كيف كان ملوك أوروبا يعالجون في المغرب ولم يعودوا؟

07/10/2017 - 22:00
كيف كان ملوك أوروبا يعالجون في المغرب ولم يعودوا؟

أن يروي الراوي في تاريخ الزمن الراهن، الذي يختار فيه الجميع العلاج في كبيرات المستشفيات الأوروبية، أن ملكا غربيا خضع لعملية جراحية بمدينة طنجة في مغرب الخمسينات قد ينعت بالحمق، لكنها حقيقة تنضاف إلى حقائق يكشفها عجزة إسبان عاشوا أيام المغرب الجميل.

عجزة اختاروا أن يموتوا في طنجة، رغم الصعوبات المادية وقلة الخدمات التي توفر لهم.

في قمة تل الحي الإسبان بـ »لؤلؤة الأطلس » (طنجة) يوجد مبنى يغلب عليه المعمار الاستعمار، محاط بأشجار النخيل والصنوبر.

كل يوم هنا يختلف عن سابقه لكي يستمر كل شيء كما هو، وتجنب السقوط في الروتين اليوم القاتل.

يتعلق الأمر بالمستشفى الإسباني بطنجة، والذي يحتفظ حتى يومنا هذا باسمه الأول كجزء من جوهر هذه المعلمة التاريخية.

كان أكثر وأكبر المستشفيات المغربية تقدما عندما شُيد سنة 1950، حينها كان يعيش 50 ألف إسباني في الشمال المغربي.

« هنا خضع الملك خوان كارلوس الأول عملية جراحية سنة 1954 للعلاج من التهاب الزائدة الدودية »، يقول بافتخار الدكتور فيرناندو كانياداس، مدير المستشفى منذ أن تحول سنة 1996 إلى دار للعجزة تدبر شؤونه وزارة الخارجية الإسبانية.

في الحقيقة هي آخر محطة لأبناء المستعمرين الإسبان (1912-1956) الذين يحملون في دواخلهم حياة مليئة بالقصص والوقائع عن مغرب الزمن الجميل.

السيد « بتالوا »، أحد النزلاء، سلم على صحافي صحيفة « إلموندو » بحرارة، وظل ممسكا بيده، ولم يحررها حتى ردد عدة مرات انه في الـ50 من القرن الماضي فاز بجائزة فرنسا للمصارعة الحرة، إذ كان يلقب من قبل أصدقائه بـ »ترزان ».

أما العجوز « غايين »، ففي سن الـ96 سنة لازال يكتب مقالات الرأي لصالح صحيفة تصدر بالإسبانية، رغم انه كان يشتغل في شبابه كحلاق وتاجر.

وفي الركن الآخر، توجد السيدة « يبيس » التي تتذكر أنها كانت تسهر على تدبير شؤون عقار إلى أن انفجرت « كوكوت » (وعاء) في ووجهها، حيث فقدت البصر.

في حين أن السيدة « سانتشيز » فتتباهي أمام رفيقتها بكونها أول امرأة اشتغلت في شركة كوكا كولا عندمت رست بالمغرب.

هذه مقتطفات من 34 قصة من زمن الاستعمار الإسباني لازالت تعيش تحت هذا السقف المثير للفضول، والمجاور للعديد من المباني التي لازالت تدبر شؤونها الحكومة الإسبانية: القنصلية، معهد يبيرو أوشوا، معهد رامون وكاخال، ومعهد سيرفانتيس.

هذا المستشفى الذي تحول إلى دار للعجزة، أُعد من اجل استقبال، بدون مقابل، العجزة الحاملين للجنسية الإسبانية، شريطة ان يكونوا عاشوا ردحا من الزمن في المغرب، ومحتاجين اجتماعيا.

هؤلاء يحصلون من الدولة الإسبانية على معاش شهري يصل إلى 2400 درهما. « هذا المبلغ لا يكفينا حتى لشراء الدواء »، يشتكي النزلاء. ويقضي النظام الداخلي للمستشفى باستقبال العجزة الإسبان الذين عاشوا السنوات العشر الأخيرة في المغرب، أي أنه لا يمكن لم يعيش في إسبانيا ان يطلب إيواءه في هذه الدار.

