السلطان المقامر

12 ديسمبر 2017 - 13:12

لم يكن السلطان عبدالحفيظ محظوظا، لأنه وصل إلى العرش في الوقت بدل الضائع، بعدما غمرت المياه ذلك المركب القديم الذي كان يسمى “الإيالة الشريفة”. رغم العزيمة والشكيمة ودعم النخبة، لم يستطع عبدالحفيظ أن يرمم الثقوب التي أحدثها شقيقه الأصغر في خزينة المملكة، بعد سنوات من التبذير والاستهتار، ولم يستطع أن يوقف الحركة الكولونيالية، التي بسطت نفوذها في كل القارات، خلال تلك الحقبة السوداء من تاريخ البشرية.

ودون أي نزعة معادية للنساء، يمكن أن نقول إن المسؤول الحقيقي عن دخول الاستعمار إلى المغرب هي امرأة تُدعى لالة رقية، أصلها تركي، زوجها كان يُدعى الحسن الأول واستطاعت أن تقنعه بتسليم العرش إلى ابنها عبدالعزيز، نكاية في إخوته الكبار، وضدا على الأعراف والتقاليد والمنطق السليم، و”إن كيدهن عظيم”.  كان لها حليف اسمه أحمد بنموسى، الصدر الأعظم المعروف بـ”باحماد”، الذي أصبح سلطانا فعليا للبلاد، بعد وفاة الحسن الأول سنة 1894. وبدل تحصين المملكة في منعطف تاريخي حاسم، استغل منصبه لمراكمة الثروة والانتقام من خصومه. هكذا ترك باحماد إنجازين لا ثالث لهما في تاريخ المغرب: بناء قصر الباهية، الذي استنزف خزينة المملكة، والتنكيل بالأخوين الجامعي، منافسيْه في بلاط الحسن الأول. لكل أجل كتاب. عندما مات أحمد بنموسى عام 1900، وجد عبدالعزيز نفسه محاطا بمستشارين أوروبيين، معزولا تماما عن الشعب، يمضي وقته في اللعب وركوب الدراجة واقتناء أحدث الاختراعات، حتى أفرغ خزينة الدولة، وترك الباب مفتوحا للطامعين في السلطة، لدرجة أن الجيلالي الزرهوني، المشهور بـ”بوحمارة”، كوّن جيشا وسيطر على مدن كاملة وكاد يزحف على فاس!

في هذه الفترة العصيبة، وصل عبدالحفيظ إلى العرش، محمولا بموجة إصلاحية غاضبة، تريد إيقاف النزيف، وبناء مغرب حديث، عبر إدخال إصلاحات اقتصادية وسياسية وعسكرية، تحصنه من الأطماع الاستعمارية. السلطان الذي كان يكتب الشعر ويؤلف الكتب، ويحظى وقتها بالتقدير والاحترام، حصل على دعم العلماء والمتنورين، الذين كانوا ينظرون إلى الشرق، ويحلمون بدستور وبرلمان على غرار التجربة التركية. وكانوا يعتقدون أن “الإيالة الشريفة” يمكن أن تحافظ على استقلالها، رغم تكالب القوى الاستعمارية، شريطة أن تباشر إصلاحات جوهرية وعاجلة. في هذا السياق جاء مشروع الدستور الذي نشرته جريدة “لسان المغرب” عام 1908، التي كان يديرها الأخوان اللبنانيان نمور. وقد حاول عبدالحفيظ فعلا أن يخرج المملكة من “المكس” و”الصنك” و”الترتيب”، ويقر سياسة ضريبية حديثة، كما حاول أن يشكل حكومة حقيقية، بعيدا عن “البنيقة” والصدر الأعظم ووزارتي الحرب والشؤون البرانية، لكنه كان يتحرك في الوقت بدل الضائع، بعد أن “انتهت اللعبة”، واتفقت القوى الاستعمارية على اقتسام “الكعكة” المغربية بين باريس ومدريد. حين وصل ليوطي وجنوده إلى فاس، في مارس 1912، بدعم من بعض الفقهاء الناقمين، أصيب عبدالحفيظ بما يشبه الانهيار العصبي. تأمل الطوق الذي يشتد على عنقه وأدرك أن “داء العطب قديم”، فما كان منه إلا أن  قلب “الجلابة”، وبات يفتش عن خلاصه الفردي. هكذا ماتت “الحركة الحفيظية” في المهد، واستسلم “البطل” المزيف للغزاة. كأن الهزيمة لم تكفه فأضاف إليها العار، حيث وقّع عقد الحماية مقابل شيك بقيمة 40 ألف جنيه إسترليني، وضعه في جيبه وغادر في اتجاه فرنسا. ولم يكن غريبا على مقامر مثل عبدالحفيظ أن ينهي حياته في مدينة آنگان- ليبان، في ضواحي باريس، حيث يوجد أحد أشهر “الكازينوهات”… السلطان قامر بالبلاد وسمعته، وربح شيكا تافها ووصمة عار إلى الأبد!

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

التالي