الحكومة تستثني إمبراطورية الـ"سي دي جي" من قانون مراقبة المؤسسات العمومية

20/10/2017 - 22:21
الحكومة تستثني إمبراطورية الـ"سي دي جي" من قانون مراقبة المؤسسات العمومية

 

كشفت الحكومة، أمس، بمناسبة انعقاد مجلسها الحكومي الأسبوعي، عن مشروع قانون غير مسبوق، يوحّد طريقة تدبير ومراقبة المؤسسات والمقاولات العمومية، لكنّه يستثني إمبراطورية صندوق الإيداع والتدبير، رغم ما تحمله من اختلالات ومخاطر اقتصادية ومالية.

الخطوة تأتي بعد تقريرين متتاليين أصدرهما المجلس الأعلى للحسابات، الأول في يونيو 2016، وخصّص بشكل كامل لكشف اختلالات ومخاطر التدبير الحالي للمؤسسات والمقاولات العمومية، فيما يتمثل  الثاني في العرض الذي قدّمه الرئيس الأول للمجلس، إدريس جطو، شهر يوليوز الماضي أمام البرلمان، وخصّصه مرة أخرى لدق ناقوس الخطر من المخاطر التي تحملها المؤسسات العمومية على الاقتصاد والمالية المغربيين.

المشروع، الذي أعدته وزارة المالية وأنهت الأمانة العامة للحكومة صياغته بداية هذا الأسبوع، يُنصّب وزير المالية على رأس نظام شامل وموحّد لمراقبة وحكامة المؤسسات والشركات العمومية أو التي تساهم فيها الدولة. وتتدرّج المراقبة الجديدة التي تنوي الحكومة فرضها على المؤسسات والمقاولات العمومية، من المراقبة القبلية، فالمراقبة المواكبة، والمراقبة البعدية، إلى المراقبة التعاقدية. ويضع المشروع معايير مفصّلة لتحديد صنف المراقبة الذي تخضع له كل مؤسسة عمومية، بناء على مدى حاجتها إلى المساهمة المالية للدولة في تسييرها، ومستوى اقتراضها الخارجي الذي يتطلب ضمان الدولة…

قواعد وضوابط جديدة استثنى منها المشروع مؤسسات دستورية وأخرى ذات دور رقابي وتقنيني مثل بنك المغرب؛ لكنه أضاف إليها صندوق الإيداع والتدبير. إحدى مواد المشروع تقول: « لا تدخل في نطاق تطبيق هذا القانون، الهيئات التالية: بنك المغرب، صندوق الإيداع والتدبير والشركات التي يملك فيها الصندوق نسبة تفوق 50% من رأسمالها والشركات المختلطة التي يساهم فيها الصندوق بصفة حصرية ».

هذا الاستثناء يبرّره المشروع في حالة كل من الأبناك وشركات التأمين بوجود قانون خاص بكل منهما، بينما لا يقدّم أي مبرر لاستثناء صندوق الإيداع والتدبير. هذا المقتضى يجعل المؤسسة التي تمثل أحد أكبر أذرع الدولة في مجال المؤسسات والمقاولات العمومية، خارج نظام الرقابة والحكامة الجديد، مثله في ذلك مثل مؤسسات نصّ عليها الدستور مثل مجلس المنافسة والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري والمجلس الوطني لحقوق الإنسان…

الخبير الاقتصادي، محمد رضا، قال لـ »اليوم 24″ إن مثل هذا الاستثناء لا مبرر له، « بل هو مخالف للفلسفة الدستورية للرقابة على المال العام. فالمنطق العام للمبادئ الدستورية هو إخضاع صرف وتدبير المال العام للرقابة البرلمانية ». وأوضح رضا أن المفروض إخضاع كل ما يتعلق بالمال العام للمراقبة، « فهذه المؤسسات تمول من المال العام إما بشكل مباشر أو غير مباشر، وبالتالي لا يمكنها أن تحصل على هذه الموارد ولا تعرف ما الذي يقع فيها ».

وأضاف محمد رضا، أن حالة صندوق الإيداع والتدبير، « وإلى جانب معايير شفافية المال العام المعمول بها عموما، لهذا الصندوق خصوصية مستلهمة من النموذج الفرنسي، تجعله يحتكر الولوج إلى نوع من الأموال التي تتطلب حماية خاصة، وهي عبارة عن  ودائع وادخار ». النموذج الفرنسي، حسب رضا، يخضع الصندوق المماثل للرقابة المباشرة للبرلمان، « ضمانا لحصانة هذا النوع من الأموال من مراكز النفوذ. فهذا النوع من الصناديق يستوجب تشديد المراقبة وليس تخفيفها أو استثناءه منها ».

