كما كان مخططا له، عاد إلياس العماري إلى منصبه كأمين عام لحزب الأصالة والمعاصرة في سلسلة « مشاهد غريبة » حدثت بالمجلس الوطني للحزب، أول أمس الأحد، بالصخيرات. فالعماري الذي كان يبدو أنه سيغادر منصبه في الحزب بشكل نهائي، تحت ضغط أعضاء بالمكتب السياسي، أعاد نفسه إلى منصبه، بل ووضع جدولا زمنيا لتصفية المكتب السياسي نفسه.
العماري الذي كان يؤكد في شهر غشت الماضي، أن استقالته بدون رجعة، فرض « أمرا واقعا » على أعضاء المجلس الوطني في ساعة متأخرة من يوم الأحد، عندما أعلن عن احتفاظه بمنصبه. لكن الطريقة التي فعل بها ذلك أثارت جدلا، فالعماري أعلن في بداية كلمته في آخر أعمال المجلس الوطني، عن قرار أولي يقضي بتشكيل لجنة مؤقتة لتسيير الحزب تقودها رئيسة المجلس الوطني يكون هو مجرد عضو فيها، بيد أنه قبل أن يُنهي خطابه سيستدرك قائلا: « لكني سأستمر معكم »، دون أن يفسر ما يعنيه بذلك. وعلى الفور، صعد أنصاره إلى المنصة الرئيسية وهم يهتفون باسمه، فاعتُبر ذلك « تنصيبا » له في منصبه كأمين عام. « هذا ما وقع بالضبط »، كما يقول عضو المجلس الوطني حسن العيساتي لـ »أخبار اليوم ». واكتفت رئيسة المجلس الوطني للحزب، فاطمة الزهراء المنصوري، من جهتها، بالقول لــ »أخبار اليوم »، إن كل المعلومات موجودة في البيان الصادر عن المجلس الوطني.
مصادر بالمجلس الوطني قالت إن الأمور لم تكن واضحة، فإلياس في كلمته التي كانت عبارة عن ملتمس توجيهي، لم يثر قضية بقائه في منصبه، « لكنه فجأة نطق بعبارة غامضة فهمها أنصاره على أنها قبول بعودته ». عضو بالمجلس الوطني قال لـ »أخبار اليوم »: « في بداية الأمر، قال إن لجنة تسيير ستتكون من أشخاص منتخبين من الجهات، علاوة على عضوين من المكتب السياسي وسيكون هو بمعيتهم، لكنه قبل أن يختم كلمته وبدون أي سياق، أعلن بأنه سيستمر في منصبه، ثم هتف الجميع، ولم يسمح لنا بمناقشة أي شيء.. كان فرضا لأمر واقع ». وفي اليوم الموالي (أمس الاثنين)، قال بيان للمجلس الوطني إن أعضاءه « ألزموا إلياس بالعودة إلى منصبه »، وبرر ذلك بـ »الاستحقاقات التنظيمية، والانتخابية، والسياسية الموضوعة على أجندة الحزب في المرحلة الراهنة ». وعدا الإشكالات المرتبطة باستقالة إلياس نفسه، ليس هناك أي استحقاق كبير، باستثناء الانتخابات الجزئية التي تجرى في بعض الدوائر التي أسقطت المحكمة الدستورية برلمانييها.
وفي المناقشات التي سادت أعمال المجلس الوطني كانت المواقف متساوية تقريبا، « كمعارضين لعودة العماري كنا متساويين مع الذين يريدون بقاءه.. لم تكن لديهم أغلبية كما كانوا يتصورون من قبل »، كما يقول عبداللطيف وهبي، عضو المكتب السياسي، الذي تعرض لكثير من الهجوم في المجلس الوطني. ويؤكد أكثر من مصدر في المجلس الوطني أن الفوارق لم تكن واضحة بين عدد الموالين وعدد المعارضين لعودة إلياس. وأسس المعارضون حجتهم على أن تفسير العودة للناس سيكون صعبا: « كيف سنشرح للناس أن هذه الاستقالة لم تكن في الحقيقة استقالة.. »، كما قال حسن العيساتي في كلمة له بالمجلس الوطني. فيما الموالون للعماري كانوا يطالبون بإسقاط أعضاء المكتب السياسي وتشكيل مكتب جديد يقوده إلياس نفسه.
اللجنة التي أعلن عنها العماري في البداية، كانت ستُكلف بتصريف أعمال الأمانة العامة إلى حين انتخاب أمين عام ومكتب سياسي جديد، وتلك كانت فكرة يقبلها غالبية أعضاء المجلس الوطني، لكنه سيضرب كل شيء في الصفر عندما أعلن عن بقائه في منصبه. « في هذه النقطة بالذات، فسر أنصار إلياس الملتمس كاستجابة لمطالبهم بعودته إلى منصبه وبانتخاب مكتب سياسي جديد »، كما يقول عضو في المجلس الوطني، وزاد من ذلك أن إلياس أعلن، أيضا، عن أنه « يحتفظ لنفسه بحق الترشح لمنصب الأمين العام مرة جديدة ». وحتى ذلك الحين، فإن استقالة إلياس جرى تجميدها، حيث سيعقد المجلس الوطني دورة استثنائية للبت في استقالة إلياس « في ضوء مقترحات عملية سيتم إعدادها من قبل أعضاء سكرتارية المجلس الوطني، ورئاسة المجلس، وأعضاء من المكتب السياسي، وعضو واحد عن كل جهة »، وفقا لما ورد في بيان المجلس الوطني. ولم يحدد موعد لهذه الدورة، لكن مصادر بالحزب ذكرت أن شهر يناير غالبا سيكون تاريخ عقده.
وهبي قال من جانبه لـ »أخبار اليوم »: « إن المكتب السياسي الحالي قد انتهى.. أنهاه ملتمس إلياس الذي قوبل بالتصفيق »، ثم تابع: « لم أفهم بشكل واضح ما حدث.. لقد قال إلياس إن لجنة ستشكل لتسيير الحزب، وسيكون هدفها التحضير لمجلس وطني استثنائي في شهرين، على أن تجمد استقالته إلى ذلك الحين.. في الواقع لم أفهم كيف جرى ذلك، لكن أعضاء في المجلس الوطني لم يتركوا مجالا لاستيضاح أي شيء، فقد كانت « شرعية التصفيق » هي الفيصل في تلك اللحظات الأخيرة ».