معرفة قول "لا"

21 ديسمبر 2017 - 13:59

قبل سنوات، سألت جون دورموسون (الكاتب الفرنسي الكبير الذي توفي مؤخرا)، عن أهم شيء يعتقد أنه تعلمه مع تقدمه في السن، فأجابني بدون أدنى تردد وبابتسامته الماكرة: “أعتقد أن أهم شيء اكتسبته مع تقدم السنين، هو معرفة قول لا”.
عند سماعي قول هذا، ظننت في أول وهلة أن هذا الكلام هو لشخص ثري، طفل مدلل، محفوف بالرعاية الخرافية منذ ولادته، ومحاط بالإغراءات التي لا تقاوم طيلة حياته لدرجة لا يستطيع معها رفض أي منها.
لا شك أنه كان يفكر، عندما أجابني، في العدد الذي لا يُحصى من الناشرين الذين رفض منحهم كتابا، في رؤساء تحرير الجرائد الذين رفض منحهم مقالا، في الجامعيين الذين رفض دعواتهم إلى إلقاء محاضرة ما، في المعجبين الذين رفض تلبية دعواتهم إلى العشاء أو الغذاء.
صحيح أنه كان محظوظا. لا أحد مثله حظي بكل بركة الآلهة منذ طفولته – وهو واع بهذا الأمر- سواء بمركزه الاجتماعي أو موهبته. ولعله يشكر السماء كل يوم لكونه ولد باسم “جون دورموسون”، ولم يزدد مجرد فلاح هناك في أعماق بنغلادش، لا يمكنه قول “لا”، لأن قليلا جدا من الناس ردوا على طلباته بـ”نعم”.
الواقع، أنه في عالم اليوم، يجد كل واحد منا نفسه في وضع يصعب عليه رفض أمر أو عمل، فقط لأن قانونا ما يفرضه، أو لأن وضعنا المالي لا يخول لنا إمكانية الرفض، ولأن قول “لا” يعني إغلاق أبواب المستقبل، يعني رفض هبة دون أي أمل في الحصول على شيء آخر مستقبلا، يعني خلق خصومات وعداوات، يعني المخاطرة بفقدان زبون، أو شريك أو منصب شغل.
ومع ذلك، فقولة دورموسون تستحق حقا أن تُؤخذ مأخذ الجد من طرف الجميع، لأن “اكتساب معرفة قول لا”، يعني أولا، التحلي بشجاعة اختيار ما نريد، يعني عدم الاستسلام لرغبات الآخرين، مهما كان الأمر: وجبة، أو لقاء، أو علاقة عاطفية، أو منصب شغل، أو شراء شيء ما، أو تلقي أمر. في هذه الحالة، قول “لا” يعتبر عملا بطوليا، أول تمظهر للحرية. حرية الطفلة والراشد على حد سواء. ومعرفة قول “لا” تعني، كذلك، بناء أخلاقيات تسمح للمرء بالاختيار. إنها التعمق في معرفة الذات.
معرفة قول “لا” تعني، أيضا، الترفع عن المماطلة، تعني رفض قول “ربما”، أو “فيما بعد”، أو “سوف نرى”، أو “لِمَ لا”، أو “لنتحدث في الأمر فيما بعد”. إنها تعني رفض الكذب، وبالخصوص رفض الكذب على الذات. إنها تعني القدرة على عدم الاستسلام للخوف، تعني عدم الخوف من التسبب للآخرين في الألم، عدم ترك الالتباس مغلفا للنويا، عدم ترك الشك يتسرب إلى ما نستطيع قبوله أو رفضه، تعني عدم ترك الفرصة لـ”ربما”، الأمر الذي يفتح الباب أمام كل أنواع سوء الفهم، كل التجاوزات، كل الخبائث التي يغذيها الالتباس.
إن معرفة قول “لا”، تعني، كذلك، معرفة قول “نعم”، تعني البدء في تحقيق الذات.
أكثر من هذا. ففي “معرفة قول لا”، هناك لفظة “معرفة”، وهي تعني التحلي بمهارة الرفض دون إهانة من يعتقد أنه يسعدك باقتراح ما لا تريد، تعني البحث عن طريقة لقول “لا” تحظى بموافقة وتواطؤ وتفهم من يتلقى هذا الرفض.
في هذه الحالة يمكن أن يتحول قول “لا” إلى فرصة لبناء علاقة حقيقية مع الآخر، في جو من الاحترام المتبادل.
وإذا ما اعتمدنا نموذج دورموسون، فإن قول “لا”، هو أفضل وسيلة للرفع أكثر من قيمة هدية “نعم”.
ترجمة
مبارك مرابط
عن “ليكسبريس”

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

التالي