إفلاس النخب والوسائط، التي كانت تحول دون المواجهة المباشرة بين الدولة والمجتمع، بات في حكم المؤكد. الدليل الذي حملته الشهور والأسابيع الماضية، يتمثل في حراك الريف الذي أصدر شهادة وفاة جميع النخب السياسية والنقابية والجمعوية، التي كان يفترض أن تتولى مناقشة وتدبير حركة احتجاجية اجتماعية غير مسبوقة من نوعها. شاهدت صادقت عليها أعلى سلطة في البلاد، حين خرج الخطاب الملكي الأخير بمناسبة ذكرى عيد العرش، منتقدا الطبقة السياسية والأحزاب، ومتهما إياها بالاختبار خلف القصر.
القادري: هل يضطر الملك إلى حضور أكبر؟
« إن أعلى سلطة في البلاد اليوم، تعيب على أطر الدولة تقاعسها وفقدانها لروح المسؤولية، وها نحن نرى أن وطننا لم يتمكن بعد من ركوب سكة النمو المستديم، وبعض الفئات تزداد غنى دون أن يأخذ النمو الاقتصادي انطلاقته الحقيقية »، يقول رئيس المؤسسة، خالد القادري، في افتتاح يوم حافل من النقاشات. القادري أضاف أن المغاربة يجمعون على تعلقهم بنظام ملكي ديمقراطي، « ومن الأكيد أن القيام بهذا النظام وتطوره حتى يضاهي النظم الملكية الديمقراطية في العالم، لا يستقيم دون وسطاء من أحزاب ومقاولات ومقاولين، والمشهد الحالي يظهر جيلا لا يتسم بالاستقلالية والشجاعة والاقدام، ومنشغل بالمصالح الشخصية، ما يجعله غير مؤهل للقيام بدوره. لهذا نتساءل هل سيؤدي غياب وسطاء جديين إلى الدفع بالملك، وربما رغما عنه، إلى الرفع من حضوره على الواجهة السياسية والاجتماعية، وهو ما نأى بنفسه عنه في خطاب العرش الأخير؟ ».
السوسيولوجي المنحدر من اليسار المغربي محمد الناجي، قدّم جوابا عن تساؤلات الندوة، سوف يتردد على كثير من الألسن التي شاركت في النقاشات. جواب الناجي يلخّص في قوله بكون النظام السياسي المغربي مقفل من الداخل، وهو ما لا يسمح بظهور وتجديد النخب السياسية والاقتصادية والثقافية. الناجي عاد إلى التاريخ، وقال إن النظام السياسي المغربي وعلى مدى قرون قبل دخول الحماية الفرنسية، ظل يقوم على التجديد التلقائي للنخب القائمة، لغياب العوامل التكنولوجية والاقتصادية الحديثة التي تؤدي إلى التغيير والتجديد.
الناجي: النظام مقفل
مع بدايات التدخلات الأوروبية في المغرب، يقول الناجي، حاول النظام السياسي المغربي القيام ببعض الإصلاحات، وإرسال بعثات علمية إلى الديار الأوروبية بهدف إخضاعها للتكوين، دون أن يثمر ذلك النتائج المرجوة منه، لغياب العوامل التي نجحت في تجربة أخرى مثل اليابان. « لهذا سأتحدث وأنا أتناول إمكانية بروز نخبة، عن نظام مغلق من الداخل، بفعل بنيته الاقتصادية والاجتماعية ». وضع قال الناجي إنه بدأ يتغير نسبيا مع أولى الاختراقات الأوربوية للمغرب، والتي أدت إلى ظهور عناصر اقتصادية جديدة، من قبيل الملكية الفردية والحرية الاقتصادية لفائدة المستوطنين الأجانب ومحمييهم. هذا التحول لم يؤد إلى فك عقدة القفل الداخلي، بل جرى الاحتفاظ به في مجال إنتاج النخب، مع ملاءمته مع المعطيات الجديدة.
« استمرار هذا الإقفال الداخلي تمثل في ما ورثه المغرب من الماضي، من ارتباط وثيق بين السياسي والاقتصادي، ومن طبيعة خاصة للدولة وطريقة تنظيمها للنسيج الاجتماعي ». الناجي قال إنه وفي مقابل العقم الطبيعي الذي كان يتسم به المغرب في مجال إنتاج النخب في السابق، تحول إلى تجميد مفتعل وإرادي ومقصود من طرف السلطة، مع توجيه عملية إنتاج النخب نحو تمكين النظام السياسي من نخب خاضعة، ومنع بروز غيرها من النخب. وذهب الناجي إلى أن النظام السياسي المغربي، وظف احتكاره للسلطة السياسية ليحكم قبضته على النسيج الاقتصادي الحديث، من خلال امتلاك وسائل الانتاج، إما بشكل مباشر أو عن طريق وسطاء. ضبط وتحكم قال الخبير السوسيولوجي إنه يمتد ليشمل المجال الثقافي أيضا، موضحا أن مفتاح ذلك هو المدرسة التي قال إنها خضعت لتدمير مقصود، حرم الأحزاب السياسية من ظهور نخب واعية جديدة.
هذه الفكرة أثارت حفيظة واحد من رموز النخب الاقتصادية شديدة القرب من السلطة، وهو المدير العام السابق للخطوط الملكية الجوية، إدريس بنهيمة. هذا الأخير قال إنه يرفض فكرة تحميل المسؤولية عن تدمير المدرسة المغربية إلى « الدولة العميقة »، معتبرا أن المسؤول الأول عن ذلك هو الأحزاب السياسية، ثم النقابات. « نحن نجحنا في إنتاج النخب الجديدة مقارنة بدول مجاورة مثل الجزائر، وكثير من النخب الجديدة تمكنت من البروز، والمصعد الاجتماعي اشتغل بعد الاستقلال، لكنه توقف بعد ذلك »، يقول بنهيمة، موضحا أن التفسير الذي يرجحه شخصيا هو غياب معدل نمو كاف.
