الحسن الثاني في وثائق "سي آي إي": ملك لا يحفظ مواعيده

20/11/2017 - 08:02
الحسن الثاني في وثائق "سي آي إي": ملك لا يحفظ مواعيده

« الحسن الثاني معروف بعدم حفظ مواعيده حتى مع زعماء الدول »، هذا ملمح من ملامح شخصية الحسن الثاني كما يرسمها ملحق بمذكرة استخباراتية أمريكية داخلية تعود إلى 1982، تقيم الأوضاع بالمملكة. الملحق الموجه للمسؤولين الأمريكيين المعنيين بالتعامل مع الملك في إطار مهامهم، يتحدث عن ملك « متأثر جدا بالثقافة الفرنسية، أنيق، متقلب الأهواء، ساحر وجذاب ». الحسن الثاني، يحضر، أيضا، في البروفايل السرّي، كـ »خطيب مفوّه يوظف ملكته الخطابية بشكل ناجع في السياسة ». هو أيضا « متلاعب ماهر بالسلطة والناس، يوظف بذكاء سياسة فرق تسد في وجه معارضيه ».

حسب البروفايل، دائما، ظل الملك الراحل « يحيط رجاله الأوفياء بالرعاية والريع، ويحاول التقرب من معارضيه كلّما أمكن، وإلا فلا يتورّع في سحقهم إذا تطلب الأمر ذلك ». خارجيا، يرى التقرير أن الحسن الثاني زعيم يعرف كيف يوظف قضايا السياسة الخارجية في تنفيس الضغط الداخلي بالبلاد.

بالمقابل، يثير التقرير توجس مخابرات العم سام من الملك الجديد، حين يتحدث عن أن الملك بدا « غير مؤهل في بداية حكمه لتدبير شؤون الدولة »، قبل أن يستدرك « لكن مع توالي السنين، استطاع كسر تلك الصورة وإثبات ذاته كقائد يسعى إلى تطوير بلاده، موظفا بنجاعة الرموز والطقوس المتفرعة عن إرثه السياسي والروحي ».

هل كانت المخابرات الأمريكية على علم بنوايا أوفقير؟

ضمن الوثائق المفرج عنها أيضا، مذكرة استخباراتية تتقصى « آفاق التغيير السياسي في المغرب » مؤرخة بفبراير 1972، أي أشهرا بعد المحاولة الانقلابية الأولى، وأشهرا قبل تنفيذ الثانية (غشت 1972)، تُولي اهتماما خاصا بشخصية محمد أوفقير القائد الأعلى للجيش حينها. المثير في المذكرة إشارتها إلى أن مواقف الجنرال محمد أوفقير من النظام، « صارت تبدو أقل وضوحا » منذ انقلاب يوليوز 1971. معدو المذكرة كانوا ينظرون بعين الريبة إلى الصلاحيات الواسعة التي منحها الحسن الثاني لأوفقير بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة.

مصادر قوة أوفقير ومدعاة الريبة أيضا تأتي، في نظر الخبراء الأمريكيين، ليس فقط من قربه من الملك، وإنما لسيطرته لفترة طويلة على أجهزة الأمن الداخلي والشرطة وشبكات التجسس. وهو ما جعل التقرير الاستخباراتي يضع فرضيتي انقلاب أوفقير على الملك، أو سيطرته على زمام الحكم بالمملكة ليتحول الحسن الثاني إلى مجرد ملك واجهة فقط دون صلاحيات فعلية، من بين السيناريوات الممكنة للتغيير السياسي داخلها في حال استمر الاستياء والحنق من نظام الحسن الثاني. هذا الأخير يبدو ، من جانبه، وفقا للاستعلامات الأمريكية، واعيا بالتهديد الذي يمكن أن يشكله الجنرال، لذا « (كان) يطمح لأن يشكل التطور المحدود في وضع الأحزاب (ضمن الإصلاحات التي أدخلها الملك بعد محاولة 1971) قوة مضادة  للجنرال أوفقير ».

الأمازيغ في الجيش والعرب في السلطة

الورقة الأمنية نفسها تتوقف عند التركيبة الخاصة للمؤسسة العسكرية المغربية مقارنة مع باقي المؤسسات، إذ تتميز بنسبة عالية من الأمازيغ الذين يشغلون مناصب بالجيش. وتعزو المذكرة ذلك إلى « تشجيع الاستعمار الفرنسي عن قصد، الأمازيغ للالتحاق بصفوف الجيش لإحداث توازن مع الأغلبية العربية في البلاد التي تسيطر على المشهد السياسي ». رغم ذلك، يلاحظ التقرير غياب أي علامات على وجود صراعات بين العنصرين العربي والأمازيغي داخل الجيش، وإن « كان كثير من الأمازيغ داخل المجتمع المغربي بشكل عام يشعرون بالحنق من الوضع التفضيلي، الذي يحظى به العرب المنحدرون من فاس في بنية السلطة المدنية ». الاهتمام بهذا التقسيم العرقي في توزيع المهام بين السلطة المدنية والجيش، يأتي في سياق دراسة الاستخبارات الأمريكية لإمكانية استفحاله وانتقاله إلى الجيش بوجود رجل أمازيغي نافذ على رأسه (أوفقير).