الصندوق هو عبارة عن أذرع أخطبوطية مدّها هذا العملاق المالي والاقتصادي منذ 10 فبراير 1959، لتهمّ أهم القطاعات الحيوية لاقتصاد المملكة، مدعوما بصندوق كبير يضمّ مدّخرات المغاربة وتأميناتهم. الصندوق بقي منذ إحداثه، متمتّعا بوضع قانوني خاص، يمتّعه بكثير من الامتيازات، ليس أقلّها الاستئثار بتدبير احتياطيات الصناديق الاجتماعية مقابل معدل فائدة جد متواضع مقارنة بأسعار السوق. هذا الإطار القانوني لم يعرف أي تجديد منذ بداية الاستقلال، حيث تختلط الأنشطة المباشرة للصندوق، بتلك التي تنجزها فروعه المتعددة، والتي يفترض فيها الخضوع لقوانين السوق وقواعد المنافسة.

الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، إدريس جطو، قال شهر يوليوز الماضي أمام غرفتي البرلمان، إن المؤسسات العمومية الكبرى إلى جانب الصناديق السوداء، وراء جزء كبير من الاختلالات العميقة التي يعانيها المغرب. وكشف جطو عن مضي المجلس في إخضاع المؤسسات العمومية الكبرى التي ظلّت في السابق بعيدة عن الأضواء، لعمليات افتحاص وتدقيق مالي، حيث واصل فحص فروع صندوق الإيداع والتدبير. فيما كان التقرير الخاص بالمؤسسات العمومية الذي نشره المجلس في يونيو 2016، توقف كثيرا عند صندوق الإيداع والتدبير باعتباره متدخلا في أنشطة لا ينبغي أن يقترب منها الاستثمار العمومي.

ودعا قضاة المجلس إلى ترك هذه الأنشطة، مثل السياحة والعقار، للقطاع الخاص واستئناف دينامية الخوصصة من خلال تحديد قائمة سنوية بالمؤسسات مرشحة للتفويت للقطاع الخاص. « رغم أن صندوق الإيداع والتدبير مؤسسة عمومية وازنة، فإن العديد من فروعه ومساهماته تسجل عجزا بنيويا علما أن بعض هذه الفروع أسندت إليها مشاريع تدخل في إطار تفعيل السياسات القطاعية للدولة »، يقول تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول المؤسسات العمومية.

مشروع القانون الجديد الذي برّرت مذكرة تقديمه أسباب نزوله بالسعي إلى تحسين حكامة ومردودية المؤسسات العمومية، يلزم هذه الأخيرة بالالتزام بالتوجهات والاختيارات الاستراتيجية التي تحددها الدولة. و »تبلور المؤسسات والمقاولات العمومية هذه الاختيارات في عقود برامج وتُفعّلها تحت إشراف أجهزتها التداولية »، يقول المشروع، مضيفا أن عقود البرنامج هذه « تحدد لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، التزامات كل من الدولة والمؤسسة أو المقاولة العمومية والأهداف التقنية والاقتصادية والمالية المحددة للهيئة المعنية ».

المؤسسات والمقاولات العمومية تتسبّب، حسب العرض الذي قدّمه جطو أمام البرلمان يوليوز الماضي، في تعميق العجز المالي للدولة. جطو قال إن العجز الحقيقي في ميزانية الدولة أكبر بكثير مما تعلنه الأرقام الرسمية، لكونها لا تحتسب الديون المتراكمة في ذمة الدولة لصالح هذه المؤسسات. وأوضح جطو أن عجز الخزينة في 2016 فاق 40 مليار درهم، « أي ما يعادل 4,1 % من الناتج الداخلي الخام مقابل 3,5 %، الذي كان متوقعا في قانون المالية…

وفى تقييمه لوضعية عجز الميزانية يرى المجلس الأعلى للحسابات ضرورة مراجعة المنهجية التي تعتمدها الحكومة في احتساب نسبة العجز انسجاما مع مبدأ الصدقية كأحد المستجدات التي أتى بها القانون التنظيمي الجديد المتعلق بقوانين المالية ».

شارك المقال