل السكر والاسمنت والصابون، بدأ اليوسفي ورفيقه بونيعلات، يؤطرون العمال وينشؤون الخلايا. كان يحمل عدة أسماء حركية مثل « حمو »، و »الرقم27″، حسبما سبق أن روى بنفسه في حوار مع مجلة « زمان ».

في الدار البيضاء يتذكر اليوسفي أنه أقام في البداية في فندق بسيط لليهود بعدما تلقى مساعدات من بعض أصدقائه، لكنه بمساعدة من عبد القادر بن بركة، شقيق المهدي بنبركة، تمكن من إيجاد عمل في مجال التدريس، وعثر على محل للإقامة فيه، وساهم في تأسيس مدرسة حرة تسمى « الاتحاد » لازالت موجودة الى الآن، في الحي المحمدي. لكن صديقه بونعيلات كان رجل تنظيم، يعرف كيف يوجه خلايا المقاومة السرية ويثقن فن الاختفاء في الوقت المناسب عندما تبدأ الاعتقالات، حتى اسمه الحقيقي لم يكن يعرفه سوى عدد قليل من المقاومين.

باخرة الأسلحة

عندما اشتد قمع المستعمر، واعتقل عدد من القيادات خاصة بعد انكشاف الخلية التي نفذت عملية السوق المركزي في الدار البيضاء لجأ بونعيلات الى تطوان، وهناك سيتجدد اتصاله باليوسفي الذي كان قد عاد الى طنجة، حيث تقيم عائلته، يروي بعض مقربيه أن بونيعلات سافر من الدار البيضاء الى تطوان مشيا على الأقدام سنة 1953. في تلك الفترة يروي اليوسفي أن خلايا المقاومة بدأت تفكر بجدية في إنشاء « جيش وطني منظم » لمواجهة الجيش الفرنسي، وكان لابد من الحصول على السلاح. بدأت قيادة المقاومة تتمركز في الشمال الذي تسيطر عليه اسبانيا، بعد القمع الذي حصل في المدن الكبرى للمملكة من طرف الفرنسيين. كان العمل مشتركا مع قادة المقاومة الجزائرية، ويتذكر اليوسفي أول شحنة أسلحة تم تنظيم وصولها من مصر الى سواحل الناظور.
كانت مصر قد عرفت للتو انقلاب جمال عبد الناصر على الملك فاروق، ووقعت اتصالات مع ثوار مصر لبحث تزويد المقاومة المغربية والجزائرية بالأسلحة عبر باخرة. في ميناء الاسكندرية، حجز ثوار مصر باخرة سياحية كانت تملكها زوجة ملك الأردن، فتم ملؤها بالسلاح، وإرسالها الى سواحل الناظور، ويتذكر اليوسفي أن على متن الباخرة كان هناك عدد من الجزائريين منهم هواري بومدين. عملية تفريغ حمولة الباخرة أشرف عليها سعيد بونعيلات شخصيا، بمساعدة مقاومين، ويروي اليوسفي أن « بونعيلات حمل على كتفيه الهواري بومدين ليأخذه الى اليابسة »، حتى إن عبد الرحيم بوعبيد كان يقول « إن بونعيلات حمل هواري بومدين من الباخرة مثل العروس ».

قصة أخرى يرويها اليوسفي، حول علاقته ببونعيلات، فعندما كان يجري الاستعداد لعقد مؤتمر تأسيسي للأمم المتحدة، في سان فرنسيسكو بأمريكا بعد الحرب العالمية، وصلت الأخبار بأن قادة الدول العربية، من رؤساء ووزراء خارجية قرروا التوقف في المغرب قبل مواصلة رحلتهم، فكان لابد من الاتصال بهم لدعم المغرب. يتذكر اليوسفي يتنقل رفقة بونعيلات بدراجتين هوائيتين، الى مطار الدارالبيضاء، لانتظار وصول الطائرات القادمة من الشرق، ثم يتبعان سيارات الوفود، حيث تبين أنهم يقيمون في « فندق أنفا ». أخرج اليوسفي صورة للفندق قائلا « هذه صورة الفندق قدمها لي مؤخرا بونعيلات لما زارني في بيتي وهي صورة نادرة للفندق الذي يعتبر معلمة و لكنه اختفى من الوجود « .

محاولة اغتيال بونعيلات في الجزائر

بعد استقلال المغرب، كان بونعيلات متحفظا على قرار الحكومة المغربية الجديدة، بحل جيش التحرير، ووضع السلاح، لانه كان يعتبر أن الاستقلال لم يتم بشكل كامل، فأصبح مستهدفا، ففر الى الجزائر وأقامت مدة مع صديقه أحمد بنبلة، الذي كان يخصص له سيارة رئاسية لتنقلاته. يتذكر اليوسفي قصة مثيرة عن تلك الفترة، فقد أرسل الجنرال محمد أفقير، عميلين مغربيين لاغتيال بونعيلات في وهران حيث كان يقيم، لكن بونعيلات نجح في كشف المؤامرة وقتل العميلين في الجزائر، ما أغضب أوفقير. »قتلهم قبل أن يصلوا اليه » يقول اليوسفي.
لكن بعد مجيئ بومدين لرئاسة الجزائر، غادر بونيعلات الى إسبانيا، فطلب المغرب من سلطات مدريد تسلمه، فوافقت وتم تسليمه، وحكم عليه بالإعدام، لكن يتذكر اليوسفي أن أحكام الإعدام التي صدرت في حق عدد من المناضلين لم تنفذ، بعد وقوع الانقلابين العسكريين الفاشلين في المغرب في 1971 و1972، وبعدها تم الافراج عنه، وانخرط في مؤسسات تعنى بالمقاومين وجيش التحرير، ليصبح رئيسا للمجلس الوطني للمقاومة ويشتغل الى جانب المندوبية السامية للمقاومة وجيش التحرير التي يرأسها مصطفى الكثيري.

بعد مرور ساعة من الحديث مع اليوسفي عن بونعيلات، طلب أن نرافقه الى مستشفى الشيخ خليفة لزيارة رفيقه، الذي يرقد في غيبوبة. يناديه داخل غرفة الانعاش محاولا التحدث معه، « هل تسمعني » لكن بونعيلات يكتفي بفتح عينيه ثم إغماضهما ويحرك يديه.. الأطباء يقولون إن وضعه مستقر.. شافاه الله.

شارك المقال