لعنة السلاطين تلاحق كبار مسؤولي الدولة

29 أكتوبر 2017 - 16:10

وزراء سياسيون وتقنوقراط تحملوا مسؤولية القطاعات الاجتماعية في الحكومة السابقة، نالهم نصيب وافر من «السخط» الملكي، إلى جانب نظرائهم الوزراء الحاليين الذين تم إعفاؤهم. الفقرة التي خصصت لهذه الفئة من المعاقبين بسبب اختلالات برنامج «الحسيمة منارة المتوسط»، لم تكتفِ بتأكيد مسؤولية هؤلاء، على غرار زملائهم المعفيين، بل تضمنت عبارة تحمل رائحة التاريخ والتقاليد والأعراف. «قرر جلالة الملك، حفظه الله، تبليغهم عدم رضاه عنهم، لإخلالهم بالثقة التي وضعها فيهم، ولعدم تحملهم مسؤولياتهم، مؤكدا أنه لن يتم إسناد أي مهمة رسمية إليهم مستقبلا»، تقول العبارة الأبرز في بلاغ الديوان الملكي، معلنة الإعدام السياسي لخمسة من الوزراء السابقين.

«نحن، في جميع الأحوال، نعيش في ظل حكم سلطاني، والممارسة التاريخية لحكام المغرب، سواء العلويون أو من سبقهم، تؤكد أن المغرب امتداد للزاوية في الأصل، وأن المجتمع عبارة عن مجتمع بعيد كل البعد عن المفهوم العصري، حيث لايزال ثقل التاريخ يلقي بظلاله»، يقول الباحث في العلوم السياسية، عبد الرحيم العلام، فيما يذهب الأستاذ المخضرم المتخصص في السوسيولوجيا، محمد الناجي، إلى أن «المخزن» عادة لا يبعد دون أن يعيد، «بل إنه يبعد ويعيد حسب منطق الميزان. وفي الإقالة، فإن الخدام الذين لم يتم مسّهم بشكل مباشر هم المعنيون بالرسالة. فالقرب من الملك يتم عبر منطق المد والجزر».

الممارسات السلطانية الممتدة على مدى قرون تكشف النقاب عن قاموس خاص بالعقاب الذي ينزله الملك بكبار مسؤولي دولته، سواء المسؤولون مركزيا أو محليا. ويحتفظ التاريخ بالكثير من القصص لوزراء وعلماء كبار ومقربين نالتهم لعنة الغضب السلطاني في لحظة معينة، ليتم إنزالهم من قمة هرم السلطة، وسجنهم أو قتلهم أو تتريكهم (تجريدهم من ممتلكاتهم)، مع ما يصاحب ذلك من إشهار و«تطويف» داخل أزقة المدن لإعطاء العبرة لباقي المسؤولين، وتثبيت الهيبة والخوف في قلوب الرعايا العاديين. ممارسات كانت تشمل أقرب المقربين من السلاطين، وتمتد لتشمل خلفاءهم في بعض المناطق، وكبار الباشاوات والقياد. المسؤول الرسمي في دولة السلطان، سواء كان مركزيا أو محليا، كان يعتبر بمثابة مستفيد من «رخصة استغلال»، أو متعاقد يشتري من السلطان قسطا من السلطة، مقابل إسداء الخدمات وتقديم المقادير المتفق عليها من الأموال والمنتجات العينية. وفي اللحظة التي يقرر فيها السلطان إنهاء هذا «العقد» أو التفويض، فإنه يسترجع كل ما يوجد بحوزة المسؤول المعزول، حيث يطال هذا الاسترجاع أحيانا روحه أيضا.

المؤرّخ المعطي منجب أوضح أن فلسفة عقاب الخدام في التقاليد المخزنية امتداد لثقافة «التربية» عند الأسرة والعائلة الممتدة، وهذه الممارسات العنيفة رمزيا أو ماديا عرفها تاريخ المغرب منذ قرون. «وقد يكون لنفس الفعل العقابي وقع مادي ودلالة رمزية». ويوضّح منجب أن ممارسات المخزن السلطاني لم تكن أعنف بكثير من ممارسات القبيلة والعائلة والعشيرة، فيما اعتبر الباحث في العلوم السياسية، عبد المنعم لزعر، أن لكل سلطة عقابية وجهين اثنين، «وجه صريح تضبطه الصيغ المعيارية الدستورية أو القانونية التي تؤطره، ووجه ضمني رمزي يضبطه الإرث التقليدي المغذي للمنظومة الرمزية للنظام السياسي». وأوضح لزعر أن هناك حالات محدودة يتم فيها تفعيل العقاب المزدوج للرعايا الأوفياء، «فهذا العقاب الذي يطرد الرعايا من دائرة النعمة، ويقصيهم من تفاصيل اللعبة السياسية، يجعل وضعهم مرادفا لوضعية الموت. فكل شيء يموت حين تهجره الثقة والحركة، لذلك كان العقاب المزدوج موتا مزدوجا».

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

علي منذ 4 سنوات

انها الديمقراطية المحمدية و ديمقراطية السلفيات (صور) فهمتو ؟

علال كبور منذ 4 سنوات

أين هي قواعد دولة الحق والقانون ؟؟؟ هلا لا زال البلد يعيش سياسيا ضروف القرون الوسطى