مازالت الطريق طويلة 

27/10/2017 - 18:01
مازالت الطريق طويلة 

الخلاصة التي يمكن الخروج بها من تقرير المجلس الأعلى للحسابات، وقرارات الملك القاضية بإنزال عقوبات بالوزراء الحاليين والسابقين، هي أن البلاد تدار بشكل سيئ وتحكم بشكل جيد، أي أن المغرب يعاني مشاكل الحكامة لا مشاكل الحكم، وأن ربط المسؤولية بالمحاسبة، بين الحين والآخر، كفيل بحل مشاكل الدولة مع المجتمع، وتهدئة الخواطر، ورجوع المياه إلى مجاريها في الريف وزاكورة، وغيرهما من بؤر التوتر الاجتماعي.

هذه صورة شديدة التبسيط لوضع شديد التعقيد، وهي صورة فيها غير قليل من الشعبوية التي التقطها الجمهور بشهية مفتوحة وهو يلتهم لحم تسعة وزراء حاليين وسابقين، في انتظار أن يلقى بـ14 من المسؤولين الصغار إلى الجمهور المتعطش للدم من فرط غياب المحاسبة لعقود طويلة.

البلاد بحاجة ماسة إلى أطنان من مادة التطهير «جافيل» لغسل أروقة الوزارات والإدارات والمؤسسات العمومية وقنوات اتخاذ القرارات، والبلاد بحاجة إلى معاقبة مئات المسؤولين الذين قصروا ويقصرون في أداء مهامهم بجهل أو بسوء نية، حيث يفوتون على البلاد فرصا كبيرة للنهوض والإصلاح، والبلاد بحاجة ماسة إلى إرساء آليات ومؤسسات لتقييم السياسات العمومية، ووقف هدر المال العام، وضمان النجاعة والعقلانية والحكامة الجيدة، لكن السبيل إلى كل هذه المهام الحيوية المتصلة بمشروع إصلاح الدولة، ليس اتخاذ قرارات فوقية وانتقائية، وبمزاج يتغير مع تغير أحوال الشارع.

إرساء آليات الثواب والعقاب يجب، أولا، أن يكون عبر صناديق الاقتراع، وعبر تطوير نظامنا الانتخابي، ليصير المواطن قادرا على محاكمة الوزراء والأحزاب والسياسات العمومية والقرارات الكبرى كل خمس سنوات، والحال أن نظامنا الانتخابي اليوم لا يؤدي هذه الوظيفة على الوجه المطلوب، لأن «صناعة الانتخابات» لدينا مغشوشة، وحتى عندما لا تتعرض الأصوات للتزوير المفضوح، فإن النتائج تتعرض للتزوير المغلف، فتخرج الأغلبيات مبرقعة، والحكومات في واد ونتائج الانتخابات في وادٍ آخر.

يروي مؤرخو الحقبة الملكية في مصر أن اجتماعا عقد في قصر الملك الشاب فاروق في الأربعينات قبل إجراء الانتخابات البرلمانية، التي كانت أغلبية المؤشرات تقول إن حزب الوفد بزعامة النحاس باشا سيفوز بها، فاقترح بعض حاشية الملك، الذي كان يكره الوفد والنحاس، فكرة تزوير الانتخابات لكي لا يصعد عدو القصر إلى الحكومة، فما كان من أحد الدهاة، أو من يسمون بالثعالب العجوزة، إلا أن اقترح فكرة جهنمية تقول: ‘‘لا نزور الانتخابات لأن الأمر مكلف جدا، لكننا سنزور نتائج الانتخابات، بأن ندفع أحزاب الأقلية إلى التكتل لتشكيل حكومة الأقلية عوضا عن حكومة الوفد التي تحظى بالأغلبية، فيصبح الوفد فائزا في الانتخابات لكنه خاسر في الحكومة’’، وذلك ما جرى، وبقية القصة معروفة.

الآلية الثانية التي تحتاج إليها الحكامة في المغرب هي الاحتكام إلى الدستور، وتطوير المنظومة القانونية التي ترسي قواعد الحكامة الجيدة، فالملاحظ أن البلاد تدار الآن بدستور عرفي غير مكتوب، تتشابك على ضفته الاختصاصات والصلاحيات، ويتبع فيه الوزراء تارة لرئيس الحكومة، وتارة لمبادرات المحيط الملكي، وتارة لمراكز القوى ولوبيات المصالح، وتارة لحساباتهم الخاصة. هذا ما جعل وزراءنا يعزفون ألحانا مختلفة في جوقة تنتج الاختلالات والفوضى والضجيج أكثر من أي شيء آخر… لنتأمل هذه الفقرة من تقرير المجلس الأعلى للحسابات الذي رفع إلى الملك: «إن الاتفاقية الإطار الخاصة بمشروع منارة المتوسط خصصت مبلغ 1,2 مليار درهم كإسهام من وزارة الداخلية لفائدة المجلس الإقليمي للحسيمة، ومبلغ 600 مليون درهم من وزارة المالية لفائدة مجلس الجهة، دون تحديد المشاريع المزمع تمويلها بواسطة هذه الإسهامات. وحتى بعد التوقيع على الاتفاقية الإطار، فإن وزارتي الداخلية والمالية لم تقوما بإعداد برامج استعمال هذه الإسهامات». من المسؤول عن توقيع الاتفاقية وتخصيص مبلغ مليار و800 مليون درهم، تدفعه وزارتا الداخلية والمالية، دون أن يحدد أي وجه سيصرف فيه هذا المال، ولأية مشاريع، ولأية أهداف؟ هذا أمر يبعث على الصدمة، وقبل أن نصل إلى محاسبة الوزراء على التنفيذ، لا بد من معرفة المسؤول عن هذا النوع من التخطيط!

ثالثا، توصي الأمم المتحدة وأدبياتها في مكافحة الفساد وملاحقة المفسدين وتجاوز اختلالات التدبير، بالاعتماد على أربع آليات كبرى في خطة مكافحة هدر المال العام، وهي: الحق في الوصول إلى المعلومة، وتشجيع حرية الإعلام وصحافة التقصي، ودعم جهود المجتمع المدني المهتم بقضايا الحكامة وتتبع الفساد، وأخيرا، وليس آخراً، تطوير منظومة العدالة، والحفاظ على استقلالية السلطة القضائية… إذا فحصنا هذه الآليات الأربع في بلادنا سنجد أنها كلها معطوبة، فقانون الوصول إلى المعلومات لم يولد بعد، والمعمول به الآن هو قانون منع الوصول إلى المعلومات، والصحافة الحرة والمستقلة مثل فاكهة الصيف في فصل الشتاء. من يسيطر على الإشهار والسلطة هو الذي يرسم لها خطوط التحرير، والمجتمع المدني مخترق وضعيف ومهلهل، والقضاء ما ترون لا ما تسمعون. إذن، مازالت الطريق إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة طويلة، وما نراه هو علاج لأمراض سياسية مزمنة بحبات أسبرين.

شارك المقال