« هذا مكان مثالي من اجل عيش آخر أيام الحياة، لهذا نستقبل الكثير من الطلبات، بما في ذلك من عجزة يعيشون في إسبانيا، يعبرون عن رغبتهم في الالتحاق بالدار، لكن القدرة الاستعابية لا تسمح بذلك. طلبنا من وزارة الخارجية ان ترفع من عدد الغرف والمساعدات، لأن هناك العديد من الطلبات »، يشرح الدكتور كاناداس، الطبيب الذي رأى النور في المغرب من أب إسباني وأم غجرية، والذي يشتغل في المستشفى منذ 1987. هو من أشرف على عملية تحول المستشفى إلى دار للعجزة، في الحقيقة هي عبارة عن مركز صحي يتوفر على مختبر لإجراء التحاليل والفحص بالأشعة، علاوة على صيدلية.

وتتوفر الدار على فريق طيبي، يتكون من طبيبين و8 ممرضين، و18 مساعدا يقدمون الخدمات للنزلاء، كما يساعدون كذلك الإسبان غير المتواجدين في الدار.

العديد من هؤلاء الموظفين مستاءون لان « رواتبهم مجمدة منذ 2009″، وقد قاموا في هذا الصيف بإضراب من اجل التنديد بالوضع الصعب الذي يعيشون، على غرار الكثير من الموظفين الإسبان والمغاربة الذين يشتغلون لدى المصالح الإسبانية بالمملكة الشريفة.

هناك 2000 إسباني مسجل في القنصلية الإسبانية بطنجة، 250 منهم تفوق أعمارهم 65 عاما. وحتى العجزة الذين يختارون البقاء في منازلهم الخاصة بطنجة، يستفيدون من زيارة الاطباء والمساعدين الإجتماعيين الإسبان، في الحقيقة هي استراتيجية لتجنب إغراق المستشفى (الدار) بالمسنين.

هذه المجموعة تمثلها « كارمين ماثين » التي اشتغلت مع فنانين كبار من طينة بيكاسو، ودالي، و ميرو. هذه المرأة – التي لا تريد الكشف عن سنها لأنها لا ترغب في التخلى عن طقوسها – تعيش في رياض في وسط حي القصبة، حيث زين جدران الرياض بالأعمال الأصلية لهؤلاء الرسامين. وتقول كارمينا: « لقد كنت مريضة جدا وبفضل الدكتور كاناداس ما زلت على قيد الحياة ». ويشير الطبيب أن دعمهم لا يقتصر على العجزة ، بل حتى المتسولين الذين يعيشون في شوارع طنجة. يقول: « لست مخولا بتقديم وصفة الأدوية، ولكني أحاول أن أساعدهم إنسانيا في حدود الممكن، ورعاية من يأتي لطلب المساعدة ».

في « الدار » توجد إسبانيات كان لهن شأن كبير في مغرب الحماية وبعد الحماية، مثلا الخياطة « باكيتا » تفتخر بكونها كانت من تشرف على إعداد ملابس إحدى شقيقات الملك الراحل الحسن الثاني، ويجاورها خواكين والذي يفتخر، أيضا، بكونه كان يجلب في السبعينيات ورق السليفون من إسبانيا إلى المغرب، امام العجوز الفلاح « انطونيو » فيتباهي بكون أبقارها كانت تزود طنجة بكل ما تحتاجه من الحليب إلى حدود استقلال المغرب.

 » إنه لمن دواعي سروري أن نتمكنا من قضاء أيامنا الأخيرة في مثل هذا المكان،  في هذه المدينة الرائعة التي رحبت بوالدينا واحتضنتهم « ، يختم العجزة. وقالها الرسام إدوارد مانيه: » الهواء مليء بالحياة في طنجة، مما يجعل الكل يتشبث بها ».

بتصرف عن « إلموندو »

 

 

شارك المقال