التسريب...

30 أكتوبر 2017 - 18:02

اخترع تيار الاستوزار في حزب العدالة والتنمية جريمة جديدة في السياسة والإعلام، أطلق عليها اسم «التسريب»، وذهب خيال متزعم هذا التيار، عزيز الرباح، إلى حد الزعم بأن هناك شبكة من الإعلاميين هدفها شيطنة وزراء العدالة والتنمية، وشق صف المصباح، وتخوين رموزه! ولكي تكتمل نظرية المؤامرة، فقد جرى اتهام عناصر داخلية من وسط الحزب بتوفير مادة هذه الشيطنة للإعلام، من خلال تسريب أخبار ومعلومات عن الحياة الداخلية للحزب… ولأننا في هذه الجريدة مهتمون بنقل كل ما يجري في كواليس الحياة السياسية والحزبية، فإننا كنا في مرمى مدفعية العثماني والرباح ويتيم والرميد وآخرين من أتباع هؤلاء، وبعض المشتغلين في دواوينهم، والذين لا شغل لهم غير «حمل المجمر وراء جيلالة».
الحزب السياسي ليس خلية سرية لتنظيم ثوري، وما يجري داخله ليس سرا من أسرار الحسابات البنكية للأشخاص. الحزب مؤسسة عمومية ممولة من جيوب دافعي الضرائب، وهي تسعى إلى الحصول على السلطة من أجل إدارة الشأن العام. ولهذا، فإن كل معلومة عن الحزب وتوجهاته وقراراته وخبايا مطبخه الداخلي تهم الرأي العام، ومن حق الناس الاطلاع عليها أولا بأول. هذا تمرين ديمقراطي، ووظيفة الصحافة الأولى أن تسلط الضوء على ما يجري في كواليس الأحزاب والنقابات والحكومات والبرلمانات والبلاطات، وليست وظيفتها نشر الأخبار الوردية التي يرميها الساسة لوسائل الإعلام. هذا اسمه إعلان وليس إعلاما، وبروبغندا وليس إخبارا.
يكشف السجال الدائر اليوم داخل حزب العدالة والتنمية إشكالية العجز عن فهم دور الصحافة في الحياة الديمقراطية، والعجز أكثر عن التواصل مع الإعلام الجديد الذي حطم مؤسسة السر، وثقافة الكتمان، وأساليب تهريب النقاش الحيوي عن الجمهور، الذي تراه الثقافة الحزبية التقليدية غير ناضج، وغير مؤهل ليعرف كل شيء عن الحزب، وعن أسرار المفاوضات مع القصر، وعن طرق تدبير الاختلاف بين قادته.
عندما يخرج قادة في حزب المصباح ليتهموا صحافيا أو جريدة أو موقعا بالمسؤولية عن التأثير في توجهات لجنة القوانين والمساطر، التي تضم أكثر من 60 عضوا جلهم مسؤولون وطنيون أو جهويون أو محليون، وكلهم متعلمون، أمضوا سنوات في العمل السياسي.. عندما نتهم الإعلام بغسل أدمغة هؤلاء من أجل التصويت على فتح الطريق أمام بنكيران لدخول منافسات الأمانة العامة في المؤتمر المقبل، فهذا الاتهام لا يعيب هذه الصحف، بل يعيب أصحابه الذين يحتقرون ذكاء المناضلين، ويصورون رؤوسهم على أنها أكياس يمكن ملؤها بأي شيء وفي أي وقت.
وظيفة الصحافة أن تصل إلى المعلومات غير المتداولة، والأسرار المخبأة بعناية في صناديق مقفلة، والغرض هو إعطاء المواطنين الحق في الوصول إلى المعلومات التي تدخل في صميم تشكيل آرائهم في السياسة بمفهومها العام، فرأي أي إنسان يقاس بكمية ونوعية المعلومات التي لديه.
منذ صدرت هذه الجريدة قبل تسع سنوات ونحن نؤدي ضريبة البحث عن المعلومات المخبأة وراء الستار، في المحاكم أولا، وفي شباك الإعلانات ثانيا، وعلى صفحات الإعلام الأصفر الذي ينتشر مثل الفطريات فوق الجلد، والذي يحاول أن يرعب الصحافيين حتى لا يؤدوا وظيفتهم. يوم نشرنا تفاصيل صفقة «عطيني نعطيك» بين مزوار وبنسودة بالوثائق، غضبت منا الدولة قبل المعنيين بالأمر، ويوم نشرنا برنامج حكومة بنكيران قبل عرضه على البرلمان، غضب منا رئيس الحكومة السابق، وبدأ يبحث عن الثقب الذي تسربت منه الوثيقة إلى الصحافة، ويوم كشفنا تهريب صلاحيات رئيس الحكومة على الإشراف على صندوق تنمية العالم القروي في القانون المالي لسنة 2015، جرنا عزيز أخنوش ومحمد بوسعيد وفوزي لقجع إلى المحكمة بموافقة بنكيران، ويوم سلطنا الضوء على تسريبات كوليمان، اعتبرت بعض الأجهزة في الدولة أنها المعنية الأولى بهذه الفضيحة التي كان يجب أن تبقى في تويتر ولا تخرج إلى الورق، ويوم نشرنا بعض أسرار كتابة الدستور، انهالت على رأسنا بيانات ثقيلة لكبار خدام الدولة، وعندما نشرنا لائحة المستفيدين من أراضي الكيلومتر التاسع، قطع علينا حصاد والضريس إعلانات الوزارة، وعندما رفضنا أن نكون جزءا من الانكشارية الإعلامية المكلفة بشيطنة بنكيران، قطعت عنا أكبر مجموعة اقتصادية في البلد الإعلانات إلى اليوم… والآن تحول «الإخوان» في الحزب وفي الجماعة، الذين كانوا يأكلون مع بنكيران في الصحن نفسه لمدة خمس سنوات، إلى اتهامنا بخدمة أجندة رجوعه إلى قيادة المصباح، بعدما كانوا يلوموننا على انتقاد قراراته في رئاسة الحكومة وتفريطه في صلاحياته الدستورية.
عوض أن يرى السياسي نفسه في مرآة الصحافة، يعمد إلى تكسير كل المرايا التي تحيط به ليعيش في الخيال المعشش في ذهنه. وحتى لا يواجه الحقيقة، يعمد إلى إثارة الغبار حتى لا يرى أحد حقيقته. هناك نكتة في لبنان تقول إن أحد السياسيين المبتدئين جاء يشكو نشر الأخبار الكاذبة في الصحافة عنه إلى زعيمه في الحزب، فرد عليه الأخير بحكمة المجرب وقال له: ‘‘احمد الله أن الصحافة تكتب عنا الأكاذيب، لأنها لو كتبت عنا الحقائق لكان وضعنا أسوأ مما تراه، فحقائقنا أفظع من كل الأكاذيب التي تروجها الصحافة عنا’’. هي نكتة ساخرة، لكن فيها الكثير من الجدية.
كان الحسن الثاني يكره صحافة المعارضة، لكنه لم يكن يقرأ سواها، وكان يشكو كتاب افتتاحيات جرائدها إلى زعماء أحزابهم (بوستة وبوعبيد ويعتة وآيت يدر)، الذين كانوا يدافعون عن أقلامهم تارة، ويعملون على تهدئة الخواطر تارة أخرى. اليوم لم تعد للصحافة القيمة التي كانت لها لأسباب كثيرة، أولها أن أصحاب بيتها رضوا بالهوان، وثانيها أن الجزرة كان مفعولها أقوى من العصا، وثالثها أن أكبر ناشر اليوم في المغرب هو السلطة، وأفضل جريدة هي التي لم تصدر بعد.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