أفاية: المد التحديثي أُجهض سياسيا
من جانبه، أستاذ الفلسفة بجامعة الرباط، نورالدين أفاية، قال إن المغرب عرف في الستينيات من القرن الماضي بروز نخب ثقافية وسياسية كبيرة، في سياق مد تحديثي. مدّ قال أفاية إنه تعرض لعملية إجهاض سياسية. « لقد أشهر النظام السياسي منذ ذلك الوقت، كل ما يملك من قوة لمحاصرة الإبداع والثقافة بدعوى أن من يحملها يشكل خطرا على النظام، مادام يطعن في شرعيته. حينها رفعت كلمة الأمر الشهيرة التي تقول بان شعبا أميا ومطواعا أفضل للنظام من شريحة متعلمة وواعية ». اختيار سياسي قال أفاية إن المغرب مازال يدفع ثمنه « في سياسته وثقافته وطرق حضور الذاتية المغربية أمام ذاتها، وأمام العالم ».
وذهب أفاية إلى أن المثقف المغربي بدأ يفقد الثقة في أفكاره، وفي نفسه أمام سطوة السياسة « وضجيج وسائل الإعلام »، مضيفا أن المثقف الحامل لقيم الحداثة مازال يشكل ظاهرة تفتقد إلى القاعدة الاجتماعية. حداثة قال أفاية إن الدولة ترفعها كشعار « دون العمل على استنبات مقوماتها في المؤسسات والعقليات والوجدان، بل إنها تنشئ مؤسسات عصرية وتفرغها من مضامينها لأسباب عبثية وواهية ومزاجية حتى ». هدر مؤسساتي قال أفاية إنه يتم في سياق « تعمل فيه إرادات متعددة على تخريب السياسة ومحو مفعولاتها، وترك المجال لخطابات سحرية تردد مفردات أخلاقية لا تأثير لها في السلوك والعلاقات، وتعاند كل نزوع للإقبال على الحياة وعلى البناء الاجتماعي ».
بنعمور: مقاولات كبرى مقربة سياسيا
الرئيس المنتهية ولايته على رأس مجلس المنافسة، عبدالعالي بنعمور، قال إن هناك حاليا ثلاثة أصناف من النخب الاقتصادية، « الأولى هي التي تدير المؤسسات العمومية ذات الطابع الاقتصادي، وثانية تتمثل في أصحاب المقاولات الكبرى التي توفر أهم قيمة مضافة للمنتوج الوطني، ثم هناك نخبة ثالثا تمثلها أكثرية المقاولات الصغيرة والمتوسطة، والتي تحتوي على مقاولات مهيكلة وكثير من المقاولات غير المنظمة ».
بالنسبة إلى تصرفات النخب التي تدير المقاولات العمومية، قال بنعمور إن الأمر يتعلق بتكنوقراط يعملون بكل مهنية وبطموح شخصي، لكن في نطاق اتجاهات الدولة. « أما المقاولات الكبرى ففيها نوعان، الأول لمقاولات مقربة سياسيا، أو مرتبطة سياسيا، تتمتع بأنواع الريع غير الشرعي وغير المواطن، وهناك المقاولات الخاصة الكبرى التي تعمل في نظام تنافسي وتصرف ضريبي شريف وبعضها الآخر في إطار تعاقد سري لا تنافسي ومراوغة الضريبة. أما المقاولات الصغرى والمتوسطة فهي نوعان، الأول يعمل بكل مسؤولية واستقلالية من أجل النجاح، وهو صنف يناضل ضد الصعوبات والمشاكل، أما الصنف الثاني، فهو غير مهيكل ويبني نمط عمله على التقارب مع مراكز القرار وعدم احترام القواعد الاجتماعية للعمل المقاولاتي ».
التازي: اللهم إن ما يقع في الريف منكر
وفي الوقت الذي كانت أطوار هذا اللقاء الفكري تجري تزامنا مع عملية التصويت على أمين عام جديد لحزب الاستقلال؛ كان القيادي السابق في صفوف الحزب، عبدالحق التازي، ينصت إلى المداخلات، ثم يطلب الكلمة في مرحلة النقاش، ليقول إن النخبة المغربية انفصلت عن الشعب، « وليس هناك إقفال للنظام السياسي فقط، بل هي نخبة مشلولة، مثل العصفور الذي يقف أمام الثعبان، له القدرة على الطيران، لكنه لا يطير ». وربط التازي حديثه بشكل مباشر بحراك الريف، معتبرا أن « ما يحصل في حراك الريف نموذج لما أقول، حيث لا أحد تدخل من وجهاء ونخب ليقول اللهم إن هذا منكر؟ هل هكذا نتعامل مع خيرة شبابنا في الحسيمة؟ نفبرك لهم المحاكمات؟ ونجعلهم يدخلون في إضراب عن الطعام؟ وفي أية لحظة قد نفاجأ بشبان من خيرة الشباب يموتون؟ اللهم إن هذا منكر، لا بد من رد فعل من جانب النخبة التي كانت دائما في مقدمة المجتمع المغربي لكي تفيق من نعاسها، وقد جاء الوقت الآن ليؤخذ هذا الموقف ».