أمريكا تنظر بعين الرضا لقيام « المغرب العربي »

في واحدة من الوثائق التي أفرجت عنها وكالة الاستخبارات المركزية ، بموجب قانون حق الحصول على المعلومات (FOIA)، تتحدث الوكالة عن مزايا قيام اتحاد مغرب عربي بين دول المغرب وتونس والجزائر بالنسبة إلى المصالح الأمريكية. الوثيقة التي تعود إلى عام 1983 ترى أن من أولى ثمار هذا المولود المنتظر إحداث نقلة مهمة في توجه الجزائر، (نقلة) تميل بها ناحية المعسكر الغربي، باعتبار أن المغرب وتونس محسوبان أصلا على هذا المعسكر، مع ما يستتبع ذلك من تعزيز الحضور الأمريكي في الجزائر المعروفة بولائها للمعسكر الشرقي. ويبدو من تركيز الوثيقة على هذه الدول الثلاث (رغم أن الاتحاد سيضم ليبيا وموريتانيا أيضا بعد تأسيسه في 1989)، أن الإدارة الأمريكية كانت تريد اتحادا لا يضم ليبيا بالخصوص.

فمن ضمن الأهداف التي سطرتها الوثيقة هي الحد من التأثير الليبي في الدوائر الإفريقية والعربية، استنادا إلى أن المغرب وتونس والجزائر تتقاسم مع الولايات المتحدة مخاوفها من نفوذ العقيد معمر القذافي المتنامي في المنطقة، « وقد تدعم المعارضين لنظام القذافي، وإن كانت أنشطة هؤلاء لا تشكل خطورة كبيرة على نظام العقيد ».

الوكالة ترى، أيضا، في تقريرها أن تأسيس الاتحاد سيكون مفيدا للمصالح العسكرية الأمريكية، حيث سيسهل مهام الجيش الأمريكي وحلف شمال الأطلسي في الحفاظ على قنوات البحر الأبيض المتوسط مفتوحة، والسماح للولايات المتحدة وحلفائها بالولوج إلى بعض المنشآت والمحطات مقابل إغلاقها أمام الاتحاد السوفياتي.

قيام الاتحاد يمثل كذلك، وفقا للتقديرات الأمريكية في تلك المرحلة، فاتحة خير على الخبرات والشركات الأمريكية في مجالات اقتصادية متنوعة، حيث سيمكن هذا الفضاء الجديد مقاولات العم سام من التنافس، بصفة منتظمة، على صفقات النقل والتجهيز والبناء ودعم القدرات العسكرية والعقود الخاصة بالدعم التقني والتكنولوجي، مع اهتمام خاص بالسوق الجزائري.

أهم إنجازات الحسن الثاني: إدخال المملكة عصر الدساتير

في وثيقة أخرى، تعود إلى عام 1963، وتقيّم حصيلة الحسن الثاني، الملك الشاب والجديد حينها (تولّى الحكم سنة 1961)، تعتبر « سي آي إي » أن أهم إنجازات الملك الجديد هو « مده المملكة بأول دساتيرها ». وترى الولايات المتحدة أنه بتحرير الوثيقة الدستورية والتصويت لصالحها وتمريرها في دجنبر 1962، يكون الملك قد وفّى بوعد أبيه محمد الخامس وضع دستور للبلاد قبل نهاية 1962.

رغم ذلك، تعود وكالة الاستخبارات المركزية لتنبه إلى أن الدستور الجديد أعطى للملك سلطات مطلقة، و »مهام متعددة، من رمز الأمة « المقدس » وقائدها الروحي، إلى رئاسة الجهاز التنفيذي، وهي سلطات تتعدى بكثير سلطات البرلمان « .

التقرير الاستخباراتي الذي يحمل عنوان « المغرب تحت حكم الملك الحسن الثاني » يشير، بالمقابل، إلى أن أكبر مشاكل الملك كانت تتمثل  في الجمود الاقتصادي، مع فشل الحلول « الترقيعية » التي بذلت لإنقاذه.

وهو مشكل تزامن مع توجس الملك المتنامي من النظام البعثي وخيبة أمله من مواقف جمال عبدالناصر بمصر . وقد حاول الحسن الثاني تجاوز هذا التوجه المناهض للملكيات والوضع الاقتصادي المتدهور للبلاد بتعزيز علاقاته مع إسبانيا وموريتانيا وليبيا (كانت ملكية – قبل انقلاب القذافي) ودول إفريقية أخرى، إلى جانب إجرائه زيارة للجزائر في محاولة لضمان التزامها – ولو ضمنيا- بعدم تشجيع المعارضة الداخلية لحكمه. الحسن الثاني آثر، أيضا، التحرك خارجيا باتجاه المعسكر الغربي من أجل الحصول على دعم الولايات المتحدة وفرنسا بالخصوص في المجالين الاقتصادي والعسكري لتثبيت أركان حكمه.

المغرب: وسيط بين مصر وإسرائيل

تركز مجموعة من التقارير الاستخباراتية التي واكبت تولي الحسن الثاني للحكم على الدور، الذي أوكله الملك للمملكة في ما يخص قضايا المشرق العربي والقضية الفلسطينية. يحضر المغرب، من زاوية النظر الأمريكية، باعتباره صوت الاعتدال والهدوء داخل الدول العربية، ولاعبا يستطيع تخفيف حدة القرارات العربية تجاه أمريكا، خاصة حين يتعلق الأمر بسياستها المساندة لإسرائيل. في وثيقة تعود إلى نونبر 1981، تتطرق « للسياسات والتحديات الراهنة للمملكة »، نقرأ أن « المغرب عرف تاريخيا بلعبه دور الجسر بين الدول العربية والغرب، كما أنه لعب في الآونة الأخيرة دور الوسيط بين العرب – خاصة مصر- وإسرائيل ». وكانت مصر، قبل سنتين على صدور المذكرة الاستخباراتية، قد وقعت  معاهد سلام مع إسرائيل كاسرة الإجماع العربي. التقرير يعزو قدرة المغرب على لعب دور الوسيط  للعلاقات التي استطاعت المملكة الحفاظ عليها مع تل أبيل من خلف الكواليس.

شارك المقال