محمد منذ 4 سنوات

للاسف خيب بعض الوزراء البيجيديون في الحكومةالحالية ظننا فيهم حيث كنا نراهم غير الذي نراه ولم نكن ننتظر ان يصبحوا عياشين كوزراء الاحزاب الاخرى

ahmed منذ 4 سنوات

ولله در الأحرار والشرفاء والذين تجري في دمائهم المصداقية.. كم أغبطكم على هذه الشهامة في التصدي لكل المسترزقين وإعلام السلطة..

mohamed منذ 4 سنوات

je respecte ton professionnalisme et j'avoue que je trouve en toi un vrai journaliste réalisant un on travail continuez Mr bou3chrine

احمد اولاد عيسى منذ 4 سنوات

بل جريدتك الأفضل في الساحة اليوم،ويراعك من شجر نسغه وماءه يجري في عروقها بحيويةفائقة. شكرا على نشرالحقيقة مهما كانت الضريبة التي تؤديها أخي توفيق..وفقك الله

hommage منذ 4 سنوات

أنصح الرباح أن يبحث في أرشيف هذه الجريدة المحترمة عن مقال عنونه بؤ عشرين بسؤال من يحكم المغرب ويقرئه ويقرأ التاريخ الذي نشر فيه وسياق الأحداث التي كان يمر منها حزبه لكي يفرق بين الصديق والعدو وبين الحق والباطل وشكرا

jamal منذ 4 سنوات

allah ya7afdak khouya bou3chrin bravo

hommage منذ 4 سنوات

بدون مجاملة يوم تكالب الإعلام بجميع أشكاله على حزب بنكيران كان بو20 بمثابة المنقذ الإعلامي لحز بنكيران وله الفضل في توضيح كثير من الأكاذيب التي روجت ضد الحزب ويمكن أرباح أن يرجع للأرشيف وبالضبط في الأوقات التي اشتد عليكم الخناق و في كثير من المرات قال ما لم يقدر حتى بنك نفسه بحكم موقعه فلا يحق لأرباح الذي أكبر مجازفة قام بها هي شربه البصارة

التالي