النساء المهاجرات.. حكايات من رحم مآسي الهجرة عبر المغرب

06 نوفمبر 2017 - 06:59

لون البحر يكشف كم هي بعيدة إفريقيا. الماء ملون بالأزرق الداكن، والأمواج تضرب من الأعلى ومن الأسفل. أولئك الذين لا يعرفون الطريق فقط يمكنهم التشبث برحمة تيارات مضيق جبال طارق. “تصعد إلى القارب، وأنت تعلم علم اليقين أنك قد تصل وقد لا تصل”، تعترف باتريشيا، مهاجرة من ساحل العاج تبلغ من العمر 39 عاما. صعدت باتريشيا في غشت الماضي إلى زورق رفقة توأمها (7 سنوات)، انطلاقا من شمال المغرب وجيوبها خالية من أي سنتيم، باستثناء الأمل في بلوغ السواحل الإسبانية.
“لن أعاود نفس المغامرة ما دمت حية. أبدا”، تقول باتريشيا متعجبة وهي تبكي في حي “خيريز فرونتيراس” بمدنية قاديس، حيث تعيش في شقة منحتها إياها المنظمة غير الحكومية المهتمة بمساعدة المهاجرين Accem. تحكي أنها لم تكن تفكر في الهجرة إلى أوروبا، “وما بالك الصعود إلى قارب مهترئ إلى جانب 31 مرشحا آخرين في أعماق البحر”. ليست وحدها من عاشت التجربة ذاتها، بل تتقاسمها بدرجات متفاوتة مع 12400 مهاجر سري رسوا في السواحل الإسبانية ما بين يناير وشتنبر من هذه السنة، بعد ركوبهم “مقبرة غرب المتوسط”، حسب المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة. وهو أكبر رقم يسجل منذ سنة 2008، كما أن الرقم ارتفع بنسبة 50 في المائة مقارنة مع نفس الفترة من سنة 2016. ولا يتعلق الأمر بالمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، بل عاد المغاربة هذه السنة ليظهروا من بين الجنسيات الأكثر هجرة إلى أوروبا.
“من المحتمل أن تسجل هذه السنة وصول أكبر عدد من المهاجرين”، يرجح خوسي كيرستوبال مارافير، نائب رئيس مركز التنسيق لخفر السواحل بمدينة طاريفة. وأضاف قائلا: “يجب فهم أن الهجرة السرية لا تتوقف في البحر”، ويشبه محاولات وقف زحف المهاجرين قائلا: “الأمر أشبه بوضع باب للريف: وهم حقيقي”.
الاحتجاجات التي تشهدها منطقة الريف وتخفيض المراقبة في المغرب، علاوة على اعتراض سبيل قوارب الهجرة في السواحل الليبية الإيطالية بعد توقيع اتفاق بين البلدين، هي بعض العوامل، حسب المراقبين، التي تفسر ارتفاع عدد الواصلين إلى السواحل الإسبانية. ورغم ذلك، فإن ضغط الهجرة يبقى بعيدا عن ذلك الرقم القياسي الذي سجل سنة 2006، عندما وصل 30000 مهاجر إلى جزر الكناري (إسبانيا).
كما أنه لا يمكن وصف الطريق المغربية الإسبانية بالجديدة، لكن الجديد نوعا ما هو أنه في السابق كان يستعملها المغاربة أنفسهم،إلا أنه في السنوات الأخيرة دفعت الاضطرابات التي تعيش على إيقاعها مجموعة من الدول الإفريقية آلافا من أبنائها إلى المخاطرة بحياتهم من أجل بلوغ الفردوس الأوروبي انطلاقا من المغرب. وعلى الرغم من أن النساء يمثلن 9 في المائة، من بين المهاجرين الذين يتخذون المغرب كبلد للعبور، إلا أنهم الأكثر تعرضا لمخاطر هذه الطريق. “معرضات كثيرا للاغتصاب والسرقة والاختطاف والاتجار فيهن من قبل شبكات التهريب”، تكشف إليفيرا غارسيا، ناشطة تقدم المساعدة للمهاجرين لصالح منظمة Accemفي قاديس.
وتبقى مغامرات باتريشيا وباهومو وإستير في الطريق التي قادتهن من بلدانهن مرورا بالمغرب وصولا إلى إسبانيا، صورة مصغرة لمعاناة آلاف المهاجرين الذين اختاروا الطريق ذاتها.
باتريشيا: رحلة 6 سنوات عبر 8 بلدان
بينما تداعب شعرها المشدود في نصف ضفيرة جميلة، تحكي باتريشيا أنها هربت من ساحل العاج سنة 2011 “من أجل أمن ابنتها”، رضيعة حينها. في تلك السنة اندلعت الحرب الأهلية وقررت العبور إلى غنا ومنها إلى بوركينافاصو وصولا إلى مالي. وحينما كانت تفكر في الاستقرار بشكل نهائي في مالي، اندلع نزاع في المنطقة التي كانت فيها، ما أجبرها على المغادرة. تسللت إلى السنغال ومنها إلى موريتانيا قبل أن يستقر بها الحال في المغرب.
تؤكد المساعدة الاجتماعية إليفيرا غارسيا، أن السنوات الأخيرة تسجل وصول نساء في مقتبل العمر لوحدهن أو رفقة أطفال صغار. وإذا كانت النيجيريات يمثلن في السابق حصة الأسد في هذه الطريق، فإن الكاميرونيات والإيفواريات تربعن هذه السنة على عرش الهجرة السرية. “يجب إحداث طرق آمنة، لأن أي شابة تقرر خوض هذا التحدي لوحدها أو رفقة طفل صغير، في إفريقيا أو هنا، فإنها تعرض حياتها للخطر”، تندد إليفيرا غارسيا.
تشبه باتريشيا السنوات الثلاث التي قضتها بالدار البيضاء بـ”العبودية”. امرأة سوداء وكاثوليكية ولا تتوفر على وثائق الإقامة في بلد مسلم ينظر البعض فيه بتوجس إلى مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء، أدركت في النهاية أن إمكانية بناء مستقبل في المغرب تبقى محدودة.
لهذا شدت الرحال إلى طنجة، ودفعت 20000 درهم من أجل عبور 14 كيلومترا التي تفصل المغرب عن أوروبا. “قبل أن تصعد إلى قارب الموت، عليك أن تمر عبر الغابة، حيث من الممكن أن تتعرض النساء للعنف والاغتصاب”، تؤكد باتريشيا. تتذكر أنه تم إنقاذ حياتها من قبل خفر السواحل الإسبانية بعد 10 ساعات من التيه في أعماق البحر؛ في هذا تقول: “سفينة صيد إسبانية أرشدتنا إلى الطريق، بعدها بنصف ساعة حلقت فوقا رؤوسنا مروحية”، وكان الفرج.
باهومو.. عندما توصلك المعاناة إلى التلفزيون
وصلت باهومو إلى إسبانيا يوم أبريل الماضي على متن قارب موت بدون محرك، على متنه 33 شخصا بعد خروجه من مدينة الناظور. تحكي أن وصولها إلى إسبانيا خلق الحدث، إذ “نقله التلفزيون”: القارب انقلب وغرق ثلاثة مهاجرون.
ووفقا للمنظمة الدولية للهجرة السرية، غرق 138 مهاجرا هذه السنة في طريق غرب المتوسط (أي السواحل الجزائرية والمغربية والإسبانية). “تخيلي معي أمواجا يبلغ علوها أربعة إلى خمسة أمتار، وقاربا صغيرا على متنه 8 أشخاص يصعدون وينزلون”، يصف إسرائيل دياث، قائد سفينة الإنقاذ “أركتوروس”، التي تضم فقط فريقين للإنقاذ مكونين من 4 أفراد يتناوبون كل أسبوع من أجل إغاثة المهاجرين في حالة الطوارئ.
“الفترة ما بين 2000 و2003 كانت الأكثر صعوبة، كانت تصل إلى السواحل الإسبانية قوارب محملة بـ80 مهاجرا”، يكشف القائد. لكن تلك القوارب الكبيرة تم استبدالها اليوم بـ”قوارب/لعب” تحمل على متنها 10 أشخاص. من سلبيات هذه القوارب أنها غير مؤمنة، لكن من حسنتها- على المهاجرين- أنها صعبة الرصد من قبل رادارات الأمن الإسباني المزروعة على طول الحدود البحرية مع شمال إفريقيا.
خرجت باهامو من ساحل العاج سنة 2013 مع طفلها، انتقلا في البداية إلى مالي وبعدها إلى موريتانيا وصولا إلى المغرب. “إذا لم تكن معك نقود يجب عليك أن تنامي مع جميع الرجال الذين تصادفينهم في الطريق”، تحكي هذه الشابة التي تبلغ من 33 عاما، والتي تتقاسم نفس السقف مع باتريشيا.
بعد وصولها إلى شمال المملكة، ركب طفلها في قارب حمله إلى مدينة مليلية، حيث يعيش الآن بعيدا عنها ولا تستطيع رؤيته. “كانت هناك إمكانية أن أصعد إلى زورق يتوفر على محرك وأكثر أمنا، لكن كنت مريضة ورفضت الصعود”، تتذكر باهومو، وتضيف: “هكذا قررت أن يهاجر هو أولا”. بعدها بأسبوعين، صعدت هي، أيضا، إلى قارب صغير. أخبروها أنه سيتوجه إلى مليلية، قبل أن تكتشف أنهم كذبوا عليها. في الحقيقة كانت ترغب في الالتحاق بطفلها.
“هي أول مرة أرى فيها العديد من الأشخاص يصلون إلى الساحل”، يعلق إيفان ليما، تقني في منظمة الصليب الأحمر في طاريفة. المسؤولون عن الصليب الأحمر في مدينة طاريفة أكدوا أن أغلب المهاجرين يصعدون إلى القوارب وهم يجهلون وجهتهم بالضبط، في هذا يقولون: “عندما يصلون لا تكون لديهم أي فكرة عن مكان تواجدهم”.
تحكي باهومو أنه تم خداعها: القارب الذي صعدت إليه لم يكن متجها على مليلية. بعد وصولها إلى إسبانيا، تقدمت في مناسبات عدة بملتمس لاسترجاع حضانة طفلها، وسايرتها في هذا الاتجاه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي طلبت من الحكومة الإسبانية تفسيرات بخصوص الإجراءات التي يتوجب اعتمادها من أجل ضمان التجمع العائلي للطفل ووالدته. وبفضل تدخل المحكمة الأوربية، تمكنت باهومو لأول مرة من التحدث إلى طفلها عبر الهاتف في انتظار أن يلتحق بها.
جنين فوق الماء
هربت إيستر من نيجريا سنة 2012 رفقة زوجها بهدف وحيد وواضح: العبور إلى أوروبا. “عائلتي فقيرة، وقالت لي إن أوربا أفضل مكان للعيش”، تؤكد إيستر. استغرقت الرحلة 9 شهور على متن شاحنة انطلاقا من نيجيريا مرورا بالبنين ومالي والجزائر، إلى أن وصلت إلى المغرب. “في بعض الأحيان، كنا ننام لأيام في الصحراء.. إذا لم تختبئ يغتصبونك ويضربونك ويسرقون منك كل شيء”، تحكي هذه المرأة البالغة من العمر 30 عاما بصوت منكسر.
بعد قضائها 4 سنوات في الرباط، حيث واجهتها مجموعة من الصعاب، خاصة المادية، بدأت تفقد الأمل وطرحت إمكانية العودة إلى نيجيريا. “تفاجأت بكوني حامل. في الحقيقة لم أكن أرغب في أن يولد ابني في المغرب، كما أنه في بلدي هناك الكثير من المعاناة”، تشرح سبب تراجعها في آخر لحظة عن العودة لبلدها. لهذا قررت خوض التحدي، وجمعت 17 ألف درهم وسافرت إلى مدينة الناظور. وفي الأسبوع الذي كانت فيه حامل في شهرها السابع، وجدت نفسها محشوة في قارب إلى جانب 32 مرشحا للهجرة. هكذا رأى طفلها النور بعد عملية قيصرية في مستشفى إشبيلية، قبل أن ينتقلا للعيش في شقة للإيواء تابعة لمؤسسة الصليب الأبيض في الجزيرة الخضراء (توجد منظمة إسبانية تسمى الصليب الابيض).
الحياة في أوروبا ليست سهلة كما رسمتها النساء الثلاث في أحلامهن في البداية. “ليست لدينا وثائق إقامة ولا عمل”، تتحصر المهاجرات الإفريقيات. لكن المساعدة الاجتماعية الإفريقية أيضا، بليسينغ، تذكرهن بضرورة التشبث بالأمل قائلة: “ليس كل شيء بسيء: أنت حية ترزقين! (ربما هي على حق، فحتى البقاء على قيد الحياة معجزة في حد ذاتهن كما يقول الأوروغوياني بيبي موخيا، أفقر رئيس في العالم). فالمساعدة بيلسينغ تدرك أيضا معنى الهجرة السرية، لأنها وصلت، أيضا، إلى إسبانيا قبل 14 عاما على متن تلك القوارب.

عن إلباييس